والخلاصة :
أن الله سبحانه وتعالى حَكم على أهلِ هذه العقيدة ـ عقيدة الوساطة اتخاذ وسائط دون الله في العبادة ـ سمّاهم كفارا ، سمّاهم مشركين . والجفري يريد أن يدعوَكم إلى ما كانت عليه قريشٌ ومَن عاصرها ومَن خَلفها من ضُلّال هذه الأمة .
ثم تفطنوا إلى قوله : ( يا رسول الله ! يا جيلاني ! ياحداد !) هذا باتفاق أهل الملة المباركة ، الذين دانوا لله بالتوحيد ؛ أنه مِن الشرك الأكبر ؛ لأنه دعاءُ غيرِ الله معه أو دونَه ، وهو يناقضُ قول الله جل وعلا : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } . { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } .. انظروا : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } ، والمقصود أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل مِن العبد عبادتَه حتى تكون خالصةً لله سبحانه وتعالى .
فقريشٌ ومَن وافقها ممن بُعث إليهم رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت لهم عبادات ، كانوا يَحُجُّون ، وكانوا يُعْتِقون ، وكانوا يَصِلُون الرحم ، وكانوا يصومون عاشوراء ، فما قبِل الله منهم ذلك كلَّه إلا مِمَّن شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، وأخلص الدينَ كلَّه لله .
ولقد عقل عقلاؤهم معنى ( لا إله إلا الله ) ؛ فامتنعوا من إجابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قولها فقالوا : { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } ، علمتِ القومُ أن قول ( لا إله إلا الله ) هو خلْع ما دون الله من الأنداد ـ وسواء كانت عبادتُهم مستقلة أو كانوا وسائط يتخذها الخلق بينهم وبين الله في العبادة ـ .
فتفطنوا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ، واحرِصوا على توحيدكم ، واعْلموا أنه مِن الجهل المركَّب قول كثير من الناس : ( التوحيد فهمناه وعرفناه ) ؛ فهذه من أسس الضلال ، وأصول الانحراف .
والجفري يريد أن يعيد عقيدة المُشْرِكة الأولى على أشُدِّها من جديد ، وأنتم تعلمون ـ كما نعلم نحن ـ أنه يوجد مِمَّن ينتسب للإسلام من هو على ما يقرره هذا الرجل . فالبدوي ، والجيلاني ، والعيدروس ، والرفاعي يُقصَدون بتقريبِ القرابين ، وسؤالِهم قضاءَ الحاجات ، وتفريج الكربات ، ويقول هؤلاء القاصدون : نحن لنا ذنوبٌ عظيمة ولا نستطيع أن ندعوَ الله ونحن على كيْتَ وكيت من الذنوب والخطايا ؛ فندعوهم بهؤلاء . تماما كما يقرر الجفري .
فالرجل مُشْبَعٌ قلبُه ومُشْرَب بهذه العقيدة الشِّركية ، فهو يقرِّرُها ويدعو إليها .
ولهذا سلك تلبيسات عدة ظنا منه ـ كما سلف وكما سيأتي ـ أن ذلك يَروج على مَن ملأ الله قلوبَهم بعقيدة التوحيد ، وخالط الإيمانُ بشاشَة قلوبِهم .
فمِن التلبيسات :
ذكر الحديث : " لئن سألني لأعطينه " مضموما إلى الآيات ، وخلاصة ما قرره في هذا : أن الوَلِيّ ينفع مُريديه في حياته وبعد مماته ـ على السواء ـ .
وهذا بطلانه عند أهل الحق والعلم والإيمان والتديُّن الخالص ؛ معلومٌ من دين الله بالضرورة .
فالحديث ـ الذي اقتطع بعض جمله الجفريُّ ـ هو في
" صحيح البخاري " ، ونحن لا نخالف أنه في صحيح البخاري ، وهاكم لفظه : قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يرويه عن ربه عز وجل : " يقول الله تعالى : مَن عادى لي وليًّا فقد آذنْتُه بالحرب ، وما تقرّبَ إليّ عبدي بشيء أحبّ مما افترضتُه عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه ، فإذا أحببْتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به ، وبَصَرَه الذي يُبصر به ، ويدَه التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ـ أو قال : عليها ـ ، لئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه " .
هذا الحديث ـ أيها السامعون الكرام من المسلمين والمسلمات ـ يُحَتِّم علينا بيان معناه الصحيحُ : النظرَ في أمور :
الأمر الأول : الولاية ما هي؟ ومن هو الولي؟
الولاية : هي طاعة الله سبحانه وتعالى بفعل ما أمَر به ، واجتناب ما نهى عنه .
فإذًا : الولِيُّ هو كل مسلم تقيّ لله سبحانه وتعالى ، يخافه في الغيب والشهادة ، يحفظ أوامرَ الله ؛ فيفعلُ ما استطاع منها ، ويحفظُ نواهيَ الله فيتجنبها . كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما أمرْتُكُم به فاتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتُكم عنه ؛ فاجتنبوه " ،
وأعظمُ أوامر الله الذي هو أصلُ الأصول ، وقاعدةُ الدين : التوحيد ، ثم بعدُ فرائضُ الدين العمَلية ، وواجبات الدين .
وأعظمُ ما نهى الله عنه : الشرك به ، ثم سائر المعاصي مِن كبائر وصغائر ، كلُّها مَنْهِيّات .
فبَان بهذا أن الولاية هي خُلاصة التديّن لله ، التديُّن الخالص . وهذا هو ما بيَّنه جل وعلا في نفس الآياتِ التي حرَّفها الجفري : {ٍ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ـ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } ، آمنوا بماذا ؟ آمنوا بالله وبرسلِه ، وبكتبه ، وبكلِّ ما جاءتْ به الرسلُ ، ونزلتْ به الكتب . هؤلاء هم أولياءُ الله سبحانه وتعالى .
ثم تأمَّلوا الحديث ؛ جملة : " ولا يزال عبدي يتقربُ إليّ بالنوافل حتى أحبّه " : فإذا ضممتَ هذه إلى سابقتها :
" وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه " ؛ بان لك أنَّ خالصَ الأولياء هو مَن يُحافظ على فرائض الله وواجباتِ هذا الدين ، ويستكثر ـ مع ذلك ـ من النوافل ؛ فهو نائلٌ من الله سبحانه وتعالى على ذلكم محبة الله .
فإذًا من أسباب محبة الله للعبد
المحافظةُ على الفرائض ، والاستكثارُ من النوافل .
وثمرة هذه المحبة التي نالها هذا العبد مِن عباد الله ؛ أن الله معه ، يحفظه في سمعه ، وبصره ، وجوارحه كلها ، ومِن سَعة فضل الله عليه ؛ أنه إذا سأله أعطاه ، وإذا استعاذ به أعاذه .
وهل هذا في الدنيا والآخرة أو في الدنيا؟ هذا باتفاق المسلمين في الدنيا ، وليس في الآخرة . فإنَّ فِعل الفرائض ، والاستكثار من النوافل ، والتقرب إلى الله بسائر القُرُبات ، وترك جميع المنهيات ، هذا من العدل في الدنيا ؛ لأنه في الآخرة قد انقطع عملُه إلا من ثلاث ؛ كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقةٍ جارية ، أو علم يُنتفع به ، أو ولدٍ صالح يدعو له