وثانيا :
ليس في هذين الإسنادَيْن أن صاحبَ القصة هو بلال بن الحارث المُزَني ـ رضي الله عنه ـ ، بل فيهما عن مالك الدار أن رجُلا أتى إلى قبرِ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال ما سمعتم ، ما حكاه الرجل ، ثم أُتي في المنام وفي بعض الروايات أتاه رسول فقال : ( اذهب إلى عمر ) ، فذهب إلى عمر فقال : ( اللهم إني لا آلوا إلا ما عجزت عنه ) ، وفي بعض طرقها أنه قيل له : ( قل له : الكيس الكيس ) ، يعني الفطنة . وفي بعض طرقها أنه قيل له : ( الكفَّان ) وأظن يعني : أنفِق ، ابسُط يديْك بالنفقة . والله ُأعلم .
هذا أولا .
ثم هنا سؤال : مَن صرَّح بأن صاحبَ القصة الذي سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يستغيث أو يستسقي لأمته ، من صرّح بأنه بلال ؟ هو سيف بن عمر. وسيف بن عمر هذا هالك ، ضعيف ، لا يُحتجّ به . قال فيه الذهبي : ( متروك باتفاق ) ، راجعوا ترجمتَه في
المغني في الضعفاء للذهبي . وقال فيه البخاري : ( يُتَّهم بالزندقة ) ، أو قال : ( مُتَّهمٌ بالزندقة ) ، وهذا كافٍ . وابنُ حبان كذلك ـ وأظنه يعني في المجروحين ـ .
فهل مثل هذا الإسناد ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ يُقبَل ويُعَوَّلُ عليه حتى يُقال إن بِلالا بن الحارث المزني صنع هذا الصنيع ؟!!
ثم ثمة وجهٌ آخر في " الصحيح " حين اشتدَّ بالمسلمين القحط في عام الرمادة ، وشُكِي ذلك إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ خرج بالمسلمين ، بأصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومَن معهم من خيار التابعين للاستسقاء فقال : ( اللهم إنا كنا نستسقي بنبيِّك فتسقينا ـ يعني نطلب منه الدعاء ـ ، وإنا اليوم نستسقي بعمِّ نبيك فاسْقِنا . قمْ يا عباس !) . فقام العباسُ بنُ عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ فسأل الله َ، دعا الله عز وجل .
عمر ـ رضي الله عنه ـ صنعَ هذا في ملأ عَلنًا ، ولم يُعلمْ أن أحدًا استنْكر عليه ـ لا سِرًّا ولا علانية ، لا جماعة ولا أفراد ـ ، فلو كان التوسلُ برسولِ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سائغًا بعد وفاتِه ؛ ما قصدَ أميرُ المؤمنين الفاروقُ الذي مِن مناقبِه أنه إذا سَلكَ فجًّا ؛ سلك الشيطانُ فجًّا آخر مهابةً ـ ؛ يعني ما قصد إلى دعاءِ العباس ، لذهب وتوسل بنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وعلى سبيل الفرْض أنّ هذا غاب عن عمر ، وأنه ثمّة سُنَّة خفِيتْ عليه ؛ فهل تَخفى على جميع ذلكم الملأ ؟!
ولا شك أن صنيع ابن الخطاب ـ ثاني أمراءِ المؤمنين ، وثاني الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم وعن سائر أصحاب نبينا أجمعين ـ ؛ تبقى دون نَكير ؟!! فسبحانك يا ربي هذا بهتان عظيم !!
قال المدعو علي الجفري :
( قال تعالى : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ـ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا } ، هذه الآية دليل من الأدلة التي استدلَّ بها أهلُ السنة والجماعة في جواز أن يُطلِعَ الله ُتعالى مَن شاء من عباده على شيء من الغيب .
{ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } ؛ هذا الأصل أن الغيبَ المطلق لا يطَّلِعُ عليه أحد ، ثم جاء الاستثناء : { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } ، ولم يقل إلا الرسل ، وإنما قال : { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } . و { مِنْ } قد تأتي لضرب المثل ، فيكون الرسول غير الرسول مِمن قد يُكرَم بمثل هذا الاطلاع ، وهو مِما عبِّر عنه بالفراسة التي مرتْ الاستفاضة فيها ) .
لا يزال الرجل ينقلُنا من غريبةٍ إلى أخرى ، ولا يزال ينفثُ في سامعيه البَلِيّة تلوَ البلية ، وهذه حالُ كلِّ مَن أعمى الله بصيرتَه عن الهدى ، وركِبَ الضلالة ، وارتضاها سُلَّمًا يصلُ به إلى مَن هم سذَّجٌ ، ومُغَفَّلون ، وجَهلة ، لا يعرِفون مِن دين الله ما هو أصلٌ ، وهمْ جُهّال لا يعرفون أصل هذا الدين ، لا يعرفون زبدة الرسالة ، لا يعرفون إخلاص الدعاء لله ، وإنما هم مسلمون انتسابًا هكذا.
فأمثال الجفري يَجدون هؤلاء غنيمةً باردة ، يُلْقون عليهم ما استمْلوْه مِن شياطين الإنس والجن ، وأولئكم السذَّج والمغفَّلون يَروْن هذا من دين الله ؛ لأنه ألقاه فيهم مَن ينتسبُ إلى العلم ، وهو في الحقيقة جاهل ، بل ضالٌّ مضلّ .
وهكذا كما قال الشاعر :
يُقضَى عَلَى المرءِ فِي أيَّامِ مِحْنَتِهِ
حَتَّى يَرَى حَسَنًا مَا لَيْسَ بِالْحَسَنِ
فمن يَستمع إلى أمثال هذه العبارات هو أحدُ رَجُلين : رجل جاهل ليس عنده من دين الله ما يتشبثُ به ، ويُمَيّز به بين الحق والباطل ، والهدى والضلال . وآخر ضالٌّ مضلٌّ ، صاحبُ هوى ، مُنحرِف عن الصراط المستقيم ، والنهجِ القويم ، سالكٌ غيرَ سبيل المؤمنين ، مشاقٌّ مُحادٌّ لله ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . لا غرابة أن يَجدَ سابِكُ هذه العباراتِ سُوقًا بين جُمُوعٍ غفيرةٍ تروجُ عليهم هذه العبارات . وهذا ما يَسْتَدْعِي أن يُقبِل المسلمون والمسلمات على الاجتهاد في تحصيل العلمِ الشرعي من أهل السنة .
هذه العبارة يُمكن تلخيصُ أهم ما دلت عليه فيما يأتي :
أولا :
الحيدة عن ظاهر الآية . فإن الرب سبحانه وتعالى ضمّنها أمريْن عظيمين :
أولهما : العموم : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } ؛ عالم الغيب كل الغيب ؛ { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } ، وأمثال هذا كثير .
ولهذا فإن أئمة الهدى والعلم والإيمان مُطْبِقُون على أن مُدَّعِي الغيب كافر ؛ وذلكم لأنه تضافر الكتاب والسنة على أن عِلم الغيب هو من خصائص الرب سبحانه وتعالى . { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } .
الثاني : الاستثناء : { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } .
{ مِن رَّسُولٍ } : نكرة في سياق النفي ، مسبوقة بِمِنْ ، وهذا عند علماء الأصول نصٌّ صريحٌ في العموم ، { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } .
فإذًا إطْلاعُ الله سبحانه وتعالى على الغَيب ليس لأحد إلا مَن ارتضى من رسول .
ثم انظروا ما بَعد هذه الجملة { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } لماذا ؟ { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ـ لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ } الآية .
فإذًا بان بهذا شيئان :
أولا : أن الغيبَ لا سبيل إلى معرفته لا مَلك مُقرَّب ، ولا نبيٌّ مُرسَل ، إلا مَن أطْلعَه الله من رسُله .
ثانيا : أن هذا الإِطْلاع الذي امتنَّ الله ُبه على مَن شاء من رسُلِه له علةٌ ؛ وهو إبلاغ الرسالة . ومن ذلكم ما أخبر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بعض الماضِين ، وما أخبر به في المستقبل من حدوث أمور ، وما كشَف الله له من أحوال البرزخ ؛ مثل حديث صاحبَيْ القبْريْن ، وهو مُخَرَّجٌ في الصحيحين عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( مرَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قبرين فقال : " إنهما ليُعَذَّبان ، وما يُعذَّبان في كبير ؛ أمّا أحدُهما فكان لا يسْتَتِرُ مِن بوْله ... " ) الحديث . فهذا موطن عبرة . وما أخبر به ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عذاب القبر ونعيمه ، وكلُّ ذا وذاك يُسَلَّم به ، ويؤمَن به ويصدَّق كما يقرره أهل السنة في أصول الدين ، ولا يبحثُ في كيفيته .
الجفري حاد عن ظاهر الآية ، بطريقةٍ فيها لفّ ، قال : ( الغيب المطلق لا يعلمُه إلا الله ) ، ومَن نازَع في هذا ؟!
لكن هنا سؤال : الغيب غير المطلق ، وهو الذي يُمكن التوصل إليه بوسائل ؟ هذا لا ينكره أحد ، هناك غيب ـ يعني ـ نسبي ؛ كأنْ يُكتَشف أن هذي الأرض فيها ماء ، وكالمراصد التي يستخدمها علماءُ الفلك فيتوقّعون حدوث كذا ، توقع .. مراصد .. وسائل .
أما ادعاء الغيب فإنه لا يسوغ لأحد أن يدَّعِيه ـ وقد قدَّمتُ لكم حكم ذلك ـ .
وفي الحديث الصحيح : " مَن أتى عرافا فسأله عن شيء فصدَّقه ؛ لم تقبلْ له صلاة أربعين يوما " .
وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من أتى كاهِنا أو عرَّافا فصدَّقه ؛ فقد كفر بما أنْزِل على محمد " ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
والأمر الثاني : انْظُروا في عبارة الرجل قال : { مِنْ } : جاءت لضرب المثل . ونـحن نقول : مَن سبق إلى هذا التفسير ؟! لا نعلمُ إمامًا ذا عِلْم ، وفِقهٍ ، وبصيرةٍ بتفسير كتابِ الله من القرآن ، ومِن سنّة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وبالمأثور من أقوالِ الصحابة ، والتابعين قال هذا أبدا : لِضَرْبِ المثل !! وأكّدَ هذا بقوله : ( فالرسول وغير الرسول سواء ) !! هذا معناه أنه يساوِي بين الرسول والوليّ ؛ وهذا كُفرٌ باتِّفاق ؛ فإن مرتبة النبوة ليس فوقها شرف من البشر أبدًا ، فالأنبياء والمرسَلون همْ خيرُ عبادِ الله ، ولهذا اصْطفاهم الله من البشر . قال : ( الرسول وغير الرسول سواء ) ف( مِنْ ) لضرب المثل !!! كيف المثل يعني ؟!! يعني معنى هذا أنه يمكن للولي أن يعلم الغيب !!!
والذي خبر مَن تُزعم فيهم الولاية من غلاة الصوفية ليسوا كذلك بل يدَّعون مغيَّبات لا يعلمُها إلا الله ، ولكن الرجل أراد أن يغطِّي وهكذا كلُّ مَن أوتِي المكْر والاحتيال على الناس ؛ فإنه يَجعل في ثنايا عباراتِه تغطيات ، ولكنها لا تنكشف ، أقول : هذه العبارات لا تنكشف لمن ؟ لكل أحد ، بل لمن كان عنده علم وبصيرة ، وفقه بكتاب الله ، وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وسيرة السلف الصالح ، ومسلك المبتدعة . وأما عوام الناس فلا تنكشف لهم هذه الحيل أبدا . هذا وجه .
ثم ختم القول بالفراسة . الفراسة ما هي ؟ الفراسة ليست من الغيب في شيء ، الفراسة أنّ إنسان عنده خبرة بأحوال الناس الاجتماعية والشخصية ؛ فإنه يتفرس في وجه هذا الخيْر ، ويتفرس في وجه هذا الشرَّ .
ويُروى ـ أقول يُروى ـ أن ابنَ سيرين ـ رحمه الله ـ وابن سيرين إذا أُطْلِق فهو (محمد) ـ ؛ جاء إليه رجلان فقصَّا عليه رؤيَا واحدة ، كلٌّ منهما قصَّ عليه أنه يُؤَذِّن في المنام كلٌّ قال : يا شيخ أرى أني أؤذن . الرؤيا واحدة . ففسَّرها بتفسيريْن مُتناقضَيْن متضادَّين ، فقال في أحدهما : يَسْرِق وتُقطع يدُه ، وقال في الآخر : يَحُجُّ . فقيل : كيف ذاك ، لماذا ؛ الرؤيا واحدة ، كيف فسرتَ بهذين التفسيرين المتضادين ؟ قال : ( أما أحدُهما فعرفتُ في وجهِه الشرَّ ؛ فأوَّلْتُها : فـ { أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } ) . عجيب ولا لا ؟! ( وأما الآخر فإني تفرست فيه أو عرفت في وجهه الخير والصلاح ؛ فأوَّلتُه على قوله تعالى : { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } ) .
وهذه قاعدة معروفة عند الحاذقين في تعبير الرؤى ؛ فإن مِن قواعدِهم التي يستعينون بها على تعبير الرؤيا معرفة حالِ الشخص ؛ فقد تكون الرؤيا من شخص لها تعبير ، ومن شخص آخر لها تعبير آخر . وليس هذا مقام بسط وتفصيل في هذا الباب لكني ذكرته استطرادا .
والمقصود أن الجفري جعل علم الغيب من الفراسة ـ انظروا : علم الغيب جعله من الفراسة !! ـ ؛ وعلى هذا فإنه للولي أن يتفرس ويُخبر بِمُغَيَّبات .
ويَحْكون عن بعض مَن يُدَّعى فيهم الولاية من أساطين الصوفية الضالّة المُضَلِّلة المضِلَّة أن أناسًا مِن مُريديه فقدوا ولدًا لهم ، فسألوه ، قال : أما الجنةُ فلم أجدْ فيها فقِيري ـ انظروا !! ـ ، وأما النار فلن يدخلها ، ـ الجنة لم يجدْه فيها ، والنار لن يدخلها ـ لن !! ـ إذا هو أين هو ؟ ـ إذا هو حيٌّ بناء على هذا ، وسيجدونه بعد حين .
هذا وأمثاله أراد أن يروجَّه الجفري بإدخالِه إياه في الفراسة . قال : ( التي مرت الاستفاضة فيها ) ،
كثيرا ما يستدل بحديث : " اتقوا فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله " . هكذا يستدل به !!