عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2009-12-10, 1:04 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
الجواب:

أ. عائشة الحكمي
أختي العزيزة، حياكِ الله.
تسألين: (مَن أنا؟ وكيف أعيش؟).

هذا هو الحالُ مع الشعوب عندما تنشغل بسؤال الهُويَّة، كلما دخلتْ في أزمة عميقة لا يوجد لها مخرج قريب، فتسأل: مَن أنا؟ وما خصوصيتي؟ وأين هُويَّتي؟ أين أنا من الآخر؟ وأين هو مني؟ ماذا أُضيف للآخرين؟ وما الذي أخذتُه منهم؟ وماذا أضفْتُ لهم عبْر التاريخ؟ وأين موقعي في هذا العالَم الراهن؟ ومن علاقات القوة فيه؟ وكيف تلعبُ هُويتي دورها في تحديد هذا الموقع؟

لكن في الحقيقة ليس في الأمر أيةُ حيرة، ولستِ الأولى في مثل هذه القضية، كما أنكِ لستِ الأخيرة!

هُويتكِ واضحة يا عزيزتي: تايلاندية ذات نشأة سعودية، فأين هي المشكلة؟!

يُنسَب الناس - يا عزيزتي - إلى أَوْطانهم الحقيقيَّة، مهما تحصَّلُوا على جنسية البلد الذي عاشوا فيه، وتكوَّن فِكْرُهم فيه، فكيف بحال مَن لا يَحْمل الجنسيَّة؟!

لدينا مشايخ وعلماء - رحمة الله عليهم - يَحْمِلُون ألقابَ بلادهم التي نزحوا منها، ولم يُؤَثِّر ذلك في نفسياتهم شيئًا، ولا في نظرة الآخرين لهم؛ كالشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المولود في مدينة (أشقودرة) عاصمة ألبانيا في ذلك الوقت، والشيخ أبو بكر بن جابر الجزائري، المولود في قرية (ليرة) جنوب الجزائر، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، المولود في مدينة (تنبة) في موريتانيا، وشنقيط التي يُنْسَبُ إليها هو الاسم القديم لموريتانيا، وغيرهم الكثير.

لِنَكُنْ واقعيين مع أنفسنا، هل نعتبر اليهودي المولود في أرض فِلَسْطين المحتلة، ويَتَكَلَّم العربية بطلاقة، فِلَسْطيني الجنسية؟! أو نعتبر الفلسطيني المسلم من عرَب 48، والذي يعيش ضِمْن الحدود الإسرائيلية، ويحمل الجنسية الإسرائيلية - يهوديًّا؟! هل نعتبر المغربي المولود في إسبانيا إسبانيًّا؟ أو نعتبر الإسباني الذي يعيش في المغرب ويَتَكَلَّم العربية مغربي الجنسية؟!

يصعب إنكار الجُذُور يا عزيزتي؛ لأنها انتماءات قهريَّة، ليستْ باختيارنا، فكيف إذا طَبَعتْ هذه الجذور ملامحَهَا على وُجُوهنا؟

كلُّنا نعرف أوباما - رئيس الولايات المتحدة الأمريكية - لكننا حين ننظر إلى وجه أوباما تورق في ذاكرتنا غابات كينيا الممطرة، ونعرف الأستراليين ذوي البَشَرات البيضاء؛ لكننا حين نَتَذَكَّر أن السُّكَّان الأصليين لأستراليا (الأبورجيين) أشبه بسكان إفريقيا، فإن الغيظ سيملأ قلوبنا من الاستخراب الغربي للعالَم الثالث!

إننا حين نُنكِرُ الجذور - يا عزيزتي - ونَتَنَصَّل منها، فإنَّ أول ذنب نرتكبه هو قطْع الأرحام؛ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد22 - 23].

النبي مُوسى - عليه السلام - والمولود في مصر بين الأقباط وفي قصْر فرعونهم - لم يستطعْ إلغاء انتمائه الحقيقي لبني إسرائيل، النازحين من البدو - وهي أرض فِلَسْطين، أرض غربتهم التي قدموها من حران، موطنهم الأصلي - لقد بدا ذلك واضحًا في تلك الحادثة التي تَسَبَّبَتْ في هُرُوبه من مصر إلى مَدْيَن؛ يقول تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص : 15].

ثم يَتَكَرر الأمرُ ثانيةً؛ {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص: 18، 19].

لكن العبرةَ ليستْ هنا، ليس في الهُوية والانتماء، ليس في كونكِ سعودية، أو عراقيَّة، أو أمريكيَّة، أو هنديَّة، أو تايلاندية، هذه جاهلية موغِلة في القِدَم، كيف تحملينها وأنتِ خرِّيجة كلية الدعوة وأصول الدين قسم القراءات؟!

كونكِ خريجة قراءات، فهذا يعني أنكِ من سكان مكة المكرمة، أليس كذلك؟

إذًا؛ أنتِ تعيشين وسط مجتمع يَكْثُر فيه هذا الخليط العِرْقي والهُويَّات المركَّبة، وليس الأمرُ مستَغْربًا فيه، والدليل هو تكوينكِ لصداقات عميقة من نفس البلد.

لقد عرفتُ وسمعت عن بعض الفتيات من أصول تركية، وهندية، وإندونيسية، وبورمية، ممن يحملن الجنسيَّة السعودية وممن لا يحملنها، وما زلْن يَتَحَدَّثْن بلغات بلادهم الأم، وليس لديهن أيَّةُ مشكلات نفسية أو اجتماعية؛ لأنَّ المجتمع الذي يَعِشْنَ فيه مُعتَادٌ على مثل هذا التنَوُّع والاختلاط، فلا تُحَمِّلي المشكلة أكثر مما تحتمل، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

هذه الآية تُحَدِّد الهُوية الحقيقيَّة للإنسان، ليس في الأرض، ولا اللغة، ولا الحدود التي وَضَعَها المستعمِر، ولا حتى في الأوراق الرسمية؛ بل في الدِّين الإسلامي وتقوى الله - عز وجل -: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52].

أعتقد أنَّ المشكلة الرئيسة لديكِ تكمُن في موضوع الزواج، وهي المشكلةُ الوحيدة التي أراكِ محقَّة فيها، مع بالغ تقديري لكلِّ نقاط التصادُم التي ذكرتِها؛ لأنها في الأغلب تحدُث في معظَم البيوت، حتى ممن ينتمون إلى أرضٍ واحدة، وقريةٍ واحدة، وعائلةٍ واحدة.

لقد أصبح منَ الطبيعي اليوم وسط هذا الانفتاح الكبير على العالَم الآخر أن يختلف الذوق في المأكل والمشرب بين الآباء والأبناء، وأن يختلفَ أهلُ البيت الواحد في اللهجة الواحدة، وفي التعليم، وفي الثقافة، الأمر طبيعي جدًّا جدًّا، ويحدث في كل بلد، وفي كل مدينة، وفي كل بيت؛ فاصرفي التفكير عن هذه المسائل؛ لأنها بحق لا تليقُ بتعليمك العالي، ولا بتدينكِ الصحيح، لكن قبل الدخول في موضوع الزواج أُريد توضيح نقطتَيْن متَعَلقَتَيْن بوالدكِ هنا:


توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟