عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2009-10-01, 10:55 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
لكِ أن تعلمي - يا عزيزتي - أن تقبُّل الناس للنصيحة يختلف من شخص إلى آخرَ، كلٌّ حسب شخصيته، وقد برع النبي - صلى الله عليه وسلم - في فهم شخصيات صحابته الكرام - رضوان الله عليهم - أكثرَ من علماء النفس أنفسهم المتبحرين في علم الشخصية؛ ولهذا اختلفتْ طريقةُ نصحه لهم حسب تقبُّلهم لتوجيهاته النبوية - صلوات الله وسلامه عليه.

فقد كان أكثر لينًا مع الأعراب - أهل البادية - إذ فيهم غلظةٌ وجفوة، لا يجدي معها إلا الأسلوبُ العملي غير المباشر؛ فعن أنس: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فوثب إليه بعض القوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تُزْرِمُوهُ))، ثم دعا بدلوٍ من ماء فصبَّ عليه؛ متفق عليه.

وعن أبي هريرة: دخل أعرابي المسجد فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فالتفتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((لقد تحجَّرتَ واسعًا))، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه، فقال لهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بُعثتم ميسِّرين، ولم تبعثوا معسِّرين، أهريقوا عليه دلوًا من ماء، أو سجلاً من ماء))؛ رواه أحمد.

لكنه يلمِّح بالنصيحة لعبدالله بن عمر وخريم الأسدي - رضي الله عنهما - بطريقة: نِعْم الرجلُ.

عن سالم، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كان الرجل في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى رؤيا، قصَّها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فتمنَّيتُ أن أرى رؤيا أقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكنتُ غلامًا شابًّا عزبًا، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأيتُ في المنام: كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناسٌ قد عرفتُهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقيهما ملكٌ آخر، فقال لي: لن تراع، فقصصتُها على حفصة، فقصَّتْها حفصةُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((نِعْمَ الرجلُ عبدُالله، لو كان يصلي بالليل))، قال سالم: فكان عبدالله لا ينام من الليل إلا قليلاً"؛ رواه البخاري.

وروى أحمد وأبو داود قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((نِعم الرجلُ خريمٌ الأسديُّ، لولا طولُ جمته، وإسبالُ إزاره))، فبلغ ذلك خريمًا، فعجل فأخذ شفرةً فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه.

أما مع الصغار، فقد كانتْ نصائحه رقيقةً مباشرة ومختصرة، معتمدًا فيها - صلوات لله وسلامه عليه - على تصغير الأسماء في الخطاب، من باب التحبُّب والتقرُّب إليهم، مع الوجه الطلق الضحوك أثناء الحديث معهم.

قال أنس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحسن الناس خُلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلتُ: واللهِ لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجتُ حتى أمرَّ على صبيانٍ وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرتُ إليه وهو يضحك، فقال: ((يا أُنيس، أذهبتَ حيث أمرتُك؟))، قال: قلتُ: نعم، أنا أذهب، يا رسول الله.

وعن ابن عباس أنه قال: كنتُ رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا غلامُ - أو: يا غليِّم - ألا أعلِّمُك كلمات ينفعُك الله بهن))، فقلتُ: بلى، فقال: ((احفظِ الله يحفظْك، احفظ الله تجدْه أمامك، تعرَّف إليه في الرخاء يعرِفْك في الشدة، وإذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، قد جفَّ القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يَكتبْه الله عليك، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضرُّوك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تَكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا))؛ رواه أحمد.

"فبأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه" كما قال معاوية بن الحكم السلمي.

احرصي - يا أختي الفاضلة - على الدخول إلى الناس من مداخلهم النفسية، باستعمال مفاتيح شخصياتهم الذهبية، التي تمكِّنكِ من الدخول إلى أبواب قلوبهم بكل ترحيبٍ ورضا؛ فالشخصُ المتدين يسهل نصحُه من المدخل الديني المرتبط بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والشخصُ العقلاني يُجدي معه الحوارُ بالدليل والمنطق وضرب الأمثلة، والشخصُ العاطفي يتقبَّل النصيحة حين تأتيه معزوفةً على أوتار قلبه، وهكذا، وهذه أمور تُعرَف بالعشرة والمخالطة.

لي ابنة أخت في العاشرة من عمرها، تعشق قصص الأنبياء، فإذا أردتُ تنبيهَها إلى أمرٍ، أبحث عن موقف مشابهٍ من قصص الأنبياء وأحكيه لها، فتتأثر سريعًا وتستجيب للتوجيه، أما أختها الكبرى، فمراهقة تهتمُّ كثيرًا بجمالها وحسنها، فكيف بظنك ستستجيب لولا الموشحاتُ الأندلسية التي ننثرها على مسامعها؟!

من المهم أن تعلَمي أن الناس بطبعها لا تحب النصيحة، وكما قال أبو العلاء المعري:

سَمْعِي مُوَقًّى سَالِمٌ فَقُلِ الصَّوَابَ وَلاَ تَصِحْ
مِنْ قَبْلِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ حَلِمَ الأَدِيمُ فَمَا يَصِحّْ
وَالمَرْءُ فِي تَرْكِيبِهِ غَضَبٌ يَهِيجُ إِذَا نُصِحْ


فاحرصي على ألاَّ تُكثري من النصيحة، ولا تلحِّي فيها؛ فالغاية منها ليست الهداية بل التبليغ، وهكذا كان الرسل مبلِّغين ومبشِّرين، وعلى الله هداية الناس؛ {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56].

ولا يزال معكِ من الله ظهيرٌ عليهم ما دمتِ على ذلك يا عزيزتي؛ فعن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً، أصلهم ويقطعون، وأُحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، قال: ((لئن كنتَ كما تقول فكأنما تُسِفُّهم الملَّ - الرماد الحار - ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك))؛ رواه أحمد، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعتْ رحمُه وصَلَها))؛ رواه البخاري وغيره.

ختامًا: لقد قرن الله - تعالى - بين تقْواه وصلة الأرحام؛ {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]؛ ذلك لأن الله يعلم من عليائه وفوق سمائه أن أكثر الأذى والألم المسفوح فوق هذه الأرض منبعُه الأقاربُ والأرحام، وهو أذًى لا يُطاق ولا يُحتمل، إلا إذا قدَّمنا رضا الله - تعالى - على رضانا، وتقواه على كراماتنا، ولولا مخافة الله وتقواه - يا مديحة - لهجرنا أكثر الأحبة وأقرب الأقارب.

مَطَرٌ مِنَ العَبَرَاتِ خَدِّي أَرْضُهُ حَتَّى الصَّبَاحِ وَمُقْلَتَايَ سَمَاؤُهُ
أَحْبَابُهُ مَا يَفْعَلُونَ بِقَلْبِهِ مَا لَيْسَ يَفْعَلُهُ بِهِ أَعْدَاؤُهُ


دمتِ بألف خير، ولا تنسيني من صالح دعائك.


توقيع يمامة الوادي




هل جربت يوماً اصطياد فكرة رائعة !؟
لـتـصوغـهـا فـي داخـلـك
وتـشحـنهـا بنبض قـلـبـك
وتعـطرهـا بطيب بروحك
وتسقـيـهـا بمـاء عـرقـك
حتى تنضج وتصنع منك إنساناً مبدعاً ؟