وكم تفنن الشعراءُ في الصور البديعة التي تصوِّر العطشَ والماءَ، والورودَ والصدود، والنهل والعلّ، فالمأمون يقول:
أَرَى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ ولكنْ لا سبيلَ إلى الورودِ
أما يكفيكِ أنَّكِ تمْلِكيني وأنَّ النَّاسَ كلّهُمُ عَبيدي؟!
ومما قيل في الدعاء:
رَمَاكَ رَبّي بِحُمّاةٍ مُقَلقِلَةٍ وَبامتِنَاعِ طَبيبٍ لا يُداوِيكَا
وَأنْ تَظَلّ بِصحرَاءٍ عَلى عَطَشٍ وَتَطلُبَ المَاء مِمّن لَيسَ يَسقيكَا![20]
وغالب بنُ عبد الله بن عطية عطشَ وهو في البحر، فقال في ذلك:
إنَّا إلى اللهِ، لقدْ نالَنا هُمٌّ يُذيبُ القلبَ إحراقُهُ
يا عجَباً ممَّا دُهِينَا بهِ نَسكُنُ في الماءِ ونَشتاقُهُ![21]
ومما قاله المجنون:
أُؤمِّل أنْ أُعَلَّ بشربِ لَيْلَى ولَمْ أَنْهَلْ، فكيفَ إلى العلُولِ؟!
وابن المعذّل يأتي بصورة في غاية الروعة عندما يقول:
ما إنْ ذكرتكَ في قومٍ أُجالسُهمْ = إلاَّ تجدَّدَ مـِن ذكراكَ بلوائي
ولا هَمَمْتُ بشربِ الماءِ من عطشٍ = إلاَّ وجَدتُ خيالاً منكَ في الماءِ
ولا حضرتُ مكاناً لستَ شاهدَهُ = إلاَّ وجدتُ فتوراً بينَ أعضائي
ومثله لشاعر آخرَ، ولا أدري من الذي أخذ من الثاني؟:
يا صاحِ، ما طلعَتْ شمسٌ ولا غربَتْ إلاَّ وأنتَ مُنى قلبي ووَسْواسي
ولا تنفَّستُ محزوناً ولا فَرِحاً إلاَّ وذكركَ مَقرونٌ بأنفاسي
ولا هَمَمتُ بشربِ الماءِ من عطشٍ إلاَّ رأيتُ خيالاً منكَ في الكَاسِ
ولا جلستُ إلى قومٍ أُحدّثهُمْ إلاَّ وأنتَ حَدِيثي بين جُلاّسي
وهناك أبيات لأخت عمرو بن عاصية السلميِّ ترثيه، وقد قُتل أسيراً وهو في غاية العطش، تخاطبُ مَن أسَره وقتله:
هَلاَّ سَقَيْتُمْ - بني سهمٍ - أسِيرَكُمْ نَفْسِي فِداؤُكَ مِن ذِي غُلَّةٍ صادِي
شَهّادُ أَنْدِيَةٍ، رَفّاعُ أَلْوِيةٍ سَدّادُ أَوْهِيَةٍ، فَتّاحُ أَسْدادِ
الطَّاعنُ الطّعنةَ النّجلاَء يَتبَعُها مُثعَنْجِراً بعدَما تَغْلِي بإزْبَادِ
وسبب الشعر أنّ بني سهم - وهم بطنٌ من هذيل - أسروه في حربٍ كانت بينهم، ولم يعرفوه فلما عرفوه قتلوه، وكان قد عطش فاستسقاهم فمنعوه، وقتلوه على عطشه. وقيل إن هذا الشعرَ للفارعة أختِ مسعود بن شداد[22].
وبعضهم قال شعراً في العنب الأبيض والأسود، وجعله عاصماً من الجوع بالإضافة إلى العطش، كأحمدَ بنِ عبد ربه الذي يقول في عنب أبيضَ وأسودَ:
أهديتَ بيضاً وسوداً في تلوُّنها كأنَّها من بناتِ الرُّوم والحَبَشِ
عذراءُ تُؤكلُ أحياناً وتُشربُ أح ياناً، فتعصِمُ من جوعٍ ومن عَطَشِ[23]
والبعض الآخر جعل الأشياء المعنوية تُشرب، فالبشاشة هي الماء المريء الذي يَسقي منه أبو المغيث رعيّته، وقد مدحه أبو تمامٍ فقال:
اسقِ الرعيّةَ مِن بشاشَتكَ التي لو أنها ماءٌ لكانَ مَسوسا[24]
وأحمدُ بن عبدِ ربِّهِ الأندلسي يرى أن أحبابه سقَوه من الحِمام، وذلك عندما رحلوا وسارت بهم الظعائن، وخلّفوه وحيداً، يقول:
سقَوني حمامي يومَ ساقُوا حمولَهم فرُحتُ وراحوا بين ساقٍ وسائقِ
فيا بأَبي تلكَ الدُّموعَ التي هَمَتْ فدلَّت على مَكنُونِ تِلكَ العَلائقِ[25]
بينما نرى أن زيد ابنَ المعتمد على الله بنِ أبي القاسم عباد، قال ارتجالاً، وأنشد سحراً حلالاً، عندما مرّت عليه هوادج وقباب، فيها له أخدانٌ وأحباب؛ وجّهوا على وجه الهدية إلى برّ العدوة، وقد كان يلم بهنَّ في صباه إلمام قريش بدار الندوة:
مَرُّوا بنا أصُلاً من غير ميعادِ فأوقَدُوا نارَ شوقِي أيَّ إِيقَادِ
لا غَرو أن زَادَ في وَجْدي مُرورُهمُ فرؤيةُ الماء تُذكي غُلَّة الصّادِي[26]
وهذا الشاعر يطلب من أحبابه سكان العُذيب أنْ يشربوا دموعَ عينه التي يذرفها شوقاً لهم، بعد أنْ بعدت منازلهم:
يا ساكنِي أرضِ العذيبِ سُقيتُمُ دمعي إذا ضنَّ الغمام المرزمُ
بعدَتْ مَنازِلكُم وشَطَّ مزارُكم وعهودُكم محفوظةٌ مُذ غبتمُ[27]
وكثيرٌ من الكرماء من كافأ على شربة ماء بالألوف، ومن ذلك ما يروى أن عبدَ الله بنَ أبي بكر - وكان من أجود الأجواد - عطش يوماً في طريقه، فاستسقى من منزل امرأة، فأخرجت له كوزاً، وقامت خلف الباب، وقالت: تنحَّوا عن الباب، وليأخذْه بعضُ غلمانكم، فإنني امرأةٌ عزبٌ مات زوجي منذ أيام، فشرب عبدُ الله الماءَ، وقال: يا غلام، احمل إليها عشرةَ آلاف درهم، فقالت: سبحان الله! أَتسخَرُ بي؟ فقال: يا غلام: احمل إليها عشرين ألفاً، فقالت: أسأل الله العافية، فقال: يا غلام احمل إليها ثلاثين، فما أمست حتى كثُر خُطّابها! وكان - رضي الله تعالى عنه - ينفق على أربعين داراً من جيرانه عن يمينه، وأربعين عن يساره، وأربعين أمامه، وأربعين خلفه، ويبعث إليهم بالأضاحي والكسوة في الأعياد، ويعتق في كل عيدٍ مائةَ مملوكٍ رضي الله تعالى عنه[28].
وكثيرةٌ هي القصص التي تتحدث عن الذين كادوا يموتون من العطش، نكتفي بواحدةٍ منها:
قال زيد بنُ الحباب: حدّثنا محمد بن نشيط: قال حدثنا بكر بن عبد الله المزني: أن قصاباً وُلعَ بجاريةٍ لبعض جيرانه، فأرسلها أهلُها إلى حاجة لهم في قرية أخرى، فتبعها فراودها عن نفسها فقالت: لا تفعل لأنا أشدُّ حباً لك منك لي، ولكني أخاف الله، قال: فأنت تخافينه وأنا لا أخافه! فرجع تائباً فأصابه العطش حتى كاد ينقطع[29]
وما أكثر الأمثلةَ التي تتحدث عن العطش والسّقيا والماء، ولكل مثل قصةٌ أدت إلى هذا المثل، فمن الأمثال المثلُ المشهور: (اسق أخاك النمري)، أما قصته فكما قال أبو عبيد: أصله أن رجلاً من النمر بن قاسط صحب كعب بنَ مامة، وفي الماء قلةٌ، فكانوا يشربون بالحصاة، وكان كلما أراد كعبٌ أن يشربَ نظر إليه النمري فيقول كعب للساقي: اسقِ أخاك النمريَّ، فيسقيه، حتى نفد الماء، ومات كعبٌ عطشاً[30].
وكذلك المثل الذي يقول: (أظنُّ ماءَكم هذا ماء عِناق). قالوا: كان من حديثه أن رجلاً بينا هو يستقي وبيته تلقاء وجهه، فنظر فإذا هو برجل معانقٍ امرأته يقبّلها، فأخذ العصا وأقبل مسرعاً لا يشك فيما رأى، فلما رأته امرأته جعلت الرجل في خالفةِ البيت بين الخالفة والمتاع، فنظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً، وخرج فنظر في الأرض فلم ير شيئاً، فكذَّب بصره. فقالت المرأة، كأنها تريه أنها قد استنكرت من أمره شيئاً: ما دهاك يا أبا فلان؟ أرعبك شيء؟ فكتمها الذي رأى ومضى لحاجته، فلما كان في الورد الثاني قالت: يا أبا فلان: هل لك أن أكفيك السقيَ وتودع اليوم فإني قد أشفقت عليك؟ قال: نعم إن شئت. فأقام في المنزل، فانطلقت تسقي، وتحينت منه غفلة فأخذت العصا ثم أقبلت حتى تفلق بها رأسَه فشجته. فقال: ويلك! مالكِ، وما دهاكِ؟ قالت: وما دهاني يا فاسق، أين المرأةُ التي رأيتها معك تعانقها؟ فقال: لا والله ما كانت عندي امرأة، وما عانقت اليوم امرأة. قالت: بلى، أنا نظرت إليها بعيني، وأنا على الماء. فتحالفا، فلما أكثرت قال: إن تكوني صادقة فإن ماءكم هذا ماءُ عِناق![31].
والأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ جداً، والقصص التي تتحدث عن أخبار العطاش أكثرُ وأكثر، فما علينا في نهاية المطاف إلاّ أن نشكر الله على نعمه وآلائه التي لا تحصى، ونسأله أن يُديم علينا نعمة الماء الفرات، وأن يسقينا من يد نبينا صلى الله عليه وسلم شربةً لا نظمأ بعدها أبداً، إنه سميع قريب.
ــــــــــــــــــــــــــ
[1] سورة الأنبياء 30.
[2] سورة الواقعة 68 – 70.
[3] سورة الملك 30.
[4] سورة مريم 26.
[5] سورة "ص" 42.
[6] سورة النور 39.
[7] سورة محمد 15.
[8] سورة الأعراف 50.
[9] مسند أحمد، ج 15 ص 80.
[10] مسند أحمد، ج 31 ص 418.
[11] كذا في مسند أحمد، وزاد مسلم: وشفاء سقم.
[12] العكن: جمع عكنة وهى ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا. السخفة: الرقة والهزال، وقيل: هى الخفة التي تعتري الإنسان إذا جاع.
[13] زاد المعاد، ابن القيم ج 3 ص 580.
[14] صحيح البخاري.
[15] مسلم، والكثبة: القليل من اللبن وغيره.
[16] المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 2 ص 64.
[17] سنن البيهقي، ج 1 ص 432.
[18] صحيح البخاري.
[19] الحيوان، الجاحظ، ج 1 ص 304، وانظر: نهاية الأرب في فنون الأدب، النويري، ج 3 ص 108.
[20] مصارع العشاق، السرّاج القارئ، ج 1 ص 195.
[21] يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، الثعالبي، ج 2 ص 67.
[22] الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني، ج 3 ص 331.
[23] التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، ابن الكتاني، ج 1 ص 13.
[24] الوساطة بين المتنبي وخصومه، الجرجاني، ج 1 ص 22.
[25] يتيمة الدهر، الثعالبي، ج 1 ص 155.
[26] المطرب من أشعار أهل المغرب، ابن دحية الكلبي، ج 1 ص 11.
[27] معجم الأدباء، ياقوت الحموي، ج1 ص 153.
[28] المستطرف في كل فن مستظرف، الأبشيهي، ج 1 ص 347.
[29] ذم الهوى، ج 1 ص 269.
[30] مجمع الأمثال، الميداني، ج 1 ص 145.
[31] مجمع الأمثال، الميداني، ج 1 ص 194.