ومن أعْظم مظاهر الحيرة ما يلي:
أوَّلاً: فقدان المنهجيَّة والهدف من الحياة، وعندها يُصْبِح الإنسان أسيرًا لهواه، عابدًا لما تُمْلِي عليه رغباتُه، ولا يدري إلى أين يتَّجِه أو يسير، فتختلط عنده الأوراق، وتختلُّ في نظره الموازين، وعلى الرَّغْم من إيمان ملايين من المسلمين بالله - سبحانه - إلاَّ أنَّهم وقعوا في شراك الحيرة والاشتباه؛ لأن إيمان كثيرٍ منهم سطحيٌّ، ليس له أثر في تحْديد الوجه والهدف؛ قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 11 - 13].
حيرة في مشاكلهم الاجتماعيَّة، وقضاياهم الماليَّة، وحلّ أزماتِهم الحاليَّة، حيرة فيمَن يتبعون من مناهج وأفكار، في ظلِّ تعدُّدِها واختلافِها وتنوُّعها، إنَّ في ديننا الحنيف من الثَّوابت الواضِحات، والجوازم اليقينيَّات، ما تكفل للإنسان أن يَسير في وضوح ودراية تامَّة، وتكفُل له السَّعادة والاطمِئْنان، وإنْ كانت تُحيط به أهوالٌ أو أزمات؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]، ومن هذه الثَّوابت: الإيمان بالأقْدار والقناعة بما كتبه الجبَّار، والإيمان بالله واليوم الآخر، والاستِعْداد ليوم الميعاد، وسيأتي مزيد تفصيل.
ثانيًا: الانخِداع بالألفاظ: ومن علامات ذلك أنَّ المرء لا يتجاوز بنظرِه إلى خلف الأستار، وبواطن الأمور، ويصدِّق بكل ما يقال ويُذاع، ويُنْشَر ويشاع، فليْس عنده من الإيمان الصَّحيح المبني على العلم ما يزِنُ به الأمور، ويفرِّق بين المتضادَّات، وهو كما ينطبق على الأفْراد وحيرتهم لكلِّ ما يعرض في الإعلام المرئي والمسموع، ينطبِق على الجماعات والأُمَم، خاصَّة مع الهجْمة الشَّرِسة التي يتعرَّض لها الإسلام من تشْويه، فلو تكلَّم اليوم مَن لا يدين بالإسلام[9] في قضايا المسلمين لصدَّقه مَن صدَّقَه من المسلمين، لقد قيل للطُّفَيل بن عمرو عن نبي الإسلام من الأقْوال والافتراءات ما جعلَه يضع في أُذنه كُرْسُفًا، فقال بعدها: "ثُمَّ غَدوْتُ إلى المسْجِدِ، فإذا بِرَسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليْه وسلَّم - قائِمًا في المسْجِدِ، فقُمْتُ قَرِيبًا مِنْه، وأبى اللهُ إلاَّ أنْ يُسْمِعَني بَعْضَ قَولِه، فقُلْتُ في نَفْسي: واللهِ، إنَّ هَذا لَلعَجْزُ، وإنِّي امْرُؤٌ ثَبْتٌ، ما تَخفَى عليَّ الأُمورُ حَسَنُها وقبِيحُها، واللهِ لأتَسَمَّعَنَّ مِنْهُ، فإنْ كَانَ أمْرُهُ رُشْدًا أخَذْتُ مِنْهُ، وإلاَّ اجْتنَبْتُه، فَنَزَعْتُ الكُرْسُفةَ، فلَمْ أسْمَعْ قَطُّ كَلامًا أحْسَنَ مِن كَلامٍ يَتكَلَّمُ بِهِ، فقُلْتُ: يا سُبْحانَ اللهِ! ما سَمِعْتُ كاليَوْمِ لَفْظًا أحْسَنَ وَلا أجْمَلَ مِنْهُ، فلَمَّا انْصَرَفَ تَبِعْتُه"[10]، فرأى في رسولِ الله مِن خُلُقِه وحديثه، ومظهَرِه وجوْهره، ودينِه وأمانتِه، وعفَّته وشهامتِه، ما جعلَه يدين بالإسْلام ويكون مِن دُعاته المخلصين، والمجاهدين في سبيل الله.
ثالثًا: النَّظر إلى الكثْرة، وهي من آثار الحيرة بل ومِن أخْطرِها، خاصَّة ممَّن يَعيشون غُرْبَةَ الزَّمان والمكان، فينظُر إلى حال النَّاس من حولِه، وليس عنده من الزَّاد الإيماني والحال الفرقاني ما يَجعله يصبِر ويثبت، فيقع في نفْس ما وقعوا فيه، ويردِّد العبارة القائلة: "حشرٌ مع النَّاس عيد"، فإن لَم يُشارِكْهم بقِي في حسرة نفسيَّة، وحيرة عقليَّة، من فوات حظِّه من الاستِمْتاع في مباهج وملذَّات الدُّنيا، أو يَجد في قلبه وحْشة وضيقًا، فليْس عنده ممَّا يتعوَّض به من ذكْرٍ أو تلاوة قرآن، أو إيمان صادق، وربَّما يؤدِّي به الحال إلى الوقوع في الفِتنة - نسأل الله السَّلامة - وهُنا يقدِّم لنا ابن القيِّم نصيحةً وهي موجَّهة لمن في عصره، ممَّن يتبع أهلَ البِدَع والأهواء، وفيها عبرة وعِظة للجميع، يقول - رحِمه الله -: "فالبصيرُ الصادق لا يستوْحِش من قلَّة الرفيق وفقْده إذا استشْعر قلبُه مرافقةَ الرَّعيل الأوَّل من الَّذين أنعمَ الله عليهِم، من النَّبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين وحسُن أُولئك رفيقًا، فتفرُّد العبد في طريق طلبه دليلٌ على صِدْق طلبه"[11].
رابعًا: الانخداع بأصْحاب الجاه والثروة.
في ظلِّ الأزمة الماليَّة، وانتِشار مظاهر الفقْر والعوز، أصبحت الأنْظار تتوجَّه إلى المظاهر وتعْمل لها الحساب، وانعدم في كثيرٍ من الأحيان الفرقان الإيماني، وأصبح مَن يستدلُّ على أنَّ مَن أعطاه الله الثَّروة والجاه والمال فهُو دليلٌ على محبَّة الله له، والعكْس هو الصَّحيح عندهم؛ قال تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ} [الفجر: 15 - 17].
وما قصَّة قارون الَّتي قصَّها الله عليْنا ببعيدة، فقد أصْبح النَّاس على مفترق طرق:
الأوَّل: اتَّبع قارون تصديقًا له، لما لديْه من ثروة أو جاه، والثَّاني: أعْلنَها صراحة، ولَم ينخدِع بِما انخدع فيه الفريق الأوَّل، وقالوا كما جاء في كتاب الله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ} [القصص: 76، 77].
إنَّ الدُّنيا بما فيها من مباهجَ وملذَّات تَخدع مَن يميل إليها ويؤْثِرها، مع ما جُبِل عليْه الإنسان من حب العاجِلة، فيقع فريسةً للحيرة وحبائِلِها، فيترك كثيرًا من معالي الأمور التي شبَّ عليْها وتخلَّق بها، من الصدق والعمل به، والصَّراحة في القول، ومحبَّة الآخرين؛ لأجْل ما يراه من ثرْوة ومال عند أربابِها، ليتزلَّف إليْهِم، ويكسب ودَّهم، والعاقِل مَن ينظر إلى الأمور ويُوازن بفكْرٍ صافٍ، فيؤْثِر ما هو باقٍ على الفاني، وينظُر إلى ما وراء المظاهر الخدَّاعة، فيستقيم حالُه، وينصلح أمرُه، عاجلاً أم آجلاً، وتكون له العاقبةُ الحميدة في دينِه ودنياه وإن رفضَه الجميع.
وسائل نافعة في علاج الحيرة والاشتباه:
أوَّلاً: العلم والمعرِفة بمعاني الإسْلام، والعلم كما قيل سائق، والعمل به يَزيدُه رسوخًا ونورًا في النَّفس، ويكشِف له حقيقة ما يَدور حوله، على عكْس مَن يَجهل أمورَ دينِه، يُصْبِح فريسةً لأيِّ شبهة، وتعصِف بقلْبِه وعقله كما تعصِف الرياح بالريشة في الهواء، قال ابن القيم: "فإنَّ الحقَّ متى استقرَّ في القلب قوِي به وامتنع عمَّا يضرُّه ويهلكه"[12].