عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2009-10-07, 4:33 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
وممَّا يدلُّ على أهمِّيَّة العلم والمعرفة، وأثرِها من حماية المسلِم من غوائل الحيرة والاشتباه:
ما جاء في الحديث الَّذي رواه أبو سعيد الخدْري قال: حدَّثنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا حديثًا طويلاً عن الدجَّال، فكان فيما حدَّثنا قال: ((يأْتي وهو محرَّم عليه أن يدخُل نقاب المدينة، فينتهِي إلى بعض السباخ الَّتي تلي المدينة، فيخرُج إليه يومئذٍ رجُل هو خيرُ النَّاس أو من خَير النَّاس، فيقول له: أشهدُ أنَّك الدجَّال الَّذي حدَّثنا رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - حديثَه، فيقول الدجَّال: أرأيتُم إن قتلتُ هذا ثمَّ أحييْتُه، أتشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا، قال: فيقْتُله ثمَّ يُحييه، فيقول حينَ يُحييه: واللهِ، ما كنتُ فيك قطُّ أشدَّ بصيرةً منِّي الآن، قال: فيُريد الدجَّال أن يقتُله فلا يسلَّط عليه))[13].



ويُستفاد من الحديث جملةُ أمور، منها:

- أنَّ الدجَّال له خوارق عظيمة، وأنَّه يتبعه وينخدِع به دهماء النَّاس، ممَّن لم يتسلَّحوا بالعلم، فانطلت عليهم خوارقُه وشبهاته.

- المؤمِن لم يُصَبْ بِحيرة أو اشتباه ممَّا يراه من أشد الأمور هولاً؛ لأنَّه بنَى عِلْمَه على يقين، وهو أنَّ دعوةَ الدجَّال لا يُمكن بحالٍ أن تكون صحيحةً لمُخالفتِها أمور الإسلام.

- لم ينخدِع المؤمن بمَن حول الدجَّال من الأتباع؛ لأنَّه يعلم أنَّ دعوة الباطل لا تنقلِب إلى حقٍّ بكثرة الأتباع، وأنه يجب أن يبقى متمسِّكًا بدينِه، ولو كان وحْده متمسِّكًا بدينه على وجْه الأرض.

- أنَّ فاقد الشيءِ لا يعطيه، فلو كان الدجَّال صادقًا لأصْلح النَّقص الَّذي فيه؛ ولهذا قال له المؤمِن بقلب واثق مطمئن: "والله، ما كنت فيك أشدَّ بصيرة مني الآن"[14].



ثانيًا: من الوصايا النَّافعة عند وُرود ما يُحير العقل، ويزرع الشَّكَّ، ويولِّد الاشتِباه، ويزيد الالتباس: ما ذكرَه الإمام ابن القيِّم عن شيخه ابن تيمية، حيث يقول: "جعلتُ أُورد عليه إيرادًا بعد إيراد، فقال لي: لا تَجعل قلبَك للإيرادات والشُّبهات مثل السفنجة فيشربها، فلا ينضحْ إلاَّ بها، ولكنِ اجْعلْه كالزجاجة المصْمتة، تمرُّ الشبهات بظاهِرِها ولا تستقرُّ بها، ويدفعُها لصلابته، وإلاَّ فإذا أشربت قلبَك كلَّ شبهةٍ تمرُّ عليْك، صار مقرًّا للشبهات، أو كما قال".



ثمَّ يقول ابن القيم: "فما أعلم أنِّي انتفعت بوصية في دفْع الشبهات كانتِفاعي بذلك"[15].




ثالثًا: الجماعة رحمة، وما دام المسلِم في إطار الجماعة، وخاصَّة العلماءَ وأهل الإسْلام، فإنَّه يبقى في مأْمن من الاشتباه، والوقوع في الأخطاء، وقد جاء في الحديث: ((إنَّما يأكُل الذِّئْب من الغنم القاصية))[16]، والعُزلة والانفِراد تولِّد أنواعًا من الأفكار والخيالات الوهمية، وكلّ ما نراه من آراء شاذَّة في أمَّتنا من أفراد أو جماعات هي نتاج العزلة، ووساوس الشَّيطان، ومن هذا الباب جاءت الوصايا بلزوم جَماعة المسلمين وإمامِهم - ولاة الأمر - عند اشتِداد الفتن، وكثْرة دواعيها، والله المستعان.



رابعًا: الدُّعاء والتضرُّع إلى الله: وفي أحوال أو بلاد معيَّنة، قد لا يجِد فيها المسلم مَن لا يُعينه على الخير، ويُعينه على ما أصابه من حيرة واشتِباه، فعليْه أن يظهر فاقتَه وتضرُّعه إلى المولى، فلن يخيِّب الله من التجأَ إليه، ومنِ اشتبه عليه الأمر، وبقيتْ في نفسه بقايا من الشُّبهات، فليدعُ بِهذا الدُّعاء الَّذي رواه مسلم في صحيحِه عن عائشة - رضِي الله عنْها - قالت: كان رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إذا قام من اللَّيل يقول: ((اللَّهُمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السَّموات والأرض، عالمَ الغيب والشَّهادة، أنت تَحكُم بين عبادِك فيما كانوا فيه يَختلفون، اهدني لِما اختلف فيه من الحقِّ بإذنِك، إنَّك تَهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))[17].



اللَّهُمَّ يا دليل الحيارَى دلَّنا على طريق الصَّالحين، واجعلْنا من عبادك الصادقين[18].



--------------------------------------------------------------------------------

[1] اختلف العلماء في هذا الأثر وثبوته، ثمَّ الاستِدلال به، وممَّن ردَّه وشنَّع على قائلِه ابنُ حزم - رحمه الله - ومنهم من استدلَّ به على مشروعيَّة المصالح المرسلة كالزركشي في "البحر المحيط" في مسالة أحكام الشرع، والسيوطي تبعًا للسبكي، ووجْه الاستدلال منه في الأحكام: أنَّ العقوبة تَختلف باختِلاف حال المجرِم، ومقدار عتوِّه، واشتهاره بالفجور، وتكرُّر الجريمة منه، فمِثْل هذا يُشدَّد عليه، بخلاف مَن لم يُشتهر بفسق ولا فجور، وقد ينسحب الأثر على ما نحن بصدَده، وهو ممَّا ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحِمه الله - من أنَّ الذُّنوب سببٌ لعدم العلم بالحنيفيَّة السمحة، أو يبتلى النَّاس بمطاع يلزمهم الآصار والأغلال، انظر المجموع (ج14 - 155) و(ج11 - 384) والنبوَّات ص40.
[2] الشعر للشهرستاني، يعبِّر فيه عن حيرته، وأنَّه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلاَّ الحيرة، والشهرستاني كَانَ إمامًا في علم الكلام علَى مذهب الأشعري، وكان إمامًا في نِحل الأمم ومذاهب الفلاسفة ، وكان علَى معرفة عظيمة بأقوال الفلاسفة والنِّحَل والفرق، ولهذا ألَّف كتاب "الملل والنحل" ترجم له في مصادِر عدَّة منها، ومن هذه المصادر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي، "وفيات الأعيان" لابن خلّكان، "سير أعلام النبلاء" للذهبي، "طبقات الشَّافعيَّة الكبرى" للسبكي الابن، "طبقات الشَّافعية" للأسنوي، وغيرهم.
[3] "ذم الوسواس" للعلامة ابن قدامه المقدسي - رحمه الله - طبع مرارًا، والكتاب قد ضمَّنه ابن قيم الجوزيَّة كتابه: "إغاثة اللهفان" وطبع مفردًا في دار الكتب العلميَّة، وهو يعين المسلم للقضاء على داء الوسوسة في الصَّلاة وغيرها.
[4] مختار الصحاح للرازي، ص165 عنِي بترتيبِه السَّيد محمود خاطر، دار التراث العربي، ومفردات القرآن للأصفهاني، انظر مادة حير.
[5] حديث حارثة لمَّا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: "أصبحت مؤمنًا"، وهو في مجمع الزَّوائد (ج1 - ص57) وحديث حنظلة الأسدي لمَّا قال لأبي بكر: "نافق حنظلة"، وبين سبب ذلك بقوله: "نكون عند رسول الله يذكّرنا بالجنَّة والنَّار كأنا رأي عين"؛ رواه مسلم (ج4 - توبة/ 12 ، 13) والترمذي (ج4/ 2514).
[6] قاعدة تزاحُم المصالح، والتي يسمِّيها ابن القيّم واجب الوقت، والمراد بهذه القاعدة: إذا لم يتمكَّن العبد من فعل إحْدى المصلحَتَين إلاَّ بتفويت الأُخرى، فماذا يعمل؟ انظر مجموع ابن تيمية، من "مجموع الفتاوى" (22/ 308)، وذكرها الإمام ابن القيم في مواضع عدَّة من كتُبه مثل كتاب: "مدارج السَّالكين" ابن قيم الجوزية، الجواب الكافي، ص: 108، وملخص القاعدة: "فالأفضل في كلِّ وقت وحال: إيثار مرْضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقْت ووظيفته ومقتضاه"، ولاستأذنا أبي بكر البغدادي رسالة قيِّمة نشرت في مجلة الحِكْمة بعنوان: "تزاحُم الأحكام الشرعيَّة في الدَّعوة عند شيخ الإسلام"، عدد 7، فراجعها إن شئت.
[7] ذكرَه العلامة الألباني في ضعيف الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2404 أو الرقم: 2405. خلاصة الدرجة: ضعيف.
[8] ديل كارنجي Dale Carnegie؛ (24 نوفمبر 1888 بالقرب من ميزوري - 1 نوفمبر 1955 في فوريست هيلز، نيويورك) كان مؤلفًا أمريكيًّا ومطوِّر الدروس المشهورة في تَحسين الذَّات، ومدير معهد كارنجي للعلاقات الإنسانية، ولد عام 1888 وتوفي في العام 1955، من أهم مؤلفاته كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" الذي ترجم إلى العربية وانتشر بشكل واسع في العالم العربي والإسلامي.
[9] لمَّا تقلَّد أوباما مقاليد الحكم وزار القاهِرة وألقى خطابَه الشهير، اعتقد كثيرٌ من المسلمين أنَّه سيحل مشاكل الشرق الأوسط، بل ومشاكِلهم الإسلاميَّة، ويُنهي معاناة أهل الإسلام، بسبب أنَّ اسم أبيه حسين، أو أنَّه من أصل إسلامي، وإلى الله المشتكى.
[10] سيرة ابن هشام، ق1، ص382 - 384، والسيرة النبوية لأبي الحسن الندوي.
[11] إغاثة اللهفان من مصائد الشَّيطان، لابن القيم - رحِمه الله - (ج1 - ص69) بتحقيق حامد الفقي.
[12] إغاثة اللهفان لابن القيِّم - رحِمه الله - (ج1 - ص71).
[13] البخاري في الجامع الصَّحيح، الصفحة أو الرقم: (7132) عن أبي سعيد الخدري، ومسلم في الصحيح، الصفحة أو الرقم: (2938).
[14] استفدتُ في هذه النقاط من كتاب: "أصول الدعوة" للدكتور عبدالكريم زيدان، ص310.
[15] مفتاح دار السعادة لابن القيِّم - رحِمه الله - ص221.
[16] حديث: ((ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدْو لا تُقام فيهم الصلاة إلاَّ قدِ استحوذ عليهم الشيطان، عليْك بالجماعة؛ فإنَّما يأكُل الذئب من الغنم القاصية))؛ انظر مجموع النووي: 4/ 182. إسناده صحيح. وتحقيق رياض الصالحين، الصفحة أو الرقم: (379) وإسناده حسن.
[17] ورُوي بغير هذا اللَّفظ في سنن أبي داود، الصفحة أو الرقم: (767).
[18] وقد علَّم الإمامُ أحمدُ إمامُ أهل السنَّة بعض أصْحابه أن يقول: "يا دليلَ الحيارى، دلَّني على طريق الصالحين"؛ ذكر ذلك شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (1/ 207) و (2/ 17)، وذكره ابنُ الجوْزي - رحِمه الله - في مناقب الإمام أحمد أيضًا.


توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟