وليس الأمر ـ بما تضمنتْه هذه العبارة من قدح وغمز وهمز ـ مقصورًا على أهل التوحيد في المملكة العربية السعودية ، بل هو طائلٌ كلَّ مَن يَدين لله بالتوحيد الخالص ويدعو إليه .
وبهذا تعلمون أن غمْز الرجل وهمْزَه ولمزه وتهكُّمَه طائلٌ الملايين مِن المُوَحِّدين ، في جميع أقطار الأرض ، في قاراتها السبع .
ثانيا :
ينجر ـ أو يندرج ـ تحت قاعدة هذا التهوين والتحقير ؛ أنّ الوضوءَ أهمّ من التوحيد ، وذلك أنه في تهكُّمِه قال : (الوضوء ، له نواقض !) ، وهذا صريح ما تدلُّ عليه عبارتُه أن الوضوءَ له نواقضُ تبطله ، والتوحيد ليس له نواقض تبطله ، فهو إذا لا ينتقض ، وهذا هو فتحُ بابٍ أمامَ كل مَن أراد أن يشركَ بالله ، وفتح باب لجميع مَن أخرجتهم نِحَلُهم من الإسلام إلى الكفر إلى أن يتَسَتَّروا بذلك ، فيفعلون ما يفعلون من الشِّركيات وتوحيدهم على هذا لا ينتقض .
وهذا فيه : أولا :
تكذيبُ القرآن ، وقد سُقْتُ لكم ـ في الجلسة الماضية ـ مِن آيِ التنزيل الكريم ما يَدُل على أن التوحيدَ ينتقض ، وأن الشرك يُحبط العمل .
وثانيا :
تكذيب سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتواترة ، ومنها حديث أبي بكرة في "الصحيحين" : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : " الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقول الزور " الحديث .
وثالثا :
تكذيب إجماع الأمة الذين اتفق أئمتُها على وجوب الصدْع بالتوحيد ، والدعوةِ إليه ، والتحذير من الشرك بالله سبحانه وتعالى .
ثم يندرج تحت هذه العبارة التهَكُّمِيّة التضليلية تعريضٌ بِمَن ألَّف وصنَّف في نواقضِ التوحيد مِن أتباع المذاهب الأربعة ، وغيرهم من أئمة الهدى والعلم والإيمان .
يعرِف ذلكم ـ أيها المسلمون ـ مَن اطّلع في دواوين الفقهاء ، والمُحدِّثين في باب حكم المرتد ؛ فإنهم يَذكرون نواقضَ التوحيد ، نواقض الإسلام .
فالجفري يُكذب أئمتكم ، ويسخر بهم ، ويستهزئ بهم ، ويضللهم ، ويُهيِّج الجهَلة ضدهم ، ويحرضهم عليهم .
وثمة أمر ـ لعله الرابع ـ :
أن التوحيد مقصورٌ عند الرجل على توحيد الأسماء والصفات .
فظاهر عبارته الصريح أن توحيد العبادة أمرٌ بسيط ، وإنما الذي يجب استفراغ الوسع فيه ، هو توحيد الأسماء والصفات . وما أظن الرجل يعرف توحيدَ الأسماء والصفات .
فتوحيد الأسماء والصفات هو من معاني ربوبية الله سبحانه وتعالى ، وهو من التوحيد العلمي الخبري ، مثل توحيد الربوبية . فالتوحيد العِلْمي الخبري مركوزٌ في الفِطر ، وإنما الذي جَحَده الناس وكان بينهم وبين أنبيائهم ورسلِهم الخصومة والنزاع فيه هو التوحيد الإرادي الطلبي الذي هو توحيد الألوهية ، ويسمى توحيد العبادة .
ويَدُلُّك على أن الرجل لا يعرف التوحيد ، وليس له عنده قدْر ولا تعظيم : أنه يدعو إلى تجاوز هذا ، وأنه لا ينبغي أن يُثار مثل هذا في الأمة !! وهذه العبارة هي عينُها قاعدةُ المعذرةِ والتعاون : ( نتعاون فيما اتفقْنا عليه ، ويَعذُر بعضُنا بعضا فيما اختلفنا فيه ) ـ وإن كان اللفظ مختلفا ـ ، لكن المعنى هو المعنى ، والغرض هو الغرض ، بأسلوب محْبوك ، وعباراتٍ مُبَطّنة لا يفقهها السُّذَّج والجهال ، ولكن ـ ولله الحمد ـ لا تنطلي على أهل السنة ، فإن عوامَ أهل السنة الذين جالسوا أهل العلم وتفقهوا في السنة عليهم لا تروج عليهم مثل هذه العبارات .
تلكم القاعدة التي هي قاعدة المنار ـ أولا ـ ، ثم هي قاعدة الإخوان المسلمين ـ ثانيا ـ ، والتي أسَّس لها من الأصول والأفكار : (حسن البنا) ـ مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر في أول القرن الميلادي الماضي ـ .
وخلاصة هذا التهكُّم :
هو في الحقيقة منصبٌّ على دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومَن مضى قبْله من النبيين والمرسلين ، وقد قدَّمتُ لكم ـ في الجلسة الماضية ـ الأدلة على أن النبيين والمرسلين من لدن نوح أولهم إلى محمد خاتمهم ـ صلى الله وسلم عليهم أجمعين ـ ؛ كلهم متفقون على دعوة الخلق إلى التوحيد وأن من لم يوحد الله عز وجل ، من لم يعبد الله وحدَه ؛ كان كافرا .
ومما تضمنته هذه العبارة التهكُّمِيَّة الجائرة :
أن الناس كلهم على العقيدة الصحيحة ، كل الناس على العقيدة الصحيحة ، أو السواد الأعظم ، السواد الأعظم على العقيدة الصحيحة .
تأملوا .. السواد الأعظم : يعني أكثر الناس !!
وهذا القول يكذبه أمران :
الأمر الأول : النص .
والأمر الثاني : الواقع المحسوس والمشاهد بين المسلمين اليوم .
فمِنَ النصّ : قوله تعالى : { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } ، وقوله تعالى : { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ } .
هذا من التنزيل الكريم ، فماذا من سنة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟
صح عن نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ صحةً لا يماري فيها أحدٌ من أهل السنة .
الحديث صحيح عن أهل السنة ومتلقَّى بالقبول ، وهو مشهور ، وما تضمنته عندهم هو من أصولهم ، أعني به حديث افتراقِ الأمم ، ومِن ألفاظه :
" افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلُّها في النار إلا واحدة " . قالوا : مَن هي يا رسول الله ؟ قال : " الجماعة " .
هذه هي الرواية الصحيحة . تفسير الاستثناء :
" الجماعة " .
فهذا الحديث أيها المسلمون دليل صريح على أن أكثر المسلمين هالك ، وأن الفرقة الناجية واحدة فقط . واثنتان وسبعين فرقة هالكة ، مُتوَعَّدة .
وهذه الفرقة هي الجماعة التي فسّرها ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ بقوله : ( الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك ؛ فإنك أنتَ حينئذ : الجماعة ) ،
وفي رواية أخرى يصححها بعض أهل العلم بشواهدها قال : "إلا واحدة " ، قالوا : من هي يا رسول الله ؟ قال : " مَن كان مِثل ما أنا عليه ـ اليوم ـ وأًصحابي " .
وهذا يستدعي منا سؤالا نُوَجِّهُهُ إلى كلِّ مَن أوتي الكياسة والفطنة والفقهَ في الدين والخبرة بأحوال الناس: هل السواد الأعظم اليوم على ما أخبر به النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما أظن أحدًا إلا ويقول : ليسوا كذلك، ليس السواد الأعظم هو على ما أخبر به النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
ويأتي الأمر الثاني وهو الدليل من الواقع المحسوس :
الرافضة ـ وهم في كثير من أقطار الأرض ـ أكثر من أهل السنة ، ليسوا على عقيدة التوحيد ؛ ولهذا كفَّرهم بعضُ الأئمة