تأملوا تأمل مَن ينظر في آي التنزيل الكريم نظرة تدبر ، يظهرْ لكم أنها تضمنت أمرين :
أولهما : عدم مغفرة الله الشرك لمن مات عليه .
وثانيهما : أن ما دون الشرك ـ يعني ما كان أقل من الشرك والكفر من كبائر الذنوب والمعاصي ـ ؛ فإنه تحت مشيئة الله .
وها هنا سؤال :
هل الآية خاصة بهذا الوعيد في الشرك الأكبر ، أو هي عامة في أكبر الشرك وأصغره ؟
والجواب :
الآية عامة ، فما توعد الله به من عدم مغفرة الشرك لمن مات عليه ـ وهذا مقيّد بنصوص أخَر ـ ، شاملة بهذا الوعيد للنوعين من الشرك .
لكن .. يفرَّق بينهما من وجهين :
ـ الوجه الأول :
أن الشرك الأكبر ناقل عن ملة الإسلام إلى ملة الكفر ؛ وذلكم لأنه ينافي التوحيدَ بالكلية . وأما الشرك الأصغر فليس ناقلا عن ملة الإسلام . قال أهل العلم : كيسير الرياء ؛ الذي لا يصلُ بالمرء إلى أنه لا يريد بعملِه وجهَ اللهِ ولا الدار الآخرة . أما إذا وصل به الأمرُ إلى أنه لا يريد بعمله ؛ لا وجهَ الله ، ولا الدارَ الآخرة ، فهذا ـ المحقِّقون ـ على أنه شرك أكبر . والله أعلم .
ـ الوجه الثاني :
الشركُ الأكبر موجبٌ الخلودَ السرْمدِيّ الأبديّ في النار ، ما دامت السماواتُ والأرض ، لا يخرج منها أهلُه أبدًا ؛ لأنهم هم أهل النار . أما الشرك الأصغر ؛ فلا يوجب الخلودَ في النار ، ولكنه أكبر من الكبائر ؛ مثل الزنى ، والقذف ، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم ، وشرب الخمر .
هذه الصورة الأولى .
الصورة الثانية : حبوط العمل ،
واسمعوا .. قال جل وعلا : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } . انظروا ـ أيها المسلمون والمسلمات ـ ما أشدَّ هذا الوعيد ، يُظهِر جليًّا حبوط عملِ المشرك ـ وإن كان صوّاما قوّاما عامِلا كلَّ عملٍ يُتَقرَّب به إلى الله ، ويُعبَدُ الله به . ولهذا قال أهل العلم : ( الشرك مثل السم ؛ يفسد العبادة ، كما أن السمَّ إذا خالط العمل أفسده ).
وقال بعضهم : ( العبادة طهارة ، والشرك مثل الحدث ، والحدث إذا دخل على العبادة أفسدها ) . مَن توضأ أو اغتسل .. من توضأ وتهيأ للصلاة ؛ فإنه بالحدث يَبْطُل وضوؤه ، وتبطل صلاتُه ـ إن صلى محدِثا عالمِا عامدًا ـ ، يعني يعلم أنه محدث ويتعمد ؛ فإن صلاته تبطل .
فالشرك محبط للعمل كله ؛ ألم تسمعوا إلى ربكم جل في علاه وهو يخاطب نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .