هجرة العقول الجزائرية والعربية نحو الخارج
إن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها العالم العربي حاليا قد أدت في كثير من الأحيان إلى هجرة العقول العربية نحو الخارج، وبالضبط نحو أوروبا وأمريكا.
أ – هجرة العقول الجزائرية : ربما تعد العقول الجزائرية من أكثر العقول العربية هجرانا بعد مصر نحو الخارج بحكم تكوينها في العديد من الدول الغربية كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وبالنظر إلى تحكم هذه العقول في اللغات كالفرنسية والإنجليزية وحتى الألمانية والإيطالية والإسبانية، وبالنظر إلى تمكنها من المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء والعلوم الصيدلانية والطب والهندسة وغيرها، فقد بات استغلالها واضح من قبل الكثير من الدول الأوروبية التي تتميز بجامعاتها ومخابرها البحثية المتطورة، إضافة إلى كون هذه الدول تقدم أجورًا مغرية، زيادة على المكانة الاجتماعية التي يحظى بها العلماء في هذه البلدان، لقد أصبحت هجرة العقول من المسلمات، ومن التصريحات التي أدت بها بعض الدوائر الرسمية في الدولة الجزائرية ثبت بأن هناك 2000 عالم في مختلف الاختصاصات التي ذكرناها، يعملون في العديد من الدول السالفة الذكر وهو رقم قابل للزيادة في كل سنة.
إن هذه الهجرة المتتالية والتسرب الكبير لهذه العقول والإطارات العلمية قد أضحت مقلقة بالنسبة للدولة والشعب على حد سواء، ولا أدل على ذلك من أن مسؤول الصحة بالولايات المتحدة الأمريكية هو جزائري الأصل.
ب – هجرة العقول العربية إلى الخارج : ما يقال عن العقول الجزائرية ينطبق عن العقول العربية، حيث عرفت العديد من الدول العربية تسربا كبيرا لعلمائها وباحثيها باتجاه الدول الأوروبية السالفة الذكر، ويمكننا أن نسوق على سبيل المثال لا الحصر العالم المصري الكبير (فاروق الباز) الذي كان فيما مضى أحد العلماء البارزين في علم الجيولوجيا بقاعدة (النازا) بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان مختصا في دراسة (صخور القمر)، كان يلقب بالملك لأنه كان ملكا بالفعل، فهو الذي وضع الأسس العلمية لـ(أبوللو) التي حطت على سطح القمر، ولأول مرة حيث وطأت أقدام الإنسان سطحه وكان (أمسترونغ) الأمريكي أول النازلين على سطح القمر وكان ذلك سنة 1969 م.
لم يكن فاروق الباز وحده وإنما كان هناك عدد كبير من العلماء العرب المهاجرين باتجاه أوروبا، ولكننا نفتقر إلى عدد محدد رقميا بسبب قلة الاهتمام بهؤلاء العلماء.
حوصلة النتائج الإيجابية والسلبية للهجرة
مما لاشك فإن للهجرة جوانب إيجابية عديدة، وخير مثال على ذلك قيام دولة الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد أقوى دولة في العالم، اليوم جاءت نتيجة لتيارات الهجرة باتجاه العالم الجديد، وقد لعبت طرق المواصلات البرية والبحرية والجوية دورًا هاما في تنامي الهجرة الخارجية والداخلية على حد سواء، وللهجرة دور هام في قيام الحضارات وازدهار الأمم والشعوب من خلال تبادل الثقافات والخبرات، فكثير من دول العالم استطاعت أن ترق إلى مستوى رفيع من التقدم العلمي والاقتصادي بفضل الهجرة، ويمكن أن نسوق على سبيل المثال دولة كندا التي بنت اقتصادها على الهجرة، وكذلك الحال بالنسبة لفرنسا التي طورت اقتصادها وصناعاتها بفضل الهجرة وخاصة هجرة العمال الجزائريين.
أما الجوانب السلبية للهجرة فتنحصر في الدول المتخلفة أو دول العالم الثالث، ذلك لأن الهوة بين الشمال والجنوب أو التقدم والتخلف قد أفضى إلى الهجرة السرية وخاصة من إفريقيا إلى أوروبا، وكان من نتائج ذلك تعرض الكثير من المهاجرين إلى الوفاة في عرض البحر بصورة خاصة وتعرضهم للقمع من قبل بعض الدول.
ضف إلى ذلك هجرة العقول أو الأدمغة من دول العالم الثالث باتجاه أوروبا وأمريكا، ومساهمتها في البناء الاقتصادي والعلمي لهذه الدول في الوقت الذي تمارس فيه هذه الأخيرة ضغوطاتها الاقتصادية والمالية على دول العالم الثالث.
والله ولي التوفيق
يتبع