وفي ذلكم ـ أيها المسلمون ـ أحاديث متواترة ؛ نختار منها حديثين اثنين ، وكلاهما في الصحيح :
الحديث الأول :
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إنه لم يكنْ نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمتَه على خيرِ ما يعلمُه لهم ، وأن ينذرَهم شرَّ ما يعلمه لهم ، وإن أمتكم هذه جُعل عافيتُها في أولِّها ، وسيصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمور تنكِرون .. " الحديث .
الحديث الثاني :
حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم ، فإياكم
وإياهم " .
فإذا تأملت ـ أيها المسلم وكذلكِ أيتها المسلمة ـ وأعني مَن كان حريصا على التوحيد والسنة ؛ فإنكم ستستظهرون أمرين :
الأمر الأول : أنه لا فلاح ولا صلاح ولا نجاة ولا نجاح إلا باتباع هدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهدي الخلفاء الراشدين من بعده ، ومن تبعهم بإحسان ؛ فإن ذلكم هو السلامة . وكان وهب بن كيسان ـ رحمه الله ـ يقعد لأصحابه ، ولا يقوم حتى يقول لهم : ( اعلموا أنه لن يصلحَ آخرَ هذا الأمرِ إلا ما أصلحَ أوله ) . قال أصبغ ابن الفرج لمالِكٍ ـ رحم الله الجميع ـ : ماذا يريد ؟ قال : ( يريد بادئ الدين ، أو التقوى ) [رواه أبو عمر ابن عبد البر بسنده عن أصبغ بن فرج عن الإمام مالك ـ رحم الله الجميع ـ ] .
الأمر الثاني : الحذر من كل محْدث في الدين سواء كان الحدث يناقض التوحيد أو بدعة من البدع .
وأرى ـ وهذا زيادة على ما وعدناكم لكنكم تتحملون بارك الله فيكم ـ أن ينضاف إلى هذين الحديثين حديث حذيفة ابن اليمان ـ رضي الله عنه ـ رضي الله عنهما ـ ؛ لأنه أباه صحابي ـ ، وهو مخرج في الصحيحين وغيرهما ، قال :
( كان الناس يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخير ، وأسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني ، فقلت : يا رسول الله ! كنا في جاهلية وشر ؛ فجاء الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟
قال : " نعم " .
قلت : فهل بعد ذلك الشر من خير ؟
قال : " نعم ، وفيه دَخَن ".
قلت : وما دخَنُه ؟
قال : " قوم يهدون بغير هديي ، ويستنّون بغير سُنّتي ، تعرِف منهم وتُنْكِر " ،
قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟
قال : " دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها ؛ قذفوه فيها " .
قلت : فصِفهم لنا يا رسول الله !
قال : " هم من بني جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا ..." الحديث .
فبان بهذا الحديث معنى الحديثين قبله ، وأن دعاة السوء، ودعاة الشرك ، ودعاة البدعة هم مِن بني جلدتكم ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ، وهذا مُوجِبٌ الحذرَ كلَّ الحذر ممن رفع عقيرته بما يناقض التوحيد والسنة .
وبهذا القدر نكتفي من الحديث معكم في هذه المسألة .
وسنتابع الحديث ـ إن شاء الله ـ في مثل هذه الليلة من ليلة الجمعة القادمة ، وأظن أن ذلك سيكون في التاسعة والنصف . وفق الله الجميع لما فيه مرضاته ،
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . ونستودعكم الله ،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته