ثم هاكم من سُنة نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يزيد الأمر توكيدا وإيضاحًا وقوة ؛ يدركه أولُو الأحلامِ والنهى ، والحصافة والحجى :
في سنن ابن ماجه وغيره وهو حديث صحيح أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقيَ جابرًا بنَ عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ فقال : " يا جابر ! ما لي أراكَ مُنْكسِرًا ؟ " ، قال : يا رسول الله ! إن أبي استُشْهد ـ يعني يوم أحد ـ وترك ديْنا وعيالا . قال : " ألا أبَشِّرك يا جابر بما لقي الله ُبه أباك ؟ " قال : بلى . قال : " إن الله لم يكلمْ أحدًا إلا من وراءِ حجاب ، وإنه كلَّم أبَاك كِفاحًا ـ يعني بلا حجاب ـ ، فقال : يا عبدي تمنَّ ؛ أعْطِك . قال : يا ربّ تُحْييني ؛ فأقتل فيك ثانية . قال الله : إنه سبقَ القولُ مني أنهم إليها لا يَرجعون ـ أو إليها لا يُرجعون ـ " .
فتأمَّلوا ـ يا أولي الأبْصار ـ ؛ عَبدٌ مِن عِبَاد الله ، مِن خِيرةِ أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَسْألُهُ رَبُّهُ أن يتمنّى ، فيتمنى أمرًا هو لنصرةِ الإسلامِ وأهلِه ؛ أن يُحْيِيَه الله ، ثم يُقتلُ في سبيلِ الله . ما تَمَنّى الحياة ، وأن يَعمرَ وقتَه بعبادة الله طول العمر ، لا ؛ تَمنى أن يُحْيِيَه ربُّه ثم يقتل . فيُجيبُه ربه جل وعلا بهذا الحُكم الذي لا يَفذُّ عنه فاذٌّ ، ولا يَشِذّ عنه شاذّ : " سبَق القولُ مني أنهم إليها لا يرجعون " ؛ لا يرجع أحد . وهذا بعمومه شاملٌ بقطع الأملِ في رجوع مَن مات إلى الدنيا ؛ بروحه أو بِجسده أو بكليهما .
ولكن إذا استحْكمَ التعصُّب الأعمى ، والتقليدُ الطائش، والرأيُ الذي يُصادِم النصوص ؛ فإنَّه يُطبَع على القلوب ، وتكون الغِشاوة على البصائر ، هذا حُكْمُ الله : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا } ، { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا } ؛
" أنهم إليها لا يرجعون " .
وها هنا قد يسأل سائل فيقول :
ما تقولون في الذين قال لهم الله موتوا ، ثم أحياهم ، { خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ } ، والرجل الذي مَرَّ على القرية الخرِبة ، فقال : { أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } ؟
فالجواب :
لا نزاع عندنا في هذه ، وكيف يكون نِزاع وهي ثابتة في كتاب ربنا جل وعلا ! ولكن الذي يظهر أحد أمرين :
إما أنه لم ينتهِ أجلُ هؤلاء ، ولكن أماتهم الله ثم أحياهم .
أو أن هذه خصِّيصة نالها هؤلاء . والله أعلم .
والقاعدة :
أن النصَّ الظاهر مقدَّم في الاحتجاجِ على ما كان يُمكِنُ أن يُؤَوَّل ؛ " أنهم إليها لا يَرجعون " .
وعلى التسليم أن هذا أمرٌ مضطرد فيمن سلف من الأمم ؛ فإن الآية قاضية قضاء عاما ، وحُكما عاما على أن مَن مات من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يرجع ، بل حتى نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يرجع إلا يوم القيامة .
وما عُلم مسلمٌ خالط الإيمانُ بشاشة قلبِه يقول بِخلاف هذه الآية ؛ إلا ابنُ سبأ ـ اليهوديّ اليمنيّ الذي أسلم نفاقا ـ ؛ فإنه يقرِّر رجعة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الحياة مستعمِلا القياس ؛ فيقول : كيف ينزل عيسى حَكما بالقسط ، ولا يعود محمد ـ صلى الله عليه
وسلم ـ ؟!
وعيسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يمتْ ، إن عيسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يزال حيًّا ، فهو ينزل حيًّا ، ويموت بعد ما يشاء الله . وأما محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلن يرجع إلى هذه الدنيا . هذا حكمُ الله العامّ .
والقاعدة العامة في العقائد ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ أن عامَّها على عمومه ، فهو مِن العام الذي لم يدخلْه التخصيص . هذا في مسألة الكرامة .
قال المدعو علي الجفري :
يشتدُّ القحط فيأتي كما ذكر الإمام ابنُ حجر العسقلاني في " فتح الباري " في المجلد الثاني في كتاب الاستسقاء ورواه البيهقي والحاكم وابن خزيمة بسند صحيح أن بلال بن الحارث المزني وهو من أصحاب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء إلى قبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سَنَةٍ مُقْحِطة في عهد عمر ، ووقف على القبر الشريف ، وقال : يا رسول الله ! استسْقِ لأمَّتِك ) .
أولا :
يا أولي الأبصار ! هل يُعقلُ أن صحابيًّا مثل هذا الرجل سمِع قول الله جل وعلا : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } الآية ، وسمِع قوله جل ثناؤه : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } ؛ هل يُعقلُ أن يصنع هذا الصنيع !!
إن عوامَّ المسلمين الذين هم على التوحيد ، ولم يكونوا من أهل العلم ؛ يَربؤُون بأنفسهم عن مثل هذا ـ ولو نالهم ما نالهم ـ .
وما سمِعنا عاميا من بوادينا ـ مع ما يصيبهم من شدة الجدب والقحط ـ يصنعون هذا الصنيع . هذا أولا .
وثانيا :
عزا الجفري هذه القصة إلى مَن سمِعتُم : البيهقي ، وابن خزيمة ، والحاكم . فإذا أطْلِقت هذه الثلاثة ؛ فقال القائل : ( رواه البيهقي ) ؛ فإنه لا ينصرف ذهنُه إلى السنن الكبرى . وإذا قيل : ( رواه الحاكم ) ؛ فلا يتبادر إلى الذهن إلا أنه مخرَّجٌ في " المستدرَك " . وإذا قال : ( رواه ابن خزيمة ) ؛ فإنه أول ما يتبادر إلى ذهن السامع أنها في " صحيح ابن خزيمة " .
وبَعدَ النظر ؛ فإن هذه القصة رُوِيَتْ في " مُصَنَّف " ابن أبي شيبة ، و " الدلائل " للبيهقي .
وهنا أطلب من أبنائِي ـ المسلمين والمسلمات ـ إلى أن يتفطَّنُوا إلى نتيجة النظر في هذيْن الكتابين .
هذه القصة إسنادُها ضعيف ، وذلكم ـ وأنا أعني هذيْن المصدريْن : " مصنف " ابن أبي شيبة ، و " الدلائل " للبيهقي ـ ؛ وذلكم أنها من طريق الأعمش عن أبي صالح السمّان ذكوان ، عن مالك الدار ؛ كِلا الإسنادين على هذا . وكيف هذا الإسناد ضعيفًا ؟ نعم ، فيه عَنعنةُ الأعمش ، واسمه سليمان بن مهران ـ رحمه الله ـ فهو ـ مع جلالة قدره ـ يتقي العلماءُ عنعنتَه ؛ لأنه مُدَلِّس .