5 – التوزيع الجغرافي للسكان وكثافتهم :
تمهيد : يعد التوزيع الجغرافي للسكان عبر أرجاء المعمورة من بين الحقائق السكانية الهامة التي يجب أن تتوفر بين أيدي الباحثين خاصة المهتمين بالبحث الاقتصادي والاجتماعي وبعض الفروع المعرفية الأخرى التي تستوجب معرفة السكان وتوزيعهم، في الوقت الراهن لم يعد الجغرافي أو الديموغرافي المهتم الوحيد بهذا الجانب المعرفي، بل أن الهيئات الرسمية أصبحت هي الأخرى بحاجة إلى هذه المعلومات لاستعمالها في شتى الجوانب التخطيطية خاصة تلك التي ترتبط بإعادة التوزيع الجغرافي لسكانها عبر أقاليمها الجغرافية، وقد أصبح هذا الجانب في صلب اهتمام الكثير من دول العالم.
- التوزيع الجغرافي لسكان العالم : يختلف التوزيع الجغرافي في أغلب دول العالم من إقليم إلى آخر ومن نقطة إلى أخرى بسبب التباينات بين المناطق، فبينما نجد بعض مناطق التركز السكاني كبعض المدن التي تتميز بمحدودية رقعتها الجغرافية، بالمقابل نجد صحاري وجبال شاسعة المساحة خالية تماما من السكان، علاوة على أن توزيعهم غير منتظم الذي يتميز بالتعقيد رغم ملوكهم بالثبات النسبي في كثير من بقاع الأرض إلى أنها دائمة التغيير، ومما لا شك فيه فإنها ستعرف تغييرا ملموسا، إن الدليل الذي يعتبر نموذجا عالميا هو أن أكثر من نصف سكان المعمورة (سكان جنوب شرق آسيا) يعيشون على مساحة لا تتجاوز %10 من مساحة الأرض، زيادة على كون 1/5 سكان العالم (سكان أوروبا بما في ذلك روسيا الأوروبية) يعيشون فوق مساحة لا تتجاوز %5 من مساحة المعمورة، وهي الصورة التي تعكس عدم التناسب بين عدد السكان والمساحة التي يشغلونها.
وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الكرة الأرضية إلى قسمين، قيم معمور وقسم غير معمور، إلا أن المشكلة المطروحة هو عدم الفصل بين القسمين بحدود دقيقة، ذلك لكون القسم المعمور هو في حد ذاته توجد به بعض المناطق غير معمورة، ويسعى الإنسان دوما خاصة في ظل عدد السكان المتزايد إلى احتلال المزيد من المناطق غير المعمورة واستغلالها زراعيا عن طريق استصلاح الأراضي الصحراوية وتجفيف البحيرات وغيرها، وتقدر الأراضي المعمورة بـ %30 فقط من مساحة اليابس وهي نسبة قليلة.
- التوزيع الجغرافي لسكان العالم : (أنظر الشكل رقم 12)، يمكن تقسيم مناطق التوزيع الجغرافي في العالم إلى ثلاث مناطق أو نطاقات.
1 – مناطق التركز السكاني الرئيسي.
2 – مناطق التركز السكاني الثانوي.
3 – مناطق غير معمورة (خالية من السكان تقريبا).
1 – آسيا : أو ما تسمى عند المهتمين بعلم المناخ بآسيا الموسمية أي تلك المناطق التي تسقط بها الأمطار صيفا وتتميز بالتركز السكاني العالي أو الرئيسي، وهي تضم الصين، اليابان، كوريا، الهند الصينية، تايلاند، بورما، ماليزيا، اندونيسيا، الفلبين، سيلان وشبه جزيرة الهند، وأكثر المناطق كثافة سكانية اليابان وشرق الصين، ونطاق ضيق شمال فيتنام وشمال الهند وسهول الكنج وبنقلاديش وجزيرة جاوة، ويضم هذا الإقليم أكثر من نصف سكان العالم ويشتغل أكثر من %60 من سكانه بالزراعة، ويضم نطاق آسيا الموسمية 2094 مليون نسمة (في منتصف عام 1975 م) أو %52,8 من سكان العالم، يشغلون رقعة جغرافية تبلغ مساحتها %19,4 مليون كم2 أو %14,3 من مساحة العالم.
وعلى أية حال فإن سكان هذا النطاق يتمركزون في السهول الساحلية والأنهار مثل اليانكستي، الهوانكهو، الكيانغ، الكنج، الميكونك، الإيراوادي، وتبلغ كثافة السكان في هذه المجتمعات الزراعية أكثر من (2000 نسمة/كم2)، ويعود السبب في ارتفاع الكثافة بهذه المناطق إلى الخصوبة السكانية المرتفعة وإلى نمط الزراعة السائدة الذي يعتمد على زراعة الأرز بعدد ثلاث مرات في السنة، مما يجعل هذا المحصول كافيا لسد الأفواه الجائعة، بالإضافة إلى الإنتاج الحيواني الغزير بهذه المناطق، وإلى كميات المياه الكافية، وهي الصفة تميز هذه المناطق عن غيرها.
2 – النطاق الأوروبي : يأتي هذا النطاق في المرتبة الثانية بتعداد سكاني قدره 517 مليون نسمة (حسب عام 1975 م) أو بنسبة قدرها %13 من سكان العالم وبمساحة قدرها 7,8 مليون كلم2، أو بنسبة قدرها %5,8 من مساحة الأرض، وهو عبارة عن مثلث يمثل أحد أضلاعه خطا يمتد من اسكتلندا إلى جبل طارق، والضلعان الآخران يلتقيان في شرق أوروبا، ويشمل هذا المثلث الدول الأوروبية بكاملها بما في ذلك روسيا والدول المستقلة الواقعة في النطاق الأوروبي، والسبب في ارتفاع الكثافة يعود إلى التركز الصناعي في غرب أوروبا وشرقها.
3 – النطاق الأمريكي : ويشغل هذا النطاق المنطقة الشمالية الشرقية من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أصغر مساحة مقارنة بالنطاقين السابقين وأقل كثافة يشغل هذه المجمعات العمرانية الضخمة %4 من سكان العالم بتعداد قوامه 160 مليون نسمة (عام 1975 م)، ويأخذ هذا النطق هو الآخر شكل مثلث أحد رؤوسه في بلتيمور جنوبا والرأس الآخر في بوسطن شمالا، في حين يقع الرأس الثالث إلى الشمال الغربي من مدينة شيكاغو، وهذا النطاق يعد أكثر صناعة بالولايات المتحدة الأمريكية.
وهناك منطقة رابعة وهي دالتا النيل بمصر، حيث ترتفع بها كثافة السكان وأغلبهم يعمل بالزراعة.
4 – نطاق التركز السكاني الثانوي : ويضم هذا النطاق مجموعة من المناطق تنتمي إلى عدة قارات وهي : جنوب شرق أستراليا والساحل الغربي لإفريقيا وجنوب شرق أمريكا الجنوبية، والتجمعات السكانية بأمريكا الوسطى (فوق المرتفعات وسحل المحيط الهادي والساحل الجنوبية والسهول الوسطى بالولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى السهول الساحلية ومنابع البترول بالوطن العربي، وشرق إفريقيا وبعض النويات المتفرقة بأمريكا الجنوبية (في البرازيل والأرجنتين والشيلي).
والخلاصة فإن معظم سكان العالم يتمركزون في المناطق الهامشية للقارات، أي أن ثلاث أرباع ¾ سكان المعمورة يعيشون بالمناطق الساحلية أو بالمناطق الداخلية القريبة من السواحل، أي تلك التي لا تتجاوز 500 كلم عن السواحل، ومعنى هذا أن سكان العالم تجمعهم السواحل وتفرقهم المناطق القارية.
يتبع