وأراد الصدِّيق أنْ يقطعَ البر والإحسان؛ لكمال غيرته وعِفَّته[7]، ولكنه استجاب لنداء الله في قوله - تعالى -: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]، بعد أن ظهر من المذنب كمال التوبة، والافتقار إلى المولى، والاعتراف بالذنب، والله قابل التوب، واسع المغفرة.
ويُسطر التاريخ الإسلامي نماذجَ رفيعة في التسامُح، والعفو، سطرت بأحرف من نور، فمن نوادر التسامُح الفَردي، والتنازُل عن الحق الشخصي لمرضاة الله: ما نقل عن الأئمة الفُقهاء أبي حنيفة - رضوان الله عليه - ثم الشافعي والإمام مالك وأحمد، على جلالة قدرهم وعلمهم ومركزهم في المجتمع، فقد عفا الإمامُ أحمد عمن ظلمه وضربه بالسياط، فكانت العاقبة أنْ رفع الله ذكْرَه بين العالمين، وانقلبَ من كان يُعاديه وينصب له البغضاء إلى مُحبٍّ مُعظِّم لشأنه، ثم الشيخ ابن تيمية - رحمه الله - فقد سامح عَدُوَّه البكري، الذي أفتى بكفره وقتله، بل ضربه وحرَّض الدهماء عليه، ولما انقلبت الأحوال والظُّروف، إذا بالدولة والسلطان يطلبان البكري[8]، ويشتد عليه الطَّلب، وتضيق عليه الدُّنيا بما رحبت، فلم يَجد مكانًا يَختفي فيه إلاَّ عند الشيخ ابن تيمية، فشفع له عند السلطان فعفا عنه، والموقف الآخر لما اختلى السُّلطان ناصر قلاوون بالشيخ ابن تيمية، وأخبره برغبته في قتل بعضِ العلماء والقضاة؛ بسبب ما عملوه ضد السلطان، وفتواهم بعزله ومُبايعة بيبرس، وأخذ السلطانُ يذكِّر الشيخَ بأنَّهم هم الذين سجنوه وظلموه، وأفتوا بقتله، ولكن الشيخ الذي رفع شعار "أحللت كل مسلم عن إيذائي"، وطبقها في مسيرته العملية، جعل يَحُثُّ السلطان على التسامُح والعفو، وقال كلمته المشهورة: "إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء"، الله أكبر، إنَّها القلوب الواسعة التي تتجاوز حقوقها الشخصية؛ لأجل الله.
وفي سبيل قضايا الإسلام يعبر عن ذلك قول ابن مخلوف - وهو من ألدِّ أعداء الشيخ -: "ما رأيت كريمًا واسعَ الصدر مثل ابن تيمية، فقد أَثَرْنَا الدولة ضده، ولكنه عفا عنَّا بعد المقدرة، حتى دافع عن أنفسنا وقام بحمايتنا، حرضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدر علينا، فصفح عنا، وحاجج عنا"[9].
ومن التسامُح والإحسانِ العظيم في الحرب مع غير المسلمين: ما ينقل التاريخ - وهو خير شاهد - عن مُحمد الفاتح أنَّه عَامَلَ أهلَ القسطنطينية بعد فتحها معاملةً رحيمة، وافتدى عددًا كبيرًا من الأسرى من ماله الخاص، وخاصَّة أمراءها، ثم اجتماعه بالأساقفة للاطمئنان عليهم، والمحافظة على عقائدهم، وبيوت عبادتهم، بل تناولَ الطَّعام معهم، وتحدَّث معهم في شؤونِهم؛ مما أدهش البطريك، بل الروم أنفسهم، وتغيَّرت فكرتهم تمامَّا تجاه الإسلام والمسلمين[10].
أين ذلك مِمَّا ينقله التاريخُ عنهم؟! يقول ستيفن رنسيمان في كتابه: "تاريخ الحروب الصليبية" عما حدث في القدس يومَ دخلها الصليبيون، فقال: "وفي الصَّباحِ الباكر من اليوم التالي، اقتحمَ بابَ المسجد ثُلَّةٌ من الصليبيِّين، فأجهزت على جميع اللاجئين إليه، وحينما توجَّه قائد القوة ريموند إجيل في الضُّحى لزيارة ساحة المعبد، أخذ يتلمَّس طريقَه بين الجُثَث والدِّماء التي بلغت ركبتيه، وتركت مذبَحةُ بيت المقدس أثرًا عميقًا في جميع العالَم، وليس معروفًا بالضبط عددُ ضحاياها، غير أنَّها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود، بل إنَّ كثيرًا من المسيحيِّين اشتد جزعهم لما حدث"[11].
إنَّ المسلمين أحوجُ ما يكونون اليومَ إلى إظهار سَماحة الإسلام وفق مَبادئه، والتعريف بمبادئه السَّمحة من خلال:
أولاً: توجيهُ الدُّعاة خاصَّة، والمسلمين عامَّة إلى التعمُّق في الثَّقافة الإسلامية، خاصَّة بين المجتمعات التي لا تدينُ بالإسلام - مع الحفاظ على ثوابت الإسلام - وبين أهلِ الإسلام من باب أولى؛ لأنَّ الغرب ينظر إلى الإسلام من خلال سُلُوكهم وتصرُّفاتِهم، واستعمال الرِّفق والدعوة بالحكمة ومُقابلة السيئة بالغُفران ما أمكن في المعاملات والتصرُّفات لا في التصورات والعقائد، وهو سلاح فعَّال في جذبهم لدين الإسلام.
ثانيًا: على الدعاة والمسؤولين والمؤسسات دَوْرٌ مُهِم في الدِّفاع عن الإسلام، ومُواجهة التحديات، ومن خلال دفع التُّهم التي ألصقت به، من خلال التعريف بسماحة الإسلام مع خصومه - وهي ثابتة معروفة، لكن تَحتاج مَن يكشف عنها - فهدفُ المسلم عظيم، وغايته سامية، وهي إخراجُ الناس من ظُلماتِ الكفر والعبودية لغير الله، إلى عبودية الواحد الديَّان، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدُّنيا إلى سَعَةِ الدنيا والآخرة.