كثافة السكان
من المألوف أن ننظر إلى كثافة السكان على أنها مجرد نسبة بين عدد ما من السكان ومساحة معينة من الأرض، غير أن المدلول الجغرافي لهذه الكثافة البسيطة محدود القيمة من الناحية العلمية، إذ قد تكون هذه البقعة أو هذه المساحة ليست كلها ذات أهمية اقتصادية واحدة، فقد يكون بعضها مستغلا والبعض الآخر غير مستغل، ويتوقف ذلك –بالطبع- على مدى وجود عوائق تحول دون استغلال الموارد الطبيعية.
وإذا كانت كثافة السكان تعتبر معيارا لاستجابة الإنسان للبيئة التي يعيش فيها ومدى التفاعل فيما بينها، كما أنها مقياس لدرجة تشبع بقعة ما بسكانها، إلى جانب إمكانية استخدامها في قياس مستوى معيشة السكان، فإن نسبة العدد الكلي للسكان إلى المساحة المطلقة، وهي ما تعرف بالكثافة الحسابية أو الكثافة العامة أو الكثافة البسيطة لا تؤدي هذه الأغراض لهذا السبب عمل الباحثون في هذه المسألة حتى توصلوا إلى أنواع أربعة للكثافة وهي :
أولا : الكثافة الحسابية : وهي الكثافة البسيطة المعروفة وهي نسبة = عدد السكان إلى مساحة الأرض التي يعيشون فوقها بصرف النظر عن الإمكانيات الاقتصادية لهذه الأرض، وقدرتها الإنتاجية وبصرف النظر عن نمط الاستغلال الاقتصادي.
ثانيا : الكثافة الفزيولوجية : وهي نسبة عدد السكان إلى الأرض المستغلة اقتصاديا، ومعنى هذا أننا استبعدنا في هذه الكثافة الأراضي الصحراوية وأراضي البور، وبصورة عامل كل الأراضي التي لا تستغل أو التي لا يمكن استغلالها.
ثالثا : الكثافة الزراعية : ويستخدم هذا النوع من الكثافة عادة في البلاد الزراعية، وتحسب هذه الكثافة بنسبة عدد السكان المشتغلين في الزراعة وحدهم إلى مساحة الأراضي الزراعية دون غيرها من أجل معرفة نصيب الفرد من الإنتاج الزراعي والدخل الوطني، حيث تأخذ هذه الكثافة من الاعتبار وظيفة السكان فضلا عن وظيفة الأرض، غير أن هذه الأنواع الثلاثة السابقة من الكثافات مازالت عاجزة عن أن تمدنا بمقياس إحصائي دقيق للعلاقة بين السكان والموارد الاقتصادية، لهذا السبب حاول بعض الباحثين ابتكار نوعا رابعا من الكثافة، وهي الكثافة الاقتصادية العامة.
رابعا : الكثافة الاقتصادية العامة : وهي قسمة عدد السكان في وحدة مساحية معينة على مجموع الدخل الأهلي في تلك الوحدة المساحية، وعلى الرغم من عدم توفر البيانات في كثير من الأحيان إلا أن هذا النوع من الكثافة يبين الدرجة التي بلغها الإنسان في استغلال بيئته، كما يبين مقدار استجابة هذه البيئة للإنسان متمثلة في الدخل الأهلي، وقد استخدم العالم (كارسو ندرز) هذا النوع من الكثافة لقياس العلاقة بين السكان والموارد الاقتصادية، فعندما يأخذ دخل الفرد بالزيادة يكون دليلا على أن القطر في وضعية سكانية جيدة، وأنه ما يزال بحاجة إلى زيادة عدد سكانه كي يستغلوا موارده الطبيعية، كما هو الشأن بالنسبة لأستراليا والأرجنتين والبرازيل التي تتوفر على مساحات زراعية هائلة.
5 – الهجرة :
يمكن أن نحصر عوامل النمو السكاني في ثلاثة : المواليد والوفيات والهجرة، والفرق بين العاملين الأولين هو ما يعرف بالزيادة الطبيعية وقد سبقت دراستها، أما الهجرة فتسهم بما يعرف بالزيادة غير الطبيعية، وقبل الغوص في تفاصيل هذا الموضوع فلابد من التطرق إلى بعض المفاهيم المتعلقة بالهجرة.
أ – مفهوم الهجرة : تعرف الهجرة بأنها حركة انتقال السكان من أرض تدعى (مكان الأصل) إلى أخرى تدعى مكان الوصول أو الاستقبال، وما يرافق ذلك من تغيير في مكان الإقامة، وبطبيعة الحال تختلف هذه الحركة بحسب المسافة المقطوعة والزمن المستغرق، وليس كل انتقال يمكن تسميته بالهجرة، فالبدو الرحل الذين ينتقلون باستمرار وكذلك السواح وطلبة العلم ليسو بمهاجرين، وعلى هذا الأساس فالمهاجرين يتميزون بسلوكات معينة، حيث ينوي الإنسان ترك وطنهُ بصورة نهائية أو على الأقل بصفة دائمة، إذن فالهجرة هي استعداد نفسي قبل أن يكون حركي، وبالتالي فالمواطن الذي يترك ريفه ويتجه صوب المدينة للاستقرار بها فهو مهاجر، إذن فالتحويلات التي تعرفها الكوادر بسبب العمل والتنقلات على أماكن معينة بهدف إنجاز عمل لا تدخل ضمن الهجرات، وإلى جانب هذه الأخيرة يوجد ما يسمى بالنزوح التي تساعد مقارنتها مع الهجرات على توضيح بعض الخصائص والمميزات الخاصة بهذه الأخيرة تنتج الهجرة عن الحاجة لتحسين الظروف المعيشية لبعض الأفراد الذين يرغبون في ذلك وهي لا تمس إلا نسبة قليلة جدًا من السكان، بالإضافة إلى كونها اختيارية وليست إجبارية، وتتم عر مراحل زمنية متفرقة.
أما النزوح فهو يختلف في الطبيعة المادية لأسبابه وسيكولوجيته كونه يتم تحت ظروف استثنائية واضطرارية كالزلازل والفيضانات والحروب المدمرة، فترغم جماعة كبيرة من الناس على تخطي الحدود والعيش في بلد آخر بصورة دائمة، ويتم النزوح بصورة جماعية لا فردية.
1 – تحديد مفهوم المهاجر : بعد تحديد مفهوم الهجرة والنزوح فلابد من تحديد مفهوم المهاجر باعتباره هو الذي يقوم بالهجرة، وحسب أحد الباحثين فالمهاجر له ثلاثة مفاهيم.
أ - من هو المهاجر Le migrant : هو الشخص الذي يدخل منطقة باجتيازه حدودها من نقطة نقع خارج حدود هذه المنطقة ضمن حدود القطر.
ب – المهاجر Immigrant : هو الشخص الأجنبي الذي يدخل منطقة معينة من نقطة تقع خارج حدود القطر كالمهاجر الذي يدخل إلى الجزائر.
جـ - المهاجر Emigrant : هو الشخص الذي يغادر بلده إلى قطر آخر باجتيازه حدود دولية، كالمهاجر الذي يغادر الجزائر إلى قطر آخر، حيث يعتبر في نظر القطر الذي هاجر إليه (Immigrant).
وهناك نوع آخر من الهجرة وهي هجرة العمال الموسمية خلال فصل من فصول السنة مثل العمل في البستنة أو حصاد الغلات الزراعية، فتسمى هذه الهجرة (هجرة العمل تختلف من مفهومها عن مفهوم الهجرة الذي تطرقنا إليه آنفا.
أسباب ودوافع الهجرة الداخلية والخارجية :
أ – الهجرة الداخلية : تختلف الهجرة الداخلية عن الهجرة الدولية أو الخارجية من عدة جوانب، فهي أقل تكلفة من الهجرة الدولية بحكم أن الانتقال يكون عادة لمسافة قصيرة، فضلا على أن مشاكل الخروج والدخول من دولة إلى أخرى لا تعترض المهاجر داخليا، وبالإضافة إلى هذا وذاك فإن مشكلة اللغة التي تواجه المهاجرين دوليا لا تواجه المهاجرين داخليا، كما يلاحظ بأن استعداد الناس من الناحية النفسية للهجرة الداخلية أكثر منه في الهجرة الدولية، كل هذا يجعل الهجرات الداخلية التي يشهدها العالم أكبر حجما من الهجرات الداخلية وعلى أية حال فهناك أنواع من الهجرة الداخلية.
- أنواع الهجرة الداخلية : هناك عدة أنواع من الهجرة الداخلية إلا أن أبرزها تداولا.
1 – الهجرة من الإقليم إلى إقليم آخر أو من ولاية إلى ولاية داخل الدولة الواحدة، ومن خصائص هذا النوع قصر المسافة التي يقطعها المهاجر.
2 – الهجرة من الريف باتجاه المدن وهي ظاهرة النصف الثاني من القرن العشرين حدثت على نطق واسع، وشملت معظم دول العالم ولم يسبق لها مثيل في فترة من الفترات التاريخية السابقة، وعلى كل فإن هناك دوافع وأسباب تقف وراء الهجرة الداخلية.
- دوافع الهجرة الداخلية :
أ – حجم الدولة : كلما كانت الدولة شاسعة المساحة متعددة الأقاليم، متباينة في جغرافيتها كلما وزاد حجم الهجرات الداخلية في الدولة، وخير دليل على ذلك الهجرات الداخلية في الاتحاد السوفيتي سابقا والولايات المتحدة الأمريكية في أبرز الهجرات الداخلية التي شهدها العالم في العصر الحديث، أما الحجم السكاني فلا يعتبر دافعا على الهجرة لأن الصين والهند لم تشهد هجرات داخلية.
ب – المسافة : تلعب المسافة دورا كبيرا في الهجرات الداخلية والخارجية على حد سواء، فبالإضافة إلى ما تحدده عوامل الطرد والجذب من تأثير في اتجاه تيارات الهجرة، فإن عامل المسافة يلعب دورا في تحديد هذا الاتجاه.
جـ - الدفع الاقتصادي : من الملاحظ بأن الهجرة من إقليم إلى آخر أو من ولاية إلى أخرى داخل الدولة الواحدة يرتبط ارتباطا وثيقا بالموارد الاقتصادية المتوفرة في هذا الإقليم أو ذاك، غير أنه بات من المؤكد أن الهجرات الداخلية خلال السنوات الأخيرة أضحت واضحة من الأرياف باتجاه المدن، حيث تكمن عوامل الطرد في الأولى وعوامل الجذب في الثانية بما تتوفر عليه من صناعات تقدم أجورا مغرية في كثير من الأحيان، وليست هذه الهجرات مجرد انتقال من بيئة إلى أخرى ولكنها تعني أيضا تحولا من حرفة إلى أخرى، وفي الغالب من الزراعة إلى الصناعة أو التجارة، ولذلك يلعب نظام الملكية في الريف دورا هاما في طرد السكان من الريف إلى المدن أو بقاءهم فيه، كما تلعب السياسة التنموية للدولة دورا إيجابيا في تثبيت سكان الريف من خلال القروض الممنوحة بهدف إنشاء مشاريع جوارية، وقد لعبت وزارة الفلاحة الجزائرية دورا هاما في هذا الاتجاه من خلال ما قدمته من أجل التنمية الريفية.
د – الدافع الديموغرافي : ويكمن في الزيادة الطبيعية الناجمة عن بعض العادات والتقاليد، فمن الشائع لدى الهنود ألا يتزوج الرجل من بلدته أو قريته، وإنما من بلدة أخرى، وقد نجم عن ذلك اتساع حجم الهجرات الداخلية وربط بعض الباحثين بين ارتفاع نسبة الإنجاب في الريف وقلتها في المدن.
هـ - الدافع السياسي للحكومات : تعمل بعض الحكومات وفق خطة مدروسة على توجيه الهجرة نجو إقليم معين من خلال وضع برامج اقتصادية تطورية في هذا الإقليم أو ذاك، وقد نجح الاتحاد السوفيتي سابقا في تنظيم الهجرة إلى سيبيريا لتعميرها، في حين لم تنجح اندونيسيا في حمل بعض أبناء جزيرة جاوة على الهجرة إلى الجزر الأخرى، كما لم تنجح سوريا في إعادة تعمير محافظة القنيطرة بعد الهجرة منها بسبب تهديم المدينة واحتلال الجولان من قبل الإسرائيليين، رغم التشجيعات التي أعطيت للسكان كالقروض الفلاحية وغيرها، كما لم تنجح اليابان في حمل أبناء الجزر اليابانية للهجرة إلى جزيرة (هوكايدو)، أما بالنسبة لسياسة الحكومة الجزائرية فيما يتعلق بتشجيع الهجرة إلى الصحراء فقد نجحت إلى حد ما في هذا المسعى من خلال منح الأراضي عن طريق الامتياز للعديد من الشباب الراغب في الهجرة نجو الجنوب.
الهجرة الخارجية (الدولية) : هي أن يعبر المهاجر أو جماعة من المهاجرين الحدود السياسية للوطن الأم باتجاه دولة أخرى، والهجرة الخارجية تتميز بطول المسافة التي يقطعها المهاجر.
أما المصادر الإحصائية للهجرة الخارجية فهي القنصليات والسفارات الممثلة للدولة الأم لدى الدولة المستقبلة، وهذه الإحصائيات تتميز بالاختلافات وعدم الدقة، مما يستدعي في كثير من الأحيان أخذ أرقامها بشيء من الحذر والتبصر، وهناك مصدر آخر هام وهو الحصول على كشوفات المسافرين الذين سافروا بواسطة وسائل النقل المختلفة (برا وبحرا وجوا)، والهجرة الدولية تكون على نوعين :