تعامل سيدنا هارون مع الفتنة:
أدرك سيدنا هارون عليه السلام ما هو فيه من مشكلة، فقد بدأ بنو إسرائيل في عبادة هذا العجل، فنصحهم وحاول أن يمنعهم، يقول تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} (طه:90)، وإذا بردهم في قوله تعالى: {قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} (طه: 91)، فهم منقادون إما لسيدنا موسى عليه السلام أو للسامري بلا رأي ولا انتماء لأي فكرة، يتبعون من يقودهم، فلم يسمعوا لسيدنا هارون عليه السلام، هذه قيمة اليوم وفيها رسالة للآباء، بالله عليكم لا تجعلوا أبناءكم أذلاء لأيٍّ من كان، واحذروا من سيطرة المعصية وارتكابها، ليس فقط لما فيها من (حرمانية) بل أيضًا لما تتركه في النفس من أثر الذل وتشويهه، فابقوا عبادًا لله العزيز سبحانه وتعالى. ظل سيدنا هارون عليه السلام محاولا هدايتهم مرارًا وتكرارًا، ولكنه وصل إلى مرحلة أنه وجد بوادر صراع، فهناك من بني إسرائيل من اتبع السامري، وهناك من اتبع ما نصحهم به سيدنا هارون عليه السلام.
جنوح سيدنا هارون إلى الانتظار:
وجد سيدنا هارون عليه السلام نفسه أمام خيارين، وهنا نرى الأسلوب الصحيح في التعامل مع الفتن والمشاكل الداخلية: هل يدخل في هذا الصراع؟ أم يتركهم إلى حين يرجع سيدنا موسى عليه السلام؟ فاختار سيدنا هارون أن ينتظر رجوع سيدنا موسى، فهو وحده من يستطيع حسم هذا الخلاف بكلمة منه، فهو لبني إسرائيل القائد الأول فقد قارن سيدنا هارون عليه السلام بين الأمرين. تخيلوا لو أن سيدنا هارون عليه السلام قد دخل في صراع ونجم عن هذا الصراع حرب في بني إسرائيل! رجع سيدنا موسى عليه السلام ليجد بني إسرائيل وقد قتلوا في حربٍ بينهم، وهذا ما يسمى بفقه الموازنات، عندما تكون في اختيار بين أمرين: كيف تختار الأقل ضررًا بينهما؟ فقه الموازنات يجهله كثير من المتحمسين.
عودة سيدنا موسى عليه السلام:
عاد سيدنا موسى عليه السلام من لقاء ربه، بعد أن كلم ربه، فكان لقاءً مليئا بروحانيات وعبادة، وقد تلقى التوراة هدى ونورا ومعه الألواح، وينوي أن يرتقي ببني إسرائيل ليعلمهم وليكون لهم منهج وإذا بالمفاجأة: فقد عبد بعض من بني إسرائيل العجل. تخيل أن سيدنا موسى عليه السلام في لقاء ربه، وقومه يعبدون العجل! وهنا يتساءل الكثيرون، لماذا ترك الله سيدنا موسى عليه السلام في هذه المصيبة بعدما كان فيه من روحانيات وعبادة؟ هكذا الحياة، خير وشر، إيمانيات ومواجهات، وغير ذلك فقد تلقى سيدنا موسى عليه السلام كل هذه الروحانيات ليصلح بني إسرائيل، وليصلح في الأرض، ما حدث لسيدنا موسى عليه السلام مثال لما يحدث لنا بعد الصيام والقيام والعبادة في رمضان فتخرج من رمضان لتجد مشكلة كبيرة في العائلة، أو تجد أن أحد أبنائك وقد ارتكب ذبنًا كبيرًا، فهذا لا يعني أن الله لم يتقبل منك عبادتك في رمضان، فما اكتسبته من قوة إيمانية في رمضان هي لمواجهة مشاكل الحياة، بل على العكس، هذا من دلائل قبول الله سبحانه وتعالى لعبادتك، فالله سبحانه وتعالى يبعث رسالة إلى سيدنا موسى، أنه طالما أنه مع قومه، فهم ملتزمون بما يقول، ولكن إذا تركهم تركوا هم ما آتاهم. فهم ليسوا أصحاب فكرة، إنما هم تابعون لشخص، فإنهم ليسوا كسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما قال: "من كان يعبد محمدا فإن محمدًا قد مات ومن يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت"، فبنو إسرائيل ليسوا كأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
علم سيدنا موسى بفتنة قومه:
ومن رحمة الله بسيدنا موسى، أن أنبأه بالخبر قبل أن يصل إلى قومه ليستعد لهم، فيقول تعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى* قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى* قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} (طه: 83-85)، و"فتنا" هنا معناها اختبرنا، فقد اختبر الله بني إسرائيل إن كانوا سيتبعون سيدنا موسى، حتى وإن لم يكن معهم، فلم ينجحوا في هذا الاختبار، ولكن عند اختبار قوم سيدنا محمد يوم وفاته نجحوا في الاختبار وثبتهم سيدنا أبو بكر الصديق، فشخصية سيدنا أبو بكر تشبه كثيرًا شخصية سيدنا هارون في صبره وحلمه وفي ارتباطه بالفكرة وليس فقط بالأشخاص. فهذه القصة تدل على أن بني إسرائيل كانوا مرتبطين بشخص وهو سيدنا موسى أكثر من الفكرة؛ لذا فهذا ما سيعمل سيدنا موسى على إصلاحه بسبب هذه الحادثة، فهذه دعوة لقراءة القرآن قراءة صحيحة، فمعاني القرآن أعمق بكثير من مجرد قراءتها، فالقرآن مليء بالقيم.
وقد أخبر الله سيدنا موسى بأن السامري هو رأس الفتنة، ليكون مستعدا للموقف. يقول الله تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا...} (طه: 86)، تخيل المشهد حيث يذهب سيدنا موسى إلى قومه آتيا من الجبل، وإذا بأغلبهم يعبدون العجل ساجدين له، تخيل كيف سيتعامل سيدنا موسى مع هذا الموقف؟
استراتيجية سيدنا موسى عليه السلام:
هنا نرى أسلوب تعامل القائد مع فتنة وكارثة داخلية، فأي قرار خاطئ يمكن أن يسبب حربا أهلية أو يجعلهم يصرون على عبادة العجل، غير أن عليه أن يكون حاسمًا مع السامري ومع بني إسرائيل، فهذه ليست المرة الأولى فقد قالوا له من قبل: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (الأعراف: 138) لذا يجب أن يأتيهم سيدنا موسى بعقوبة حاسمة، فهو لديه الآن ثلاثة أطراف ليتعامل معهم: السامري، وبنو إسرائيل، وسيدنا هارون، وغير ذلك يجب على سيدنا موسى عليه السلام مواجهة الأطراف الثلاثة معا لأنه سيقابلهم جميعا عندما يرجع، فلا يستطيع مثلا أن يستمع إلى ما حدث من سيدنا هارون على انفراد، فلسيدنا موسى هنا طريقة وخطة استراتيجية؛ فهو ينوي أن يتخذ معهم موقفًا حازمًا فيه شدة تجاه الجميع، ولكن إذا بدأ بالشدة فيمكن أن يخلق صراعا لذا فلسوف يبدأ باللين ثم الرحمة وبعدها الشدة والحزم.
إذًا بمن سيبدأ؟ هل يبدأ بالسامري؟ لا، فإنه إن بدأ بالسامري وبني إسرائيل فلربما مازالوا متأثرين به، وقد يُحدث هذا فتنة أكبر، وقد يجعل هذا من السامري بطلا. هل يبدأ بسيدنا هارون؟ لا، لم يبدأ به، لأنه ليس أصل الفتنة. سيبدأ سيدنا موسى ببني إسرائيل أنفسهم.
موقف سيدنا موسى مع بني إسرائيل:
بدأ سيدنا موسى بكلام رقيق ليذكرهم، يقول الله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي} (طه: 86)، وأنا أقول هذه الكلمات اليوم لأي عاصٍ: ألم يعطك الله من الخير الكثير؟ ألا تستطيع أن تصبر؟ لا ترتكب المعصية؟ فردوا عليه بعدما أثر فيهم كلامه: {قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ* فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} (طه: 87-88)، عندما وجد سيدنا موسى أنهم قد تأثروا بالموعظة، وبدأوا التبرأ من السامري تركهم على ذلك.
موقف سيدنا موسى مع أخيه هارون:
وكما بدأ سيدنا موسى باللين ذهب إلى سيدنا هارون متخذا معه الشدة، وهو يعرف أن سيدنا هارون يحتمل هذا، وأنه سوف يتقبل كلامه لأنه أخوه، فعندما يتعامل بالشدة مع سيدنا هارون سيحذر بنو إسرائيل ويخافون، يقول تعالى: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا* أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (طه: 92-93)، وأخذ لحية سيدنا هارون وشدها، كان المشهد أمام الجميع، فقال له هارون: {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} (طه: 94)، ويذكر سيدنا هارون سيدنا موسى بما ربتهم عليه أمهم من أخوة، فلن يختلف سيدنا هارون مع أخيه سيدنا موسى أبدًا حيث ذكره بما وصاه عليه قبل أن يذهب بألا يجعل فتنة أو صراعًا بين بني إسرائيل لذا فقد انتظر عودته. يقول الله تعالى في سورة أخرى عما قاله سيدنا هارون لسيدنا موسى: {... قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأعراف: 150)، فهدأ سيدنا موسى، بعدما وضح لبني إسرائيل أنه ينوي معاملتهم بالشدة، فقال: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (الأعراف: 151).
موقف سيدنا موسى مع السامري:
وجاء دور السامري، فالتفت سيدنا موسى إليه ليبدأ معه بحزم وشدة ولكن سأله قبلها لما فعل هذا؟ يقول تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ} (طه: 95)، ينبغي أن يتعلم الآباء من هذا الموقف كيف يمكنهم معاقبة أبناءهم؟ فقبل التوبيخ والمعاقبة، يجب أن يقولوا لأبنائهم ويشرحوا لهم لماذا يعاتبونهم أو يعاقبونهم؟ وهنا يكمن صبر سيدنا موسى لذا كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يتأسى به عندما يغضبه أحد، ويقول: (رحم الله أخي موسى، لقد ابتلي بأكثر من ذلك فصبر)، فكذب السامري لأنه جبان، ولم يخبره عن السبب الحقيقي لما فعل وعن موهبته المكبوتة، فقال: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } (طه: 96)، وادعى أنه رأى جبريل عليه السلام، يوم أغرق الله فرعون يمر بفرسه في البحر فأخذ من طينة كانت من أثر قدم جبريل، ووضعها في العجل الذي صنعه، ليبقى به جزء من الملائكة ليصبر به بنى إسرائيل حتى يأتي سيدنا موسى، فلم يناقشه سيدنا موسى فيما كذب.
حسم سيدنا موسى عليه السلام:
انتقل سيدنا موسى إلى مرحلة الحسم والعقوبات، ففرض أربع عقوبات: كانت أول عقوبة للسامري بنفيه فأمره أن يذهب، يقول تعالى: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ...} (طه: 97)، أما العقوبة الثانية والثالثة: {... وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} (طه: 97)، فيُنفذ الأمر فورًا ويحرق العجل ويرمى في اليم، ويقال إن السامري قد أصابه مرض جلدي فما عاد أحد يقربه. هذه رسالة لكل المبدعين؛ إياك أن تسلك درب السامري حتى وإن ظُلمت فتدمر المجتمع فيفعل بك الله كما فعل بالسامري. نُفى السامري وتوفي في منفاه وحيدا، وحرق العجل ونسف في اليم ثم يلتفت سيدنا موسى لعقوبة بني إسرائيل ليكمل موقفه الحاسم مع الأطراف الثلاثة بموقف في منتهى الحكمة والحسم.
قيمـة اليـوم:
لا تنسوا قيمة اليوم: إياك أن تذل نفسك لأي من كان.
قام بتحريرها: قافلة تفريغ الصوتيات – دار الترجمة
Amrkhaled.net© جميع حقوق النشر محفوظة