هل للأمم ألوانها الخاصة؟
المناسبة بين الألوان وتفضيل بعضها على بعض وما تُمثله بعض الألوان من معانٍ، فضلاً عن الجوانب النفسيَّة للألوان، كلها أمور خاصة بكل أمة، وتَختلف باختلاف الزمان والمكان، فالأمريكان واليابانيُّون مثلاً يَحملون نفس المفهوم حول الألوان الساخنة والألوان الباردة، وعلى الرغم من هذا يرى اليابانيون أنَّ الأزرق والأخضر ألوانٌ طيبة، والبُرتقالي والأحمر الأرجواني ألوان سيئة، في الوقت الذي يرى فيه الأمريكان الألوان الأخضر والأصفر والأحمر ألوانًا طيبة، ويضعون البرتقالي والأحمر الأرجواني في مصافِّ الألوان السيئة.
وبينما يُمثل اللون الأسود لون الحزن في الغرب يستبدل به الأبيض أو الأرجواني أو الذهبي في بعض الثقافات الأخرى.
ويذهب البعض إلى أنَّ المجتمعات تَميل لاستخدام الألوان التي تتَّسق مع معتقداتها وثقافتها، ففي جزر بانجي الإندونيسيَّة يعتقد المواطنون أن أسلافهم وصلوا إلى المكان في زوارق بُنِّيَّة اللون، ولذا فهم يبنون بيوتَهم على هيئة زوارق طليت باللون البني، بل يذهبون إلى حد التضحية بحيوان عجل البحر لتعليق رأسه على المنازل؛ كي يزيدوا في زخرفتها، ويرتدون اللون الأحمر في أثناء الجنائز؛ حيث يشيع هذا اللون في ثقافتهم وتمتلئ الشوارع بالمشيعين الذين يتشحون باللون الأحمر.
أمَّا في منغوليا، فيشيع اللون الأخضر؛ حيثُ يُحب السُّكان الطبيعة والحيوانات، وفي جواتيمالا أجبر المحتل الإسباني كلَّ قبيلة من السكان الأصليِّين على ارتداء لون معين؛ كي يستطيع تمييزهم، وكأن الناس أحبُّوا هذا الأمر وقبلوه، فما زال الأمر ساريًا حتى اليوم، أما مدينة فارانسي الهندية ونهر الجانج، فهما يُذكِّران المرءَ باللون البُرتقالي، بينما يذكرك تاج محل باللون الأبيض.
والإيرانيون يرون أنَّ اللون الأسود لون شريف، واللَّون الأسود رمزٌ للحداد، ويتشح الإيرانيُّون باللون الأسود لتذكر أئمتهم، بينما يرتدي الغربيون السواد في جنائزهم لتذكر قدِّيسيهم.
يبدو أنَّ الإيرانيِّين يرتدون ثيابَ الحداد على الدَّوام، فكربلاء تعيشُ داخلهم، أمَّا الأتراك فلا يعدُّون اللون الأسود لونًا حزينًا؛ لذا فهم يرتدون ثيابًا عادية أثناء حضور الجنائز؛ لأنَّهم ينظرون إلى الموت كجزء لا يتجزأ من الحياة.
أمَّا اللون الأحمر فهو عند الإيرانيِّين لون العار، وأما في تركيا والصين والهند، فيعد الأحمر لون الزفاف؛ حيث ترتدي العروس خمارًا أحمر على رأسها عشية زفافها، وتُحيط خصرها بحزام أحمر اللون يوم الزفاف، كما تضع المرأة ساعة الولادة أيضًا شريطًا أحمر اللون، كإشارة إلى أنَّها على عتبة مستقبل جديد مليء بالثراء والغنى.
أمَّا الأفارقة والآسيويون فهم يُحبون ارتداء الألوان المتعدِّدة، ويرجع ذاك إلى طبيعة البلاد التي يقطنونها؛ حيثُ الطبيعة والجو المشمس الساطع الذي يؤثر على أمزجتهم وأذواقهم؛ لذا نراهم في ألوان زاهية ومتداخلة، بل غريبة أحيانًا.
أمَّا اللون البنفسجي، فهو لون الإمبراطورية البيزنطية؛ حيثُ كان الإمبراطور وَحْدَه هو من يرتدي هذا اللون، وحتى بعد موت الإمبراطور بنيت مقبرته من حجارة بنفسجيَّة اللون، وأظهرت حفريات تيومولوس بمدينة "تكيرداغ" في تركيا أنَّ الإسكندر الأكبر كان يرتدي غالبًا اللون القرمزي، وربَّما يكون هذا هو السبب وراء تفضيل أباطرة الدَّولة البيزنطية هذا اللون بدرجاته المختلفة.
هل للأديان ألوان؟
المسلمون مثلاً يفضلون اللون الأخضر؛ حيثُ تُغطَّى قبورهم وأضرحتهم بأردية خضراء، كما يَشيع اللون ذاته في مساجدهم، ربَّما يربط بعض الناس بين الإسلام واللون الأخضر؛ حيث كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُحب اللون الأخضر، فهو يريح العين، ويرتبط بالطبيعة، وأمر الناس أن يرتدوا ما صفا لونه، وخلا من الدنس وأراح العين، وكتيبة المهاجرين والأنصار هي الكتيب الخضراء، وأعلام بني أمية خضراء.
واستحب عمر بن الخطاب الثَّوب الأبيض لحامل القرآن؛ لتفضيل النبي له، وقوله بفضله عن غيره، ففيه صفاء اللون تعبيرًا عن صفاء النفس والسلوك والسلام، وفيه يُكفَّن موتى المسلمين.
ونرى القساوسة الأرثوذكس الشرقيِّين يتَّشحون بالسواد، ويضعون غطاء رأس أسود اللون، ورجالَ الدين والراهبات الكاثوليكيِّين ربَّما يفضلون اللون الأسود؛ لبساطته ووقاره، وبعض الرهبان البروتستانت مثل اللوثريين - أتباع مارتن لوثر- يرتدون اللَّون الأبيض أو الرمادي ربَّما كردِّ فعل ضد الكنيسة الكاثوليكيَّة؛ كما ترتدي بعض الجماعات اليهودية المتشددة المعاطف السَّوداء الطويلة والقُبَّعات السوداء عادة، أثناء المناسبات الدينيَّة أو الأحداث الهامَّة؛ ليدلوا على أهمية الحدث، والرهبان البوذيون يفضلون الأحمر الزعفراني.
معاني الألوان في الرسم:
الأحمر: يرمز إلى التضحية والمحبة.
الأصفر: يرمز إلى النور والإشراق.
الأخضر: يرمز إلى الخير والسلام والشباب والربيع.
الأبيض: يرمز إلى السلام والنَّقاء والطهر والفضيلة.
الأزرق: يرمز إلى الحكمة والخلود.
ماذا يحدث عندما تختفي الألوان؟
إنَّ الألوان نعمة من الله - تعالى - ويَجب أن نشكره عليها، فلو كان العالم يظهر أمامنا باللونين الأسود والأبيض؛ لسبَّب ذلك القلق والإحباط والخوف للناس، فالألوان مصدر للفرح والتفاؤل، والتغيير والتنوع من ألوان الجمال والمتعة؛ لأنَّ (الروتين) يسبب الملل والتبدُّل، لكنَّ التجدُّد والتنوُّع يَخلق البهجة والتلذُّذ بالنظر إليه، ومن الطرق المستخدمة في السجون من أجل نزع الاعتراف من خلال وضع السجين في غرفة ذات لون واحد فاقع مثلاً - مثل الأحمر - فيُصاب بنوع خطير من أنواع الاكتئاب؛ مما يُجبره على الاعتراف بالحقيقة من أجل التخلُّص من هذه الحالة.
أو داخل غرفة بيضاء لمدة طويلة، فيسبب ذالك تلفًا في صور الذَّاكرة، وبالفعل لو كان العالم بلون واحد أو لونين، لكان أشبه بسجن كبير، فانظروا إلى هذه النعمة العظيمة التي لا ندركها إلا عندما نفقدها.
تكرار الألوان في القرآن:
اللون الأخضر يتكرر 8 مرات بعدد أبواب الجنَّة، من عظمة القُرآن الكريم أنَّ الله - تعالى - جعل اللون المميز للجنة هو اللون الأخضر، وذكر هذا اللون مع مشتقَّاته في القرآن 8 مرات بعدد أبواب الجنة، والآيات هي:
1– {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا} [الأنعام: 99].
2– {وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [يوسف: 43].
3– {وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [يوسف: 46].
4– {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ)} [الكهف: 31].
5– {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63].
6- {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} [يس: 80].
7– {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن: 76].
8– {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} [الإنسان: 21].
للجنة ثمانية أبواب، اللون الأسود يتكرر سبع مرات بعدد أبواب جهنم:
حدَّثنا النبي الأعظم - وهو الذي لا ينطق عن الهوى - أنَّ جهنم سوداء مُظلمة، والعجيب أن الله - تعالى - ذكر اللون الأسود مع مُشتقات الكلمة سبع مرات في القرآن بعدد أبواب جهنم، وذلك في الآيات التالية:
1- {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187].
2– {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106].
3– {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ} [آل عمران: 106].
4– {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل: 58].
5– {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27].
6– {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60].
7– {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [الزخرف: 17].
سبحان الله! تأمَّل ارتباط اللون الأسود بعدد أبواب جهنم، فتكرر سبع مرات، وكيف ارتبط اللون الأخضر بالجنة، فتكرر ثماني مرات؟!