الحركة الطبيعية للسكان
يقصد بالحركة الطبيعية للسكان ذلك النمو السكاني الذي يتحدد بعاملي الزيادة الطبيعية والهجرة، وتنجم الزيادة الطبيعية عادة عن الفرق بين المواليد والوفيات، وعادة ما تتميز قارات العالم النامي بالارتفاع في معدل المواليد (كإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا) التي تراوحت بين 35-47 بالألف(1)، مقارنة مع المعدل العالمي الذي بلغ في نهاية القرن الماضي 32 بالألف، وتتصدر القارة الإفريقية قارات العالم النامي، في حين ينخفض المعدل السالف الذكر عن المعدل العالمي في العالم المتقدم اقتصاديا كأمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا البيضاء وأستراليا، إذ يتراوح بين 16 – 23 بالألف ويتمثل أدنى معدل للمواليد في القارة الأوروبية، والشكل رقم 2 يوضح معدل المواليد والوفيات (في الألف لسكان العالم) خلال الفترة الممتدة بين (1965م-1975م).
ومن الشكل يتجلى بوضوح بأن ارتفاع معدل المواليد في الدول النامية والذي يتراوح بين 24,6 و 50,1 من الألف له أسبابه في الوقت الذي ينخفض فيه معدل المواليد في الدول المتقدمة، إذ يتراوح بين 9,7 و 18,6 في الألف، ويبرز هذا الانخفاض بالدرجة الأولى بممارسة طرق تحديد النسل بالنسبة لهذه الدول، وفي الوقت ذاته تمانع هذه الوسيلة مجموعة الدول النامية لأسباب دينية وأعراف وتقاليد اجتماعية، كما أنه يمكن أن يرجع هذا الارتفاع إلى العوامل الآتية :
1 – العامل الاقتصادي : ويتمثل في انتشار الفقر وانخفاض مستوى الدخل الفردي، وقد أثبتت الأبحاث الاجتماعية وجود علاقة ارتباطية بين ظاهرة الفقر وارتفاع معدلات المواليد بالنسبة للدول النامية، ويؤكد مارشال الاقتصادي الإنجليزي بأبحاثه في أواخر القرن التاسع عشر إلى هذه العلاقة بقوله : «تنزل نسبة المواليد عادة بين الميسورين من الناس وتزداد شيئا فشيئا بانخفاض مستوى المعيشة الفردي»، ومعنى هذا الكلام فإن الخصوبة وإنجاب الأطفال تتحددان بمستوى المعيشة، ويؤيد سدني هـ. كونتز ما ذهب إليه مارشال حينما قال : «في جميع المجتمعات يزداد عدد السكان بين الطبقات التي تشكو نقصا في الغذاء، ويتناقص عدد السكان بصفة مستمرة بين الأثرياء نقصا في الغذاء، ويتناقص عدد السكان بصفة مستمرة بين الأثرياء الذين يعيشون عيشة ترف ويملكون كميات وفيرة من الطعام، أما الطبقات الوسطى أي تلك التي تقع بين الطبقتين السابقتين فإن حجم السكان فيها يكون ثابتا».
2 – العامل الثقافي : يلعب العامل الثقافي دورًا بارزًا في معدلات المواليد، فالمرأة المثقفة أقل إنجابا من زميلتها غير المثقفة لأن الأولى تدرك تمام الإدراك المسؤوليات المادية والمعنوية التي يتطلبها إنجاب الأطفال، كما أنه للدين والمعتقدات والموروث الاجتماعي دور واضح في زيادة معدلات المواليد.
وقد بنيت الدراسات بأن المجتمعات الإسلامية تتميز بارتفاع معدل المواليد (ففي تريتينداد) مثلا تزداد قوة الإنجاب لدى المسلمين بمقدار %11 عنها لدى الهندوس، كما يلاحظ في المجتمعات الغريبة بأن الكاثوليك أكثر إنجابا من البروتستانت و اليهود.
وهناك دلائل أخرى ترتبط ارتباطا وثيقا بالعادات والتقاليد، فعلى سبيل المثال، فالزوجة في المجتمعات الزراعية المتدينة تسعى دوما إلى إنجاب عدد كبير من الأطفال حتى تضمن البقاء في بيت الزوجية، نظرا لسهولة الطلاق في هذه المجتمعات كما أن للزواج المبكر دور هام في زيادة معدل المواليد نظرا لطول فترة الإخصاب والتالي الإنجاب.
أما بالنسبة للمجتمعات الزراعية التقليدية في الدول النامية، حيث يقل استخدام المكننة الزراعية، فإن للأطفال دور هام في العمل الزراعي وعون للآباء، وبالتالي يصبح إنجاب الأطفال أكثر من ضرورة وتتجلى هذه الظاهرة على الأخص في كل من مصر والسودان.
والخلاصة فإن أصحاب الأعمال المكتبية أقل إنجابا من العمال البدويين، وأن أصحاب الثقافة أقل إنجابا من متوسطي الثقافة، وأن الزراع أكثر إنجابا من الصناع والعمال غير المهرة أعلا إنجابا من العمال المهرة، والأمهات العاملات أقل إنجابا من الأمهات الغير عاملات، وأنه البروتستانت أقل إنجابا من الكاثوليك وأن المسلمين أعلا إنجابا من المسيحيين، تلك هي الخلاصة العامة التي أثبتتها مختلف الدراسات السكانية وقد بلغ معدل المواليد في العالم في منتصف سنة 2006 20.5 في الألف أنظر الشكل رقم 3 .
معدل الخصوبة والإنجاب : رأينا فيما سبق مدى تأثير المواليد بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكن هناك مواضيع أشد ارتباطا بالمواليد وهي الخصوبة والإنجاب، وهنا لابد من أن نفرق بين هذين المصطلحين باعتبارها يتحكمان إلى حد بعيد في معدل المواليد.
1 – الإنجاب : وهو قدرة المرأة على الإنجاب أو بعبارة أخرى قابلية المرأة على التوالد في سن الحمل بصرف النظر عن كونها زوجة أو فتاة، وهنا لابد من التذكير بأن قدرة المجتمع على الاستمرارية تتوقف على عدد النساء القادرات على الإنجاب.
2 – الخصوبة : أما الخصوبة فهي تتحدد بعملية الإنجاب الفعلي للأطفال، أو بمعنى آخر عدد المواليد الفعلية للمرأة في سن الحمل.
وعلى هذا الأساس فالإنجاب هو الحد الأقصى للتوالد الذي يمكن أن يتحقق، وهو يختلف باختلاف العمر والنوع، أو بعبارة أدق فإن الإنجاب يستخدم للدلالة على الطاقة الكامنة في المجتمع ومدى قدرته على الإنجاب.
أما الخصوبة فتستخدم للدلالة على التكاثر الفعلي للسكان، والواقع فإن هناك عدة عوامل تؤثر في الخصوبة، وفي هذا الصدد فقد استطاع كينكيزلي ديفز Kingesley Daves أن يحدد مجموعة من العوامل وهي :
1 – سن الدخول إلى الحياة الزوجية.
2 – مدة الحياة الزوجية.
3 – الفترة التي تقضيها الأنثى بدون التعرض لعملية الجماع والتي تنشأ إما عن طلاقها أو ترملها.
4 – الإحجام عن الجماع لجزء من خطة لتحديد النسل(1).
5 – لعزوف تماما عن الزواج.
6 – الامتناع القهري عن الجماع لأسباب صحية.
7 – وفرة عمليات الاتصال الجنسي بين الزوجين خلال فترة الزواج.
8 – وجود العقم الطبيعي لأسباب سيكولوجية.
9 – استخدام وسائل منع الحمل.
تلك هي العوامل الطبيعية والبشرية المؤثرة في الخصوبة.
أما بالنسبة للإنجاب فله خصوصيته أيضا، وتوقف على المعدل في المقام الأول.
1 – معدل الإنجاب : ويقاس هذا لمعدل عادة وهو عبارة عن النسبة بين عدد المواليد السنوي وعدد الإناث في سن الحمل، أي ما بين (15 – 44 سنة أو 19 – 49 سنة) بواسطة المعادلة الآتية :
معدل الإنجاب العام = عدد المواليد الأحياء في سنة ميلادية معينة لمجتمع معين × 1000
عدد الإناث في سن الحمل في منتصف نفس السنة
وهنا يتضح بأن معدلات الإنجاب ترتكز أساسا على مجتمع الإناث فقط، وهي تختلف عن معدل المواليد الذي يركز على الولادات كحدث حيوي، والواقع فإن الدراسات الخاصة بمعدل الإنجاب العام أثبتت بأنه لابد من إيجاد معدلات تفصيلية بالنظر إلى كون المرأة دون سن العشرين يقل إنجابها، في حين يزداد معدل الإنجاب فيما بين سن العشرين والثلاثين، ويأخذ في التناقص بعد الثلاثين من العمر وهذه المعدلات التفصيلية يمكن إثباتها بواسطة المعادلة الآتية :
عدد المواليد الأحياء بالنسبة إلى فئة عمرية معينة × 1000
عدد النساء لنفس الفئة العمرية في منتصف العام ولنفس المجتمع
ومعنى هذا أنه يمكن تعميم هذه المعادلة على مختلف الفئات العمرية بالنسبة للأطفال والنساء اللواتي هن في سن الإنجاب، والأمثلة الآتية خير دليل على ذلك.
نسبة الأطفال إلى النساء = عدد الأطفال في الفئة العمرية (0 – 4) سنة ×1000
عدد النساء في الفئة العمرية (15 – 44) سنة
يتبع