الطريق الثاني : طريق الواقدي ـ محمد بن عمر المؤرخ المعروف ـ ، وهذا أخباري وليس عنده علم بالحديث ، ولا فقه بأسانيده ، ولهذا قال أهل العلم : ( مَتروك ) ، يعني لا يُحتج بحديثه ـ وإن كانوا يقبلون ما يرويه من التاريخ .
والطريق الثاني كذلك عنده : هي من رواية محمد بن عمرو بن علقمة ؛ وهذا ـ وإن كان صدوقًا ـ ؛ لكن له أوهام ، فلعل هذه من أوهامه .
فالقصة إذا : من حيث الإسناد أولا هي ؛ ضعيفة ، ولم يصح إذًا ـ على هذا ـ أن أصحاب النبي ـ صلى االله عليه وسلم ـ اختلفوا أين يدفنوه .
وثانيا : كذب الجفري إذ عزاها إلى " صحيح مسلم " ، وهي في غيره .
قال المدعو علي الجفري في سياق ذكرِه للأولياء قال : ( عندَهم إذْنٌ مِن الله في التصرف في الكون ، هذا ما فيه إشكال ، لا إحياء لا موت إلا بإذن الله تعالى ) .
هذه آخر العبارات التضليلية المصادِفة للملة الحنيفية ، فتفطنوا ـ يا أيها المسلمون والمسلمات ـ .
أظنكم أدركتم أني لم أحْصِ عباراتِ الرجل كلَّها ، لكن هذه الأصول التي يُدندن بها وينطلق منها ؛ إذًا يتفرع فروع كثيرة ، ولو أفضتُ في الحديث معكم ، ومررْت بكم على كل عبارة ما تنتهي عباراتُ الرجل ، وهكذا كلُّ صاحب مناكير وبواطيل ؛ لا يقف عند حدّ ؛ لأن هؤلاء الذي أولِعُوا بالباطل ، وخالطتْ بشاشتُه قلوبَهم عرُوا عن الدين والعقيدة ؛ فسلكوا مسلك السفهاء ؛ فلا ينتهون عند حد .
ونُذكِّر السامعين ـ من المسلمين والمسلمات ـ بمقولة قالها سفيان بن عيينه أوغيره من السلف ـ رحمة الله عليهم ـ : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ؛ لأن المعصية يمكن أن يتاب منها وأما البدعة فلا .
فهذا ـ أعني الجفري وأمثاله ـ مِمن رضوا دينًا غيرَ دين الإسلام ، وأخذوا على عواتقهم الدعوة إليه ، يجالدون ، ويُجادلون وينافحون ، لا ينتهون عند حد معين ، إلا مَنْ مَنَّ الله عليه بالتوبة النصوح ، وثاب إلى رشده ، وعلِم الحق ، ورجع إلى الله عز وجل . ومَن كانت عليه تضفى عليه هالات من الجاه والمنصب والمكانة الاجتماعية والشخصية ؛ فهذا قلّ مَن يرجع إلى الصواب ؛ تُعْميهم هذه الهالات والرئاسة .
هذه العبارة واضحة ، وهي تقرير الرجل أن الأولياء يتصرفون في الكون ، عندهم إذْن من الله بالتصرف في الكون .
وأقول بادئ ذي بدء :
كانت قريش ومَن دان دينها من أهل الجزيرة ومن حولهم يعبدون الملائكة ، منهم من يعبد الملائكة ، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين ، ومنهم مَن يعبد الأحجار ، ومنهم من يعبد الأشجار ، ومنهم مَن يعبد الشمس والقمر ، ومنهم من يعبد أصناما لأشخاص اللات ، والعُزّى ، ومناة ، وأساف ، ونائلة ، وهُبَل ، ولم يُنْقل أن أحدا منهم قال في هؤلاء المعبودين الذين رضيَ بعضُهم بِحَزِّ رؤوسهم في سبيل عبادتِها لم يقل أحدٌ إن هؤلاء يتصرفون في الكون ، وأنهم عندهم إذن بالتصرف في الكون ، حتى الملائكة ما قيل فيهم هذا ، ـ صلى الله وسلم على ملائكته وأنبيائه ورسله ، ونسأل الله أن يجعلهم شهودا لنا وإياكم بالخير ، والإسلام ، والسنة في الدنيا والآخرة ، آمين .
إذًا فاق الرجل بِما قرّره في هذه العبارة مَن سبق مِن المشركين ، فاق قريشا .
وهاكم أمر آخر يؤكد ما قلناه :
إن المشركين الذي بعث فيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهم على ما ذكرتُ لكم من العبادات والمعبودين؛ كانوا يُخلِصون الدعاء لله في الشدة ، في الشدة كانوا يخلصون الدعاء لله .
وهذا ما قصهُ الله عنهم في غير ما آية من كتابه ، ومنها : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } ، انظروا ، ولم يقل أحدٌ منهم : إن هؤلاء يتصرفون ، دعُونا من الأحجار والأشجار ، لكن الملائكة والنبيين والصالحين ؛ ما ادُّعِيَ فيهم هذا أبدا ، فشِركُهم آلهتهم هو في الرخاء فقط وأما في الشدة فإنهم يخلصون لله الدعاء .
وهذا الذي تضمنته عبارة الرجل ؛ هو شِرْك في الربوبية؛ فإن الشرك في الربوبية ما عُرف أنه قال به أحدٌ إلا الملاحدة من الفلاسفة ، والصابئة عُبّاد الكواكب الذين يقولون إن الكواكب تتصرف في الكون .
أما وليٌّ من أولياء الله ، وعبْد مِن عباده الصالحين ، مَلك مُقرَّب ، أو نبي مرسل عَبَده القوم ، وأولئكم المصطفون الآخيار من الملائكة والنبيين والمرسلين و صالحي المؤمنين بريئون من عبادة هؤلاء ؛ ما ادَّعَى فيهم أحدٌ أنهم يتصرفون في الكون وعندهم إذن يتصرفون في الكون أبدا ، عرفوا هذا ؛ بما بقي لهم من سلامة الفطرة التي فطرهم الله عليها . فالناس مفطورون على التوحيد بـجميع أنواعه ، لكنهم ـ مع تطاول الزمن ـ نسوا توحيد العبادة ، وبَقِي مركوزا في فِطرهم توحيدُ الربوبية .
يتصرفون في الكون !! كيف يتصرفون في الكون !!
يُمكن لقائل أن يقول : ينزلون المطر ، يُمكن لقائل أن يقول يُحيون الموتى ، يتصرفون في الكون ، هذا من الكون ، يُمكن لقائل أن يقول : أنه يسوغ لهم أن يستدعي محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيوجه له دعوة فيحضر في الحضرة ، ولا أستبعد أن الحضرة التي يقيمونها بمناسبة المولد ـ أعني الصوفية ـ أنها مبنية على هذا ؛ لا أستبعد ؛ ولهذا هم يقولون : حضر محمد ويقومون له .
والمقصود أولا : أن يَعلم مَن هو سليمة فِطرته ، خالط الإيمان بشاشة قلبه ، وقادته السُّنة إلى مراشد أموره ؛ أن الرجل قرَّر في هذه العبارة ما لم يسبقْه إليه المشركون ، سبق المشركين .
ثم هذه الدعوى هل عليها دليل من كتاب الله نصا صراحة ، أو إشارة ، أو تلميحا ؟؟!
والقاعدة أن كل دعوى لم تُقمْ عليها بينة ؛ فهي دعوى باطلة . فكيف ـ يا أيها المسلمون والمسلمات ـ بدعوى قام الدليل على بطلانها من الكتاب ، والسنة ، وإجماع أئمة الهدى والعلم والإيمان ؟! هذا من أبطل الباطل .
وهاكم دليلا لا أرى مزيدا عليه ، وهو صريح وواضح في الدلالة :
قال تعالى : { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ـ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } الآية .
هذه الآية أو الآيتان عَرَف علماءُ الملة المباركة ، علماءُ السُّنة قدْرَها فوقعتْ في أفهامِهم موقعًا عظيما ، وَعَوْها حقَّ وعيِها ؛ لأنهم تدبَّروها حق التدبر ، أتدرون ماذا قالوا ؟ أتدرون ماذا قال أولئكم الأئمة ؟ قالوا : ( إن هذه الآية هي الآية التي اجتثَّتِ الشرك من عروقه ) .
وأقول وذلكم أولا : ـ وما أظنكم غفلتم أيها المسلمون والمسلمات حين تلوتُها عليكم آنفا عما احتوته ـ :
أولا : نفيُ الله المُلكَ عن هؤلاء في السموات والأرض استقلالا ، فليس لهم مُلك .
ثانيا : نفي الشَّرِكة وذلكم ـ والله أعلم ـ أنه لو قال قائل : ليس لهم ملك استقلال ، لكن قد يكون لهم شركة قال : { وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } ، لا بإذن ولا بغيره .
وثالثا : نفي المعاونة في حقه سبحانه وتعالى ، أنه ليس لله منهم معين ، لا يعينه أحد لكمال غناه ، وكمال سلطانه ، وعظيم قهرِه وقدرته . { وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } .
وبقيت الشفاعة ، فكمُل اجتثاثُ الشرك من القلوب بعروقه ؛ { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } .
والجفري يُقرِّر ما يناقض هذه الآية تماما ، فتصديق عبارة الرجل ـ أيها المسلمون ـ هو تكذيبٌ لصريح كتاب الله ، تكذيب لما أنزله الله على رسولِه ـ صلى الله عليه
وسلم ـ ، وهذا من الشرك في الربوبية ـ كما قدمت
لكم ـ .
والشرك ـ يا عباد الله ـ هو أعظم ذنبٍ عُصِيَ الله به ـ ، وهذا صريح السنة ، سواء كان الشرك في الربوبية ، أو الألوهية ، أو في أسماء الله وصفاته ، كما يفعل ذلك المشبِّهة ، وكذلك المعطِّلة .
وبعد هذا :
فإني أختم الحديث الذي طال معكم ، وأستسْمِحكم أظني أمْللْتُكُم ، لكن ليس لدينا حيلة ، والناس ـ أعني أهل السذاجة ، والغفلة ، والجهل ـ يَجوب الأرض فيهم مثلُ الجفري داعينَهم إلى الضلالة بعد الهدى ، والكفرِ بعد الإسلام ، فإنه لا بدَّ لنا من البيان ، وهذا ما أوجبَه الله ُعلينا في كتابه ، وجاءت به كذلكم سنة النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد قدمتُ لكم الأدلة في أول الحديث فلا داعي إلى إعادتها .
وثانيا : بان لكم مِن الحديث الذي اجتهدنا فيه عن كشف حال الرجل ، وإبطالِ ما احتوتْه عباراتُه بالدليل ـ ولله الحمد والمنة ـ ؛ بان لكم أن الرجل مرْتكس في شرك ارتكاسًا ، ومنغمس فيه انغماسًا ، وليس هو على ما بعث الله به رسوله محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليكم من التوحيد والإسلام والسنة ، بل الرجل داعيةٌ إلى الشرْك ، وأدركْتُم جَلدَهُ ، وتفنُّنَهُ من خلال ما كشفناهُ لكم بالدليل مِن كذِبِه ، وتلبيسِه ، وحِيَلِه ، وغِشِّه ، وتدليسِه .
والأمر الثالث :
إني ـ وأقولها ولا أخاف في الله لومة لائم ، وأدينُ الله بذلك ـ إني أحَذِّرُ مَن يسمع حديثي من المسلمين والمسلمات ، وأطلبُهم ، وأتوسل إليهم أن يُبلِّغوا هذه النصيحة مَن لم يسْمَعها منا كِفاحًا أو مشافهة ـ لأن المئات بيننا وبينهم حجاب ـ ، أطلبُ منكم ـ بنين من المسلمين والمسلمات ـ أن تبلغوا ما سمعتم ، وهو ـ ولله الحمد ـ مبنيٌّ على الدليل القاطع ، والبرهان الساطع من كتاب ربنا وسنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ فإن ذلكمْ من التعاون على البر والتقوى الذي أمرَنا الله به في آيات كثيرة ومنها : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } .
وأزيد فأدعو ـ خصوصًا وعمومًا ، أخصُّ وأعمُّ ـ ؛ فأخص أبناءنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا في دول شبه الجزيرة . ثم أزيد فأدعو أبناءنا من المسلمين والمسلمات وإخواننا وأخواتنا إلى الحذر من هذا الرجل ، وهَجْره ، والبُعْد عنه ، ومفاصلته ؛ فإن مَن والاه وأحبَّه ؛ فهو مِمَّن يوادُّ مَن حادَّ الله ورسوله ، فإن الرجل بهذه العبارات محادٌّ لله ورسولِه ، مُكذِّبٌ كتاب ربه ، وسنة نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، سالكٌ غير سبيل المؤمنين .
ثم أعَمِّمُ فأدعو جميع المسلمين والمسلمات إلى هذا ، حيث كانوا في أوروبا ، في أمريكا ، في أفريقيا ، في شرق آسيا ، في جميع القارات ، وأن يَعْلموا أن صلاة الرجل باطلة ـ مادام على هذا ـ ، وكذلك اعْلموا بطلان صلاة مَن صلَّى خلفه ـ سواء كان في الفروض أو الجمعة أو العيدين . فلو نُصِّب إمامًا فلا تُصَلّوا خلفه ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ما دام أنه على هذا ـ .
وأقولها بصراحة داعيًا العلماءَ الأخيار ، والفضلاء من الدعاة إلى الله على بصيرة ؛ أن يطلبوا من وليِّ أمر بلدٍ يقيم فيه ذلكم الرجل أن يطلبوا منهم محاكمتَه ، أن يرفعوا عليه قضية لدى المحاكم الشرعية ؛ ليقول فيه قضاة المسلمين قولهم ، ويصدروا فيه حكمَهم ، ويَسْتَتِيبُوه .
ووالله وبالله وتالله ؛ إن لم يتب الرجل عن هذا المسلك توبة نصوحًا ، يُقلِع فيها عن هذا ، ويصلِح حاله ، يعود إلى التوحيد ـ إن كان موَحِّدا في الأصل وما أظنه كان
موحِّدا ـ ، وأن يبين للناس التوحيد ، ويبين أنه أفسد على الناس دينهم ؛ فهو ـ والله ـ حلال الدم والمال . يَجب على وليِّ أمره ، وإمامه إن لم يتب أن يقتله . وليس لآحاد المسلمين ، لا يسوغ لفرد من أفراد المسلمين أن يعمد إلى قتله ، لا.. هذا من الفوضى ، وإنما وليُّ أمر المسلمين ، إمام المسلمين الذين يقيم بينهم الجفري ـ وأنا لا أخص بَلدًا معيَّنا ـ حيث يقيم ؛ أن يطلب أو يعمِّمَ قضاة المسلمين بِمحاكمته .
هذا ما يسَّر الله .
وأسأل الله الكريم ربَّ العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين ، صالحين مصلحين ، وأن يرينا وإياكم الحق حقا ويرزقنا اتباعَه ، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن لا يجعله ملتبسا علينا فنضل . ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين