ولهم في الكرامات شرطان :
أحدهما :
صحة نسبتها إلى مَن رويت عنه .
وثانيهما :
أن يكون المرويُّ عنه تلكم الكرامة هو مِن أهل التوحيد ، من أهل السنة، من أهل الصلاح والتقوى ، من أهل التدين الخالص ، والتعبدِ الحسَن لله سبحانه وتعالى .
فإذا اختل أحد هذين الشرطين ؛ فإنهم لا يقبلونها ، ولا يَعدّونها كرامة .
فإذا لم تصحّ نسبتها عدّوها في المكذوبات .
وإذا صحَّتْ النسبة ، وكان المرويّ عنه ما يُزعم أنه كرامة ؛ من أهل الدجَل والخرافة والفِسق والفجور والشِّركيّات ؛ كذلك لا يَعدُّون هذا كرامة ـ وإن جرى على أيدي هؤلاء ، وظهر لهم خوارق ـ ؛ فإن ذلك عندهم ليس من الكرامات في شيء ، بل هو مِن استدراجِ الشيطان . وقد وعد اللعينُ أن يشارِك عبادَ الله في الأموال والأولاد ، والله ُحقَّق له وعدَه ، أعني في مَن هم مِن حِزبه وأوليائه .
ثانيا : ذكر الجفري أمرين وهو يُحَدِّث عن الكرامة ، كعادته في حديث التلبيس والتمويه .
الأمر الأول : أن الكرامة ممكنة في جميع الأمور ؛ إلا دعوى إنزال وحي ، أو دعوى وجود ابن مِن غير أب ، وما عدا ذلك فهو ممكن أن يكون كرامة .
هذا التعميم ذكر بيانا له في الأمر الثاني ، وهو ادِّعاؤُه أن الولي يمكن أن تَخرج روحُه من قبره ، أو من روضته التي هو فيها ؛ فيدرِك مَن يستغيث به .
فإذا أضفنا هذين الأمريْن إلى بعضهما ، وأضفناهما إلى ما سبق ـ مما لبَّس فيه ببعض الآيات مثل : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ } ـ ؛ استبان لكم أن الجفري يقرِّر الكرامة للحي والميت . من كان وليا عنده ؛ فإن كرامته ثابتة له في حياته ومماته . وهذا لم يقل به أحد من أئمة الهدى ؛ فإن الكرامة لمن هم أولياء لله على الحقيقة ، والذين أبان الله عنهم بقوله : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } ، فكأن قائلا قال : من هم يا ربي ؟ ؛ فالجواب : { الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } ، آمنوا بالله ، وبما جاء عن الله ، على مُراد الله . وآمنوا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وبما جاء عن رسول الله ، على مراد رسول الله .
وهذا هو ما عبّر عنه الشافعي ـ رحمه الله ـ قال ـ أو كان يقول ـ : ( آمنت بالله ، وبما جاء عن الله ، على مراد الله ، وآمنت برسول الله ، وبما جاء عن رسول الله ، على مراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) .
فهذه العبارة شاملة ، وهي تفسير جيد للآية الكريمة ؛ فإن وليَّ الله لا يدَّعي ما ليس له ، ولا يتقوَّل على الله ما لم يكن له به علم .
أولياءُ الله هم الذين آمنوا بالله عز وجل ، وكانوا يتقونه في السر والعلانية ، يَخشونه في الغيب والشهادة . وجِمَاع ذلك وخلاصتُه أنهم وقّافون عند أوامره فيأتمرون بها ، وقّافون عند نواهيه فينتهون .
ثم إذا نظرنا في الأمر الثاني ـ وهو دعْواه أن روحَ الميت يمكن أن تَخرج من قبره فيدرك من يستغيث به ، ... إلى آخر ما قال ـ .
نقول : هذه الدعوى ما دليلها ؟ ما دليلك عليها ؟ ما دليلك على أن روح الميت تُغيث ؟
فالرجل يقرِّرُ الاستغاثة بالأموات ، لكنه يعبِّر بتعبير آخر ، فالاستغاثة بالأموات عندهم مِنَ المسلَّمات ، وهذا بنص سُنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بالنص والإجماع ـ ؛ هو من الشرك بالله سبحانه وتعالى ومن الكفر بعد الإيمان . هذا وجه .
ووجه آخر : اسمعوا ما يقول الحق جل ثناؤه ، وتقدَّستْ صفاتُه وأسماؤه قولا يَقطعُ به هذه الحجة ، ويُبَيِّنُ زَيْفها وأنها مِن الافتراء ، والقولِ على الله بلا علم ، قال جل ثناؤه : { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ {35/13} إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } .
فيا أيها السامعون من المسلمين والمسلمات : تأملوا معنا ـ صان الله ُأسماعَكم وأبصارَكم من كل مكروه في الدنيا والآخرة ـ ما الذي تضمنته هذه الآية الكريمة :
فأولا : إخباره جل وعلا أن المُلْكَ له وحده .
وثانيا : أن المدْعُوِّين ـ سواءً كانوا أحياءً أو أمواتا ـ ما يملكون من قطمير ، لا يملكون شيئا .
أتدرون ما هو القِطمير ؟ القطمير هو ما يكون في النواة قطمير ، اللفافة التي على النواة ـ نواة التمر ـ ، كالورقة رقيقٌ جدًّا .
وثالثا : تأكيدُ ذلكم ما يتضمنُ سدَّ الطريق على مَن كان يؤمِّلُ في الأموات إجابة الدعاء ، وقضاءَ الحاجة ، وتنفيسَ الكُربة ، وتفريجَ الهمّ ؛ { إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ } ثم زاد في ذلك : { وَلَوْ سَمِعُوا } ؛ حتى لو سمع ، لو فُرض أن الميت سمِع ؛ ما استجابوا لكم : { وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } ، ثم قاصمةُ الظهر ، الفيْصل الذي لا يُدرِكُه إلا مَن ألقى السمعَ وهو شهيد : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } ،
فهل بالله عليكم ـ أيها السامعون من المسلمين والمسلمات ـ يبقى بعد هذه الأمور طمعٌ لعاقِل حتى يؤمِّل ما قرَّره الجفري مِن أن روحَ الميت تَخرجَ من قبره ، ويدَّعي ذلك كرامة !!
الله ُجل ثناؤه يَحكم هذا الحُكْم ؛ بأنهم لا يَمْلِكون شيء ، لا يسمعون الدعاء ، ولو سمعوا ما مَلكوا الإجابة . والرجل يقولُ تَخرج روحُه من قبره ؛ فيدرك مَن يستغيث به !! أليس هذا ـ يا عبادَ الله ـ مِن تكذيب ربِّ العزة والجلال الذي أودعَ في كتابِه ما سمعتُم وأمثاله ، ذلكم الكتاب الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ، ولا مِن خلفِه تنزيل من حكيم حميد !!