عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2009-12-10, 1:05 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
النقطة الأولى:
أنَّ الحنين إلى الأوطان والاشتياق إلى مساقط الرأس يشغل مساحاتٍ نفسيةً ووجدانية كبيرة وعميقة لدى الإنسان بصفة عامة، ولدى الآباء في عمر والدكِ بصفة خاصة، ربما هذا ما يجعله اليوم أكثر تمسُّكًا بكلِّ ما يربطه بتايلاند مِن لغة، وثقافة، وأناس، ومنازل، وقد قالها أبو تمام من قبْلُ:

كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ


ومنزل والدكِ الأول لَم يَكُن في السعودية أبدًا، بل في تايلاند، ثمَّ إنَّ والدكِ قد ترك بلاده في نفس عمرك، أنتِ اليوم تستصعبين فراق هذه الأرض وذكرياتها الطيبة بعد هذه السن، وقد كان منَ الصَّعْب على والدك أيضًا فراق أهله وأحبته وذكريات طفولته، لولا حاجة في نفسِه قضاها اضطرَّتْه لذلك؛ (ما أطيبك من بلدة، وأحبكِ إلي! ولولا أنَّ قومي أخرجوني منكِ ما سَكنتُ غيرك)، هذا لسان حال كلِّ مَن له أرض ينتمي إليها ويفارقها، ثم يحن إليها، فأحْسِني الظنَّ بِمَنْ يستحق منكِ ذلك.

النقطة الثانية:
حين تقولين: إن والدكِ يرفُض تزويجك بعربيٍّ، فهذه في الحقيقة تحمل الكثير من الدلالات النفسية، فهي قد تعني أن والدكِ رغم كل تلك السنين التي عاشَها في السعودية، إلا أنه ما يزال يشعر فيها باغتراب، والمغترِبُ - يا عزيزتي - لا يُمكن أنْ يُعطي ثقتَه لأحد، وربما وَجَدَ من أحدهم خيانةً؛ فَفَقَدَ ثقتَه بكلِّ أحدٍ.

وقد تعني أيضًا: أن والدكِ يخْشى على قلبكِ من الانكسار، فهو لن يسلِّم تفاحة قلبه إلى رجلٍ غريب، لوجود فُرُوق سيكولوجيَّة واضِحةٌ بين العرَب وغيرهم، لا يُمكن بحالٍ إنكارها.

ومع ذلك يبْقى حِرْص والدكِ على تَزْويجكِ مِن رجلٍ مِنْ حدود بلدكِ مسألة فيها نظر، أنا هنا أقف تمامًا في صفِّكِ، فمن حقكِ كفتاة راشدة ناضجة أن تختاري شريك حياتكِ؛ لأنها حياتكِ أنتِ، أنتِ فقط مَن سيعيش مع الرجل، وليس أهلكِ؛ فعن عبدالله بن بريدة، عن عائشة، قالت: جاءت فتاة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبي زوَّجني ابن أخيه يرفع بي خسيسته؟ فجعل الأمر إليها، قالت: فإنِّي قد أجزت ما صنَع أبي، ولكن أردت أن تَعْلَمَ النساءُ أنْ ليس للآباءِ مِنَ الأمر شيءٌ؛ رواه أحمد.

ليس للآباء من الأمر شيءٌ غير التحَرِّي عن الخاطب والنصيحة للمخْطوبة؛ فإن رَضيتْ لنفسها أحد الأزواج، ولَمْ يقبَلْه وليُّ أمرِها، فهناك طرق شرعية أخرى يمكن اللجوء إليها بوجود القاضي العادل المسلم.

إنني هنا لا أُشَجِّع على العصيان والعقوق، لكن كي يعلمَ كلُّ مَن يظن أنَّ المرأة المسلمة لَم تأخذْ حقَّها في الإسلام، بأنَّ هذا محض افتراء على الإسلام، شجَّع على نشْرِه بين الحاقدين رجالُنا أنفسهم، بفعالهم الملوَّثة بالعادات القميئة.

إنَّ إصرار الأهل على تزويج بناتهم من أقاربهم، ووَفْقَ أهوائهم على غير ما ترضاه بناتهم، ليس إلا حماقة، لم تجلب لمجتمعاتنا سوى المشكلات الاجتماعية، حتى رفعت أسماءنا في القائمة السوداء بين أكثر الدول طلاقًا في العالَم.

منَ الغريب بحقٍّ أن نضعَ العادات القبيحة أساسًا نَبْني عليه حياتنا، وحياة أبنائنا من بعدنا، متجاوزين السنن الحميدة والشرائع الصحيحة، فأين الخطأ في زواج الفتاة من شخص كُفْءٍ، ذي خُلُق ودين، لا عيب فيه إلا لكونه من جنسية مختلفة؟!

موسى - عليه السلام - وهو من بني إسرائيل نسبًا، تزَوَّجَ من فتاة عربية من مَدْين بعد ساعات قليلة مِن معرفتها وأهلِها؛ قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: 23 - 28].

وتزوَّج إسماعيل - عليه السلام - وهو من عشيرة آرامية، سكنت أور في جنوب العراق - بامرأتين من نساء (جرهم)، وهي قبيلة عربيَّة سكنتْ مكة خلال رحلته وليدًا مع أبيه إبراهيم وأمه هاجر - عليهم الصلاة والسلام - في تلك الحادثة الشهيرة.

أما الرسولُ الهاشمي - صلى الله عليه وسلم - فقد تزَوَّجَ من مارية، من أقباط مصر، وأنجب منها ابنه الوحيد إبراهيم، كما تزوَّج من صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير أكبر قبائل اليهود في المدينة.

ألَيْسَتْ هذه حقائق؟! لماذا نتغاضى عنها إذًا؟! لماذا نُخَبِّئها حين ترغب الفتاة في الزواج ممن ترضاه لدينه وخُلقه؟! أليس الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إلا تفعلوا تكُن فتنة في الأرض وفساد عريض))؟! رواه الترمذي، وابن ماجه.

فإن كانت مصلحة الفتاة في تزْويجها بِمَنْ يراعي شرع الله، فهذا هو شرع الله.

قولي ذلك لوالديكِ، فالدِّين ليس صلاةً وصيامًا وزكاة وحجًّا وحسب؛ الدِّينُ أوسع من مفهوم الناس له، وأكبر مما درسنا في المدارس وعلَّمونا إياه.

إقناع والدكِ مسألةٌ تعود إليكِ، ولوالدتكِ الدورُ الأكبر هنا، ذَكِّريها بأن الإسلام لا يُفرِّق بين عربيٍّ ولا أعجمي إلا بالتَّقْوى، ((التقوى ها هنا))؛ ويشير إلى صدره ثلاث مرات؛ رواه مسلم، وليس في التفكير الفاسد ولا في الأشكال المصطنعة؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظُر إلى قلوبكم وأعمالكم))؛ رواه مسلم.

ختامًا:
إن سلمان الفارسي الصحابي الجليل رضي الله عنه من أفاضل الصحابة وله فضل عظيم، لكن هذا الشرَف الكبير لَم يَكُنْ ليتعارض مع إدراك سلمان لحقيقة نسبِه وأصله، حين قال عن نفسه: (أنا من رام هرمز)؛ كما يروي البخاري، والأهم أنه لم يكن ليُنقِص من فضل سلمان الخير شيئًا أن يذكره التاريخ الإسلامي، وتذكره الأحاديث الصحيحة، ويذكره الصحابة العدول، ويذكره النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقولهم جميعًا: (سلمان الفارسيّ).

فاعتزي بأصلكِ - يا أختنا الفاضلة - وافتخري بنشأتكِ، وستَنْحَلّ كل تلك العُقَد النفسيَّة مِن دواخلكِ، عقدةً تلو عقدة.

وفقكِ الله ورعاكِ، دمتِ بألف خير، ولا تنسيني من صالح دعائكِ.


توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟