بعد دراسة هذه النطاقات من حيث التركز والتوزيع الجغرافي فلابد من تصنيف العالم إلى أقاليم من حيث الكثافة السكانية.
أقاليم الكثافة السكانية : (من الشكل رقم 13) يمكن الوقوف عند الأقاليم الآتية :
1 – إقليم الكثافة الشديدة الارتفاع : وفيه تزيد الكثافة عن 100 نسمة/كم2، ويتلخص في جنوب شرق آسيا خاصة اليابان وشرق الصين والهند وبنغلاديش وفيتنام والبحرين ولبنان ودول آسيوية أخرى، كما تظهر هذه الكثافة أيضا في دول غرب أوروبا، مثل بريطانيا وهولندا وبلجيكا والدانمرك وألمانيا وسويسرا وإيطاليا، كما تظهر في شرق أوروبا خاصة في التشيك وسلوفاكيا والمجر وبولندا، وعموما فإن هذه الكثافة ترتبط بالمناطق الصناعية التي تعتمد على مناجم الفحم، كما تظهر هذه الكثافة أيضا بإفريقيا خاصة بدلتا النيل ورواندا وبوروندي ودول إفريقية أخرى، أما بالنسبة لأمريكا اللاتينية فيظهر هذا النوع من الكثافة في هايتي وجمايكا والسلفادور وبورتوريكو.
والخلاصة فإن دول العالم الثالث والتي تنطوي تحت هذا النوع من الكثافة تتميز بالنشاط الزراعي وانخفاض نصيب الفرد من الدخل (القومي) الوطني.
2 – إقليم الكثافة المرتفعة : وفيه تتراوح الكثافة ما بين 50 – 100 ن/كم2 كبعض الأجزاء من الصين بآسيا ونيجيريا بأفريقيا، وبعض الدول بغرب أوروبا كفرنسا وإسبانيا والبرتغال، كما تضم معظم دول شرق أوروبا وجنوبها الشرقي، كالنمسا وروسيا ورومانيا وبلغاريا ويوغسلافيا واليونان وألبانيا، والملاحظ فإن هذه الدول قد تطورت هي الأخرى صناعيا، إلا أن النشاط الزراعي مازال يلعب دورا رئيسا في هذه الدول.
3 – إقليم الكثافة المتوسطة : وفيه تتراوح ما بين 25 – 50 نسمة/كم2، ويشمل هذا الإقليم بعض الدول التي تنتمي إلى قارة أوروبا كإرلندا وروسيا الأوروبية، أما في آسيا فيشمل كل من بورما وكمبوديا وسوريا واليمن وأفغانستان، أما بالنسبة لقارة إفريقيا فيضم كل من المغرب وتونس وغانا ومصر وأوغندا والمالاوي، أما بالنسبة لأمريكا الوسطى فيشمل كل من كوستاريكا والهندراس والمكسيك، وخلاصة القول فإن الدول التي تنتمي إلى قارات العالم النامي تعيش معظم سكانها على النشاط الزراعي.
4 – إقليم الكثافة المنخفضة : وتتراوح الكثافة السكانية بهذا الإقليم ما بين 10 – 25 نسمة/كم2، وتشتمل بعض الدول المنتمية إلى شمال أوروبا كالدول الاسكندينافية والتي تتميز ببرودتها الشديدة، حيث تقتصر الحياة بها على بعض المناطق الجنوبية والساحلية، حيث التركز الصناعي والتعديني، كما تضم بعض الدول الآسيوية كاللاووس وإيران، كما تضم بعض الدول الإفريقية الواقعة في القسم الشرقي والجنوبي، وكذلك القسم الغربي، كما تضم بعض الدول من إفريقيا الوسطى كالكونغو الديمقراطية، وعلى أي حال فإن الكثير من المناطق بإفريقيا تتميز بكونها مناطق طرد بشري كالصحاري والغابات الاستوائية أو بعض المناطق الأخرى، حيث تمارس الزراعة البدائية أو الجمع والالتقاط من قبل القبائل البدائية التي مازالت تعيش في العصر الحجري.
كما تضم هذه الكثافة الجبال الغربية من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول من أمريكا الوسطى، وبعض الدول من أمريكا الجنوبية مثل البيرو وفنزويلا وكولومبيا والأكوادور والأرغواي والشيلي والبرازيل.
5 – إقليم الكثافة الشديدة الانخفاض : وهي تقل عن 10 أشخاص في الكلم2، وتشمل بقية دول العالم أو بعض جهاتها ويمكن تقسيمها إلى مجموعتين :
أ – المجموعة الأولى : وهي تضم مجموعة من الدول تتميز بقساوة طبيعتها في الكثير من أجزائها، مما لا يسمح بالتواجد السكاني بتاتا كالمناطق القطبية التي تتميز بالبرودة الشديدة ومثالنا على ذلك روسيا الآسيوية (3,5 نسمة/كم2) وأيسلندا وكرينلند، وكذلك القارة القطبية الجنوبية (انتاركتيا)، والكثير من المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية بالسعودية وبعض المناطق من الصحراء الكبرى بالجزائر وليبيا ومالي وموريتانيا والصومال وجزء كبير من السودان، وجنوب غرب إفريقيا وتشاد والنيجر وجيبوتي.
ب – المجموعة الثانية : وتشمل الدول الشاسعة المساحة والتي تعاني من نقص ملموس في الكثافة السكانية كدولة كندا التي فتحت أبوابها للهجرة بهدف تعمير الكثير من أجزائها باستثناء الجزء الشمالي الذي يتميز بالبرودة الشديدة والذي تسكنه قبائل الإسكيمو، كما تشمل معظم دول أمريكا الجنوبية التي فتحت أبوابها للاستثمار الأجنبي كالأرجنتين وبوليفيا والبراغواي، وكذلك أستراليا، وهذه الدول قابلة للزيادة السكانية لو أنها فتحت أبوابها للهجرة، وتتميز هذه الدول بمنتجاتها الزراعية والحيوانية الهائلة. وعموما فقد بلغ متوسط الكثافة العالمي 48.2 ن/كم2 في منتصف 2006 ( أنظر الشكل رقم 14 ). بعد تقسيم العالم إلى أقاليم حسب خفة وحدة الكثافة السكانية لاشك بأن هناك عوامل أثرت بشكل أو بآخر في توزيع السكان وكثافتهم.
- العوامل المؤثرة في توزيع السكان محليا وعالميا : تتجلى قدرة الإنسان في التأثير على البيئة من خلال ما يقوم به من أعمال تنموية جراء صراعه الدائم مع الطبيعة، وبقدر سيطرته على البيئة المحلية وتسخيرها لصالحه بقدر ما تقاس درجة حضارته وتحدياته، غير أن الإنسان بطبعه وسلوكه يؤثر على البيئة ويتأثر بها من خلال تسعير وسائله المادية وتكييفها مع الظروف المحلية للبيئة التي يعيش فيها، فالإنسان يبني مسكنه بمواد محلية من البيئة التي يعيش فيها، ويجعل سقفه وفقا لما تقتضيه الظروف المناخية المحلية، ويتبع نمطا معينا في الأكل انطلاقا من الإمكانيات الطبيعية التي توفرها البيئة المحلية وهكذا دواليك، وعلى العموم يتأثر السكان من توزيعهم وكثافتهم على سطح الأرض بعدة عوامل وهي العوامل الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية، ونمط هذا التوزيع ا هو إلا محصلة لهذه العوامل الثلاث، واختصارا يمكن تصنيف هذه العوامل حسب التسلسل التالي :
1 – صنف العوامل الطبيعية : يتأثر السكان في توزيعهم بمجموعة من العوامل الطبيعية، وفي مقدمتها المناخ ومظاهر سطح الأرض والجيولوجيا(1) والجيومورفولوجيا(2) وما ينجم عنها من ثروات مائية ومعدنية وترب صالح للزراعة.
أ – المناخ : يؤكد الباحثون على أن للمناخ دور هام في توزيع السكان عبر أرجاء المعمورة: فانخفاض السكان في المناطق القطبية والصحراوية والاستوائية، ويعود بالدرجة الأولى إلى عدم صلاحية مناخ هذه الجهات، وللدلالة على أهمية المناخ في توزيع السكان على نصف مساحة اليابس لا تزيد فيها كثافة السكان على شخص واحد في كل 2,5 كم2، بسبب البرودة الشديدة وتبين بعض الدراسات بأن 16,4 مليون/كلم2 من سطح الكرة الأرضية لا تصلح للزراعة بسبب شدة برودتها، وأن هناك 38,4 كلم2 لا يمكن زراعتها بسبب جفافها، وتعد الأقاليم الباردة أقاليم طرد للسكان كالأطراف الشمالية من الكرة الأرضية والقارة القطبية الجنوبية الخالية من السكان، إن الحياة في العروض الشمالية صعبة للغاية بسبب عدم وجود حياة نباتية وبالتالي قلة الفيتامينات، مما جعل قبائل الإسكيمو لا يتكاثرون بسرعة بسبب قلة الخصوبة والنسل.
وبالتالي فإن حياة هؤلاء تعتمد على لحوم عجل البحر وحيوان الكريبو، وبالتالي فإن حياة هؤلاء تعتمد على أكل اللحوم النيئة بنسبة %100 على عكس القبائل البدائية في حوض الأمازون وأدغال إفريقيا والتي تعتمد في حياتها على الجمع والالتقاط(1)، والخلاصة فإذا اقترنت الحرارة المرتفعة بالرطوبة الشديدة، فإن ذلك يؤدي إلى قيام غطاء نباتي كثيف، كما هو الشأن في الغابات الاستوائية بحوض الأمازون وحوض الكونغو، مما يؤدي في الأخير إلى ندرة عدد السكان.
2 – التضاريس : تلعب التضاريس دورا هاما في كثافة السكان، حيث تبدو العلاقة عكسية بين الارتفاع والكثافة السكانية، فقد بينت الدراسات بأن 9/10 من سكان العالم يعيشون على منسوب 400 م فوق مستوى سطح البحر، كما أظهرت دراسة أخرى بأن %56 من سكان العالم يعيشون بين مستوى سطح البحر و200 م فوق هذا المستوى، حيث يشكل هذا الارتفاع نحو %27,8 من مساحة اليابس، وتبلغ كثافة السكان عند هذا المنسوب المنخفض ضعف مستوى الكثافة العالمية، علما بأن أربعة أخماس البشر يعيشون دون منسوب 500 م فوق مستوى سطح البحر وعلى مساحة قدرها %57 من مساحة اليابس، هذا ويمكن تقسيم عوائق السكان في المرتفعات إلى ثلاث مجموعات :
أ – العوائق الميكانيكية : وتكمن في أن التضرس ضد الجاذبية عملية شاقة، وتزداد هذه الصعوبة إذا كان المنحدر في ظل المطر، وبالتالي خاليا من الحياة النباتية.
ب – العوائق الطبيعية : وتتلخص في أن الحرارة تنخفض بدرجة واحدة كل 150م، وأن المطر يتزايد إلى حد الثلوج علما بأن الرطوبة والضغط الجوي يتناقصان إلى أن يصل الضغط الجوي إلى نصفه عند ارتفاع 6000م، وعلى ارتفاع 3300م يتناقص الأوكسجين لدرجة لا يحتملها إلا من ولد فوق هذه المرتفعات، ومن أراد أن يغامر فإنه يصاب بالدوران وصعوبة التنفس والأمراض الرئوية وشدة اضغط على القلب والخفقان، ثم يصاب بالإغماء وإذا ارتفع عن ذلك بكثير فإنه يصاب بانهيارقد تتبعه الوفاة.
جـ - العوائق الحيوية : وهي تلك التي ترتبط بإنتاج الغذاء ذلك لأن المرتفعات تتميز بقلة الرقع الزراعية، وهناك علاقة طردية بين كثافة السكان ومصادر الغداء، إلا أن هناك بعض السكان استطاعوا التكيف مع نقص الأوكسجين، منهم سكان التبت ووديان جبال الهملايا، وسكان جبال الأنديز وخاصة في البيرو حيث تعيش جماعات سكانية على ارتفاع 4850م فوق مستوى سطح البحر، كما يؤدي الارتفاع في الجهات المعتدلة إلى انخفاض درجات الحرارة، وبالتالي قلة الحياة النباتية، وهناك من يسكن الجبال في شمال أوروبا ولكن بعدد محدود، أما في وسطها وفي النمسا مثلا نجد السكان على ارتفاع 1690م فوق مستوى سطح البحر، أما الجبال العالية في المناطق المداري باستثناء جبال قارة آسيا التي فقدت تربتها والجبال القديمة غير المرتفعة في المناطق الشبه مدارية، هذه التضاريس جاذبة للسكان لهذا السبب ترتفع كثافة السكان في دول الأنديز، فنسبة من يسكنون على ارتفاع 3300 م فوق مستوى سطح البحر تصل إلى %98 في كولومبيا و%85 في الأكوادور و%75 في بوليفيا و%62 في البيرو، ونجد في إفريقيا يعيش أكثر من 20 ملين نسمة على ارتفاعات تزيد عن 800 م فوق مستوى سطح البحر بين خطي العرض 010 شمالا وجنوبا بسبب الاعتدال الحراري والسواحل على المناطق الداخلية.
3 – التربة : تلعب التربة دورا حاسما في الاختلافات التوزيعية للسكان، فالتربة الصالحة للزراعة تعمل على جذب السكان، أما التربة الصحراوية وتربة التندر(1) والتربة البودزولية(2) بإقليم الغابات الصنوبرية وتربة المناطق الاستوائية (اللانترايت(3)) والتربة الجبلية الفقيرة، كل هذه الأنواع من الترب تتفق مع حدود اللامعمورائي أنها لا تصلح للإنبات، أما التربة البركانية والفيضية فيه ترب صالحة للزراعة، ورغم خطورة التربة البركانية بالجبال والتلال، إلا أنها تغص بالسكان كما هو الحال باليابان وجاوة وصقلية وأمريكا الوسطى، وكذلك الشأن بالنسبة لتربة (اللويس) (4) في شمال ووسط الصين والتربة الطفيلية(5) ، في وسط أوروبا كل هذه الأنواع تعد تربا صالحة للزراعة، وبالتالي فهي جاذبة للأعداد هائلة من السكان، وقد لعبت التقنيات الحديثة دورا هاما في تحويل الكثير من الترب الفقيرة إلى ترب صالحة للزراعة كما هو الحال بالنسبة للبلدان المتقدمة.
4 – المعادن ومصادر الطاقة : تعد المعادن ومصادر الطاقة إحدى العناصر الأساسية في توزيع السكان، ولها آثار مباشرة في المنشآت العمرانية، حيث يؤدي استغلال المناجم في كثير من بقاع العالم على قيام تجمعات حضرية، ولكنها تزول بنفاذ هذه المناجم في كثير من الحالات مثل مدينتا الذهب في جنوب غرب أستراليا (كول كاردي) وكالكورلي.
يتبع