الفرصة الأخيرة:
رأينا الجبهة الأولى التي كانت بين سيدنا موسى وقومه، والآن لننتقل إلى الجبهة الثانية مع فرعون، إن قيمة اليوم تقول: احذر عندما يرسل الله لك إنذاراً فإياك والعناد والمكابرة لأنه بعد الإنذار ربما كان هناك إنذار آخر وتكون بينهما مدة وتعتقد أن الله قد تركك لكن إذا أخذك الله سيكون الانتقام شديداً. إياك أن تظلم أحداً فيرسل لك إنذاراً فيؤلمك فتصر على الظلم والعناد والكبر، إياك أن تظلم زوجتك، إياك أن تصر على ذنب كبير أو على مال حرام.
سوف نرى اليوم سبعة إنذارات [وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ...] {الإسراء:101} تسعة أم سبعة؟! إنهم سبعة والاثنتين الباقيتين هما اليد والعصا وقد تعرضنا لهما مسبقًا. وبالمناسبة فكثير من الناس يقرأون في القرآن وهم لايستطيعون فهم التسع آيات التي جاءت لسيدنا موسى لذا فسنذكرهن اليوم ولكن ليس فقط من أجل المعلومة ولكن من أجل ما هو أكبر من ذلك وهو أنني أطلب منك أن تجلس اليوم مع نفسك وتنظر في حال نفسك وما هو آخر إنذار تحذيري جاءك من الله .. وتقول: هل جاءني إنذار ولم انتبه؟ راجع نفسك وانتبه وانظر للإنذارات التي حدثت لفرعون وانسَ فرعون وانسَ هذه النوعية من الإنذارات وقس واعش مع نفسك.
إن سيدنا موسى سوف يتردد على فرعون سبع مرات فمع كل إنذار سيتردد عليه يطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل، فقد رفض فرعون الإيمان وهذا هو المعنى الأول الذي جاءه به موسى إذن فليرسل معه بني إسرائيل فقد كان فرعون يرفض خروجهم من هذا السجن الكبير وتلك هي القصة أنه يرفض خروجهم، ولكن ما السبب؟ هناك ثلاثة أسباب: سبب عسكري، وسبب سياسي، وسبب شخصي.
· أما السبب العسكري: هو أنه اضطهدهم لسنوات طويلة فهو يخشى أن يخرجوا وهم ستمائة ألف فيكونوا دولة قوية تكون سببًا في المشكلات، أو أن يقوموا بغزوه أو بعمل قلاقل وهذا هو نفس السبب الذي بسببه رفضت قريش أن يخرج النبي _صلى الله عليه وسلم_ من مكة إلى المدينة وهذا سبب بديهي من فرعون.
· وأما السبب السياسي: أنه لو تركهم يخرجون سوف تسقط هيبة الدولة وهيبة فرعون ويصبح الخروج هو رغبة كل المستضعفين وينفرط العقد، وهذا السبب أيضًا سبب بديهي ومن الممكن أن يكون مبررًا لفرعون. انتبه! فإياك أن تظلم فيضيق الله عليك الدنيا حتى يكون هناك بالفعل أسباب حقيقية تجعلك مضطراً لأن تستمر في الظلم! أتفهمون هذا المعنى؟ تستمر في الظلم حتى تعقد الأمور على نفسك فتأتي كي تحلها فلا تستطيع، وفرعون تنسحب الدنيا من تحت قدميه وهو يشعر بهذا ولكن لا يستطيع أن يرجع عما هو فيه وله مبرراته ولكنه هو الذي ظلم في الأصل فضيق الله عليه. إياك أن تظلم أحداً فيضيق الله عليك إلى أن يكون هلاكك في أنك لا تعرف كيف تحل المشكلة لأنك أنت من فعلها.
· وأما السبب الشخصي: وهو العناد والكبر فقد رفض خروجهم فكيف يأتي موسى ويخرجهم وهو بمفرده أمام فرعون بكل قوته .
تلك كانت أسباب فرعون التي كانت تجعله يرفض طلب موسى فبدأت الإنذارات، سبع آيات تحذيرية وهيا بنا لنعيشهم واحدة تلو الأخرى .
الإنذار الأول: نقص من الثمرات
حدث جفاف شديد في مصر وهلك الزرع فحدثت مجاعة شديدة عدة أشهر ذكرتهم بسيدنا يوسف فهو الذي حل مشكلة المجاعة الأخيرة، وكأن الله يقول لهم هذا حفيد يوسف لو ذهبتم إليه وسمعتم كلامه سوف يحل لكم المشكلة فهو على خطاه وكلاهما من بني إسرائيل .
إن الله سبحانه وتعالى سيبدأ انتقامه من فرعون عن طريق أزمة اقتصادية شديدة، فلقد بدأ الناس يعانون من المجاعة ، ولكن الغريب أن فرعون عندما أراد أن يبرر ما حدث قال أن موسى هو السبب ولم يقل تعالوا لنراجع أنفسنا! فانتبه فأحياناً وأنت ظالم يرسل لك الله آيات إنذارية وتحذيرية فتظل تبحث عن أي سبب آخر إلا الرجوع إلى الله وهذا من الظلم والكبر، وبالطبع ستكون هناك أسباب دنيوية لما حدث ولكن راجع علاقتك بالله واستغفره، ولو كنت ظالمًا فأوقف هذا الظلم. أريد منكم اليوم أن تنسوا فرعون وأن تنسوا الآيات الإنذارية وليلتفت كلٌ منكم لنفسه، فالقرآن لا يحكي لك قصة تاريخية بل يريدك أن تلتفت لنفسك.
ذهب موسى إلى فرعون وقال له أن هذه آية من الله فأرسل معي بني إسرائيل، فكان جوابه ومن معه: [وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ] {الأعراف:132}، باتهامه بالسحر فياله من كبر!
الإنذارالثاني:الطوفان
ذهب الجفاف وجاء الماء ففرحوا وظنوا أن المشكلة قد انتهت ولكن الماء جاء بطريقة عكسية! فعكس الجفاف الطوفان، ماء لا يُمكِّن الزرع من النمو أبداً بل ويهلك الأرض ويغطيها، فانتقلت مصر من الشيء لنقيضه فمن الجفاف الشديد إلى الطوفان الشديد، ففي كلتا الحالتين لا يستطيعون الزراعة، مجاعة ولكن بشكل عكسي كي يوقنوا من الذي يمسك الماء ومن الذي يدفعه.. إنه الله.. فأفيقوا! وهكذا كلما جاء إنذار ذهب سيدنا موسى إلى فرعون وطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل ولكن فرعون مصراً على موقفه.
الإنذارالثالث: الجراد
توقف الطوفان واستقرت الأرض وأصبحت صالحة للزراعة وبدأ الزرع ينبت وإذا بأسراب من الجراد استوطنت مصر وقضت على المحاصيل، ولاحظوا أن مصر كانت بيئة زراعية وكل الآيات المرسلة تخص الزراعة أي الاقتصاد الذي كانت تقوم عليه في ذلك الوقت، وكأن الله يقول لهم لقد عصيتموني كي تأكلوا وتشربوا والطعام والشراب بيد الله . لقد كان الجفاف والطوفان والجراد هم جنود الله وها هو سيدنا موسى يتجه للمرة الثالثة إلى فرعون كي يرسل معه بني إسرائيل، وإن سيدنا موسى لن يأتي ليخبرك بذلك ولكن أنت من ستجلس اليوم مع نفسك وتسأل كم إنذار أرسل إليك.
الإنذارالرابع: القُمَّل
القُمل ليس هو القَمل الذي يصيب الرأس بل هو حشرة تصيب المحاصيل الزراعية، وهذه الحشرة تقضي على المحصول قبل أن ينمو. فبعد أن زال الجراد فرحوا واعتقدوا أنهم سينتعشون وتنتهي المجاعة التي ظلت شهورًا، ولكن لا فائدة فبعد أن ذهب الجراد وبدأت المحاصيل في النمو جاء القُمل وقضت على المحاصيل ولم يجدوا إلا بالكاد ما يأكلونه.
ولكن انتبه فكما أقول لك أنها إنذارات تحذيرية فمن الممكن أن تراها أنت على أنها حِلم الله عز وجل، إنه الحليم الذي يعطي عباده فرصة تتلوها الأخرى، يا من اقترفتم ذنوبًا كبيرة أو أكلتم مالا حراما، يا من تظلم زوجتك، يا من تظلمين أحد يعمل عندك، يا من تظلم شريكك أو تظلم أي أحد انتبه فحلم الله عظيم يجعلك تذوب من الخجل لكن إذا أعطاك فرصًا كثيرة ولم تلتفت سينتقم منك في النهاية.