ثم وهو الأمر الثاني :
زاد الرجل في التلبيس والتمويه حتى يعمِّي على الناس الفقهَ الصحيح لآي التنزيل الكريم وسنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ( في الدنيا أو في الآخرة ؟ ) ، خلص إلى أنه في الدنيا والآخرة ، وقال : { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِنْدَ ربِّهِمْ } ، ويريد هذا أن يقرر : بأن الولي ينفع في حياته وبعد مماته .
فلا تزال السلسلة متصلة ، وهي الدعوة إلى اتخاذ الوسائط دون الله سبحانه وتعالى ، وسائط من الأحياء ، ووسائط من الأموات .
{ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِنْدَ ربِّهِمْ } : وهذه ـ أيها السامعون الكرام ـ جاءت في ثناء الله على أهل الإيمان ، وأنهم { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِنْدَ ربِّهِمْ } من نعيمِ الجنة ، التي فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذُنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
في الحديث الصحيح ـ وهو حديث قدسي ـ من حديث أبي هريرة مُخَرّج في الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " يقول الله تعالى : أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذُن سمعتْ ، ولا خَطرَ على قلبِ بشر ، واقرؤوا إن شئتم : { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } " . هذا ثواب الله لأوليائِه الذين كانوا على مراضِيه مِن فعل الأوامر ، واجتناب النواهي ، هذا ثوابُه لهم في الآخرة ، وهذا الذي أجمع عليه أئمةُ الهدى والعلم والإيمان ، وليس اتخاذ الوسائط ، وأن الولي ينفع في حياته وبعد مماته .
وذلكم ـ أعني ما قرره الجفري ـ هو مما عابَه الله سبحانه وتعالى على الكفار والمشركين مُبَيِّنًا أنَّ الميتَ لا يمكن أن يُجيب ولا يمكن أن ينفع ؛ فاسمعوا قول الله تعالى : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ـ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } .
والمقصود أن هذا الرجل أخذ على عاتقِه حَرْف الناس عن التوحيد الخالص ، والتديّن الخالص ، وأن يُعيد الناس بهذه العبارات وأمثالها إلى ما كان عليه المشركون الأوّلون من الضلال ، والكفر بالله سبحانه وتعالى . ولِذا حرّف النصوص ، ولواها ليًّا كي يُطوِّعها إلى مبتغاه ، ويأبى الله ذلك والمؤمنون ، يأبى الله عز وجل إلا أن يَحفظ كتابَه من عبث العابثين ، وانتحال المبطلين ، وتحريف الجاهلين ، وعبث العابثين . ويأبى المؤمنون إلا أن يكونوا على التوحيد الخالص ، ولا يرضَوا بسلوك بُنيّات الطريق ، تتبع بنيات الطريق ذات اليمين وذات الشمال ؛ لأنهم يعلمون أن فلاحَهم في الدنيا والآخرة وسعادتَهم في الدنيا والآخرة بما ارتضاه لهم من التوحيد ، ودين الله الخالص ـ وإن قال فلان وعلان ولله الحمد والمنة ـ .
نعم .
أقول طال الوقت وعندنا من المشاغل وعندكم ما يجعلنا نَختصر وسوف نتابع في مثل هذه الليلة من الأسبوع القادم وفق الله الجميع لما فيه مرضاته
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .