لطلب خدمة التعبير الهاتفي فضلا ابعث رسال لرقم الجوال:0568849911,أخي الزائر / أختي الزائرة مرحبا بكم في موقع بشارة خير ولتفسير أحلامكم نرجو اطلاعكم على المواضيع التالية:,منتدى التعبير المجاني بموقع د/ فهد بن سعود العصيمي,تفعيل خدمة الدعم الهاتفي (رسائل واتس أب) وإشتراك الدعم (الماسي), |
![]() |
الدكتور فهد بن سعود العصيمي |
![]() |
اللهم ارحمهما واغفر لهما واجعل مثواهما الجنة |
![]() |
![]() ![]() |
صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز حفظه الله ورعاه |
![]() |
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
مساحة إعلانيه |
لطلب خدمة التعبير الهاتفي فضلا ابعث رسال لرقم الجوال:0568849911,أخي الزائر / أختي الزائرة مرحبا بكم في موقع بشارة خير ولتفسير أحلامكم نرجو اطلاعكم على المواضيع التالية:,منتدى التعبير المجاني بموقع د/ فهد بن سعود العصيمي,تفعيل خدمة الدعم الهاتفي (رسائل واتس أب) وإشتراك الدعم (الماسي), |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
عَودَةُ الكَتاتِيب
أيمـن بن أحمـد ذوالغـنى لم يكُنْ في الدُّنيا مَن هو أهمُّ عندَه منه، يَغذوهُ العلمَ، ويُلقِّمُه الأدبَ، ولا يَأْلو جُهدًا في رعايته وحُسن تَربيته، يَكُدُّ ويَنصَبُ راضيًا مُغتَبطًا، مُؤمِّلاً من غَرسِه الذي غَرَسَ وتَعَهَّدَ أن يُثمرَ عمَّا قليلٍ أَيْنَعَ الثمَرِ وأطيَبَه. ولم يكُنْ أهمَّ عندَه من كتابِ اللهِ تعالى يَعزِمُ أن يُحفِّظَه إيَّاه، وأن يُسَطِّرَه على صَفَحاتِ قَلبِه وفي تَلافيفِ دِماغِه، بحُروفٍ من نور؛ عسى أن يَغدُوَ في قابلٍ مُصحَفًا يمشي على الأرض، إتقانًا وفَهْمًا وعَمَلاً. وحينَ بلغَ بُنَيُّه السابعةَ رأى واجِبًا عليه مُؤَكَّدًا أن يَدفعَ به إلى حَلَقاتِ القُرآن في مَسجِد الحَيِّ؛ ليَستَكمِلَ المسجدُ ما بدأَهُ هوَ معهُ في دروبِ العلم والتَّربية والحِفْظ. ولكنَّ الأمرَ لم يكُنْ بالسَّهل، فمعَ ما كان يتَمتَّعُ به طفلُه من ذَكاءٍ وفَهْمٍ ووَعْيٍ، كان مُتعَلِّقًا بأُمِّه أشدَّ التعَلُّقِ، حتَّى لَتَخالُه بَضْعَةً منها لا تُفارقُها، وهَيهاتَ أن يَبْعُدَ عنها ساعةً من ليلٍ أو نَهار. بعدَ جُهد جَهيد، ونقاشاتٍ وجِدالٍ غير قَليل رَضِيَ الصَّغيرُ بالالتحاقِ بالمسجِد على كُرْهٍ، ومَضى مع أبيه إليه مُقَدِّمًا رجلاً مُؤَخِّرًا أُخرى، وكَفُّهُ الصَّغيرةُ البَضَّةُ تَقبِضُ على يدِ أبيهِ بشِدَّة، راجيةً ألا تَفْلِتَ منها أبدًا. أُعجِبَ الصغيرُ ببناء المسجِد ذي الطِّراز الحَديث، والنُّقوشِ البَديعَة، والزَّخارفِ الفَتَّانَة، فهَدَأَتْ نفسُه وازدادَ إقبالُه، وأعانَ على بَثِّ الطُّمَأْنينَةِ في نفسِه ما يُحيطُ بالمسجِد من حَدائقَ ذاتِ بَهْجَة، لا يَحسَبُها الرَّائي إلاَّ قطعةً من فِرْدَوسِ السماء، جعَلَها اللهُ في الأرضِ لتكُونَ حافِزًا للناسِ ومَطْمَعًا فيما أعَدَّهُ لأهل طاعَتِه في الحَياةِ الآخِرَة. رَحَّبَ أُستاذُ القُرآن بالطَّالبِ الجَديد، ووَعَدَ أباهُ أن يَلقى منهُ كلَّ اهتِمامٍ وعِنايَة، فمَسؤوليَّتُه تُحَتِّم عليهِ بَذْلَ ما في الوُسْعِ في تعليمِ الطُّلاَّبِ والحَدَبِ عليهِم. انصَرَفَ الأبُ مُطمَئِنًّا سَعيدًا .. فها هوَ ذا حُلُمُه بدَأَ يتحَقَّق، وها هوَ ذا ضِياءُ عَينِه ومُهجَةُ قَلبِه يضَعُ رجلَهُ في أوَّل الطَّريق التي طالمَا رَغِبَ أن يَسْلُكَها. ولكنَّ سَعادَتَهُ لم تَلبَثْ أن انقَلَبَتْ هَمًّا وكآبَة، حينَ رجَعَ إلى وَلَدِه فوَجَدَهُ على صُورَةٍ غيرِ الصُّورَة التي تَرَكَهُ عليها.. وَجَدَهُ مُصفَرَّ الوَجه، مُحمَرَّ العَينَينِ، مُضطَربَ الفُؤاد.. عَجَبًا ما الذي دَهاك؟! لقد تَرَكتُكَ على خَير حال، أخبِرني يا بُنَيَّ ما الَّذي أصابَك؟ ولم يكُنِ الجَوابُ إلا عَبَراتٍ تَنهَمِرُ من عَينَيه، ونَشيجًا يَنْشِجُه، يكادُ يتَقَطَّعُ له نِياطُ القَلب. وأَخفَقَتْ جُهودي وجُهودُ أمِّه في الوُقوفِ على سَبَبٍ مُقنِعٍ يُفَسِّرُ لنا الحالةَ التي صارَ إليها. أما مُعلِّمُ الحَلْقَةِ فقد عَزا ما جَرى إلى إفراطِنا في تَدليلِه ومُراعاةِ جانبِه. وبِلَأْيٍ ما تَوَصَّلنا معَهُ إلى حَلٍّ مَرْضِيٍّ، هو أن يَحضُرَ من جَديدٍ بشَرطِ أن أَحضُرَ معَهُ من بِدايَةِ الدَّرسِ إلى نِهايَتِه، على أن يكونَ ذلكَ مرحَلةً مُؤَقَّتةً رَيثَما يَألَفُ جَوَّ الحَلْقَةِ، ويَأْنَسُ بمُعَلِّمِه ورُفَقاء دَرسِه. كنتُ أتوقَّعُ أن يكونَ الدرسُ في رُكْنٍ من أركانِ المسجِد الواسِعِ المُمتَدِّ، ولكنَّ الأُستاذَ كان مُصِرًّا أن يكونَ في غُرفَةٍ صَغيرةٍ مُخَصَّصَةٍ لدُروسِ القُرآن. حَضَرتُ مع الصِّغار، ووَقَفتُ بنفسي على كُنْهِ ما حَمَلَ ولدي على النُّفورِ والذُّعْر.. لقد اصْطَفَّ ثلاثونَ طالبًا على جِدارَي الغُرفَة الضَّيِّقَةِ المَكْتُومَةِ التي لا يَدخُلُها هَواء، ولا يَتسَرَّبُ إليها خُيوطٌ من ضِياء. والكُلُّ يُحَضِّرُ ويَستَظهِرُ مَحفوظاتِه بصَوتٍ عالٍ، وكأنَّهُم في سِباقٍ؛ الفائزُ فيه مَن يُزَلزِلُ الجُدرانَ بقُوَّةِ صَوتِه. والشَّيخُ رابِضٌ في مِحْرابِ الحُجْرَة بجَسَدِه الضَّخم المُكتَنِز، يَتأمَّلُ في الأطفال بنَظَراتٍ حادَّةٍ أشبَهَ بنَظَراتِ نَسْرٍ كاسِر، وإذا ما بَدَرَ من أحَدِ هؤُلاءِ الضَّعَفَةِ المَساكينِ ما لا يُرضِيهِ رَشَقَهُ بعِباراتِ التَّوبيخِ والتأنيبِ والنَّهْرِ والشَّتْم. كلُّ ذلكَ وهوَ لا يَفتَأُ يُكَرِّرُ في أَنَفَةٍ وشُموخٍ - مُتَصَنِّعًا الحِكمَةَ - قولَ الشَّاعر: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ رَاحِمًا فَلْيَقْسُ أَحيانًا عَلى مَنْ يَرْحَمُ وفاتَهُ أن الشاعرَ قال: ((أحيانًا))، لا أن تكونَ القَسْوَةُ والغِلظَةُ طَبعًا يَتَطَبَّعُ به المُرَبِّي. ولم يَمضِ طَويلُ وَقتٍ حتَّى ضاقَ صَدري، وأَصابَني دُوارٌ شَديدٌ وألَمٌ في رَأسي، وشَعَرتُ أنَّ رُوحي تَكادُ تُفارقُ جَسَدي، فقد زادَ الحالَ سُوءًا اخْتِلاطُ أَنفاسِ الطُّلاَّبِ بعضِها ببَعض، وتَطَيُّبِها برَوائحَ قَذِرَةٍ تَفوحُ من جَوارِبهِم وأَجسادِهمُ المُتَعَرِّقَة... وما هيَ إلاَّ لَحَظاتٌ حتَّى وَجَدتُّني آخُذُ بيَدِ وَلَدي وأَخرُجُ به مُسرعًا، بلا اسْتِئذانِ المعلِّم ولا مُراعاةٍ لحُرمَةِ الدَّرس؛ إذ حِفظُ النفسِ والرُّوحِ مُقَدَّمٌ على الأدَب والتأَدُّب. رَكِبتُ سيَّارَتي مُشَتَّتَ الفِكر، ضَيِّقَ الصَّدرِ، حَزينًا أَسِيفًا، غيرَ مُصَدِّقٍ ما أبصَرتُ وما سَمعتُ.. ولقد أعادَني هذا المشهَدُ الكَئيبُ إلى صُورَةِ الكَتاتيبِ في القُرى والأَحياءِ القَديمة، قبل عُقودٍ من السِّنين، تلك الصُّورَةِ التي طَبَعَتْها في ذاكِرَتي أَقاصِيصُ جَدِّي - رحمَهُ اللهُ - وحِكاياتُهُ المُمتِعَة. ومعَ ما يُؤخَذ على تلكَ الكتاتيبِ الغابِرَةِ؛ من بُدائِيَّةِ الطَّريقَة، وغِلظَةِ المُعَلِّم، وعَدَمِ مُراعاةِ المُتَعَلِّم.. مع كلِّ هذا كانت بَوَّابةَ خَيرٍ وَلَجَ منها أجدادُنا إلى عالَمِ القِراءة والكِتابَة وحِفظِ القُرآنِ والشِّعر، وقد أدَّتِ الغَرَضَ الذي أُقيمَت له بنَجاحٍ مَقبُولٍ، مُنسَجِمٍ معَ إمكاناتِ العَصْر وظُروفِ الناس حينَها. وإنْ تَعْجَب فعَجَبٌ أن يَتأَخَّرَ الزمانُ ببعضِ هذه الكَتاتيبِ فيَكونَ لها حُضورٌ بيننا في عَصْرنا هذا، عَصرِ الحاسُوب و(الإنْتَرْنِت) والتِّقانَة، وكيفَ لا يَنفِرُ أبناؤنا من حِفْظ القُرآن وتعَلُّمِه وهُم يُلاحِظونَ البَوْنَ البَعيدَ بين دُروسِ التَّحفيظِ الجافَّةِ، التي تَكادُ تُمرِضُ القَلبَ وتُفسِدُ الرُّوح، وبينَ ما يتَلَقَّونَه من مَعرفَةٍ وعِلمٍ في مَدارِسِهِم وَفْقَ أحدَثِ المَناهِجِ وطَرائقِ التَّعليم ووَسائلِ التَّربية، التي تُراعي أوَّلَ ما تُراعي نَفسَ الطِّفلِ ورُوحَه في بِناءٍ مُتوازِنٍ مُتَماسِكٍ مَتين. وبعدُ، فغَيرُ خافٍ أنَّ كَلامي هذا لا يَنطَبِقُ على جميعِ حَلَقاتِ التَّحفيظ، وأنَّ كَثيرًا من المساجِد والدُّورِ تُؤَدِّي رسالَتَها على خَير وَجه؛ باتِّباعِ أساليبِ التَّرغيبِ والتَّشْويقِ المُختَلِفَة؛ من رِحْلاتٍ ونَشاطاتٍ ومُسابَقاتٍ وغيرها؛ ممَّا يُحَفِّزُ الأطفالَ ويُعَزِّزُهُم. ولكنَّ هذا لا يَمنَعُ من تَنبيهِ المُخلِصينَ والغُيُرِ منَ القائمينَ على دُورِ التَّحفيظ وحَلَقاتِها؛ عَسى أن يَسْعَوا جادِّينَ في تَقْويضِ أَركانِ هذه الظَّاهِرَة المَرَضِيَّة، واجْتِثاثِها من جُذورِها؛ لنَربَحَ بذلكَ أطفالاً أَسْوِياءَ، يُقْبِلونَ على القُرآنِ بنُفوسٍ مُنشَرحَةٍ، وقُلوبٍ حاضِرَةٍ، وأَذهانٍ مُتَفَتِّحَة؛ لِيَنهَضُوا فيما بعدُ بما يُرتَجى منهُم؛ من حَملِ رايَةِ البِناء والنَّهْضَة لبِلادِهم وأُمَّتِهم. |
|
|