فنقترح: أن تنظر "هيئة القنوات الإسلامية" - ذات المرجعيَّة الشرعيَّة، والإعلامية، والإدارية - في المتطلَّبات والأطروحات المطلوب القِيامُ بها من خلال القنوات، وتقوم بتوزيعها على القنوات كلٌّ بحسب طاقتِه وإمكاناته، فينتج لنا ذلك ما نُسمِّيه بالقنوات المتخصِّصة.
فمثلاً: قناة (س) تكون هي "قناة الأسرة والطفل"، وما يتبع ذلك مِن برامجَ تربويَّة، تهتمُّ بالمرأة المسلمة، والطِّفل المسلم، ويتمُّ تعاون فيما بينها وبين القنوات الأخرى في الموادِّ المنتجة بطريقة متبادلة.
ومثلاً: قناة (ص) تكون هي "قناة القرآن الكريم"، وما يتبع ذلك من تعليم القرآن وأحكامِه وتفسيره وعلومه، وإقامةِ المقارئ... إلخ.
ومثلاً: قناة (ع) تكون "القناة التعليميَّة"، التي تُعلِّم المسلمين أمرَ دِينهم، وتوصل لهم ما لا يسع المُسلِمَ جهلُه في شتَّى مناحي الحياة.
ومثلاً: قناة (ز) تكون "قناة الأقليات المسلمة"، وما يتبع ذلك من إحصاءات عنهم، وبرامج باللُّغات الأخرى غير العربية، وما يَخصُّهم من حوداثَ ونوازل، حتى يكون لها أبلغُ الأثر في رَبْط المسلمين بعضِهم ببعض.
ومثلاً: قناة (و) تكون "القناة الإخبارية"، التي تبثُّ أخبار المسلمين بشفافية تامَّة، وبعيدًا عن التهويل والتدجيل....إلخ.
قناة للردِّ على الفِرق والمذاهب وأهل الأهواء.
قناة باللُّغة الإنجليزيَّة لدعوة المليارات من غير المسلمين.
قناة باللغة الفارسية لدعوة أكثر من 200 مليون شِيعي، قد أكلتْه العصبيةُ بجهل، وتعمية من أصحاب الحَوْزات والعمائم السوداء.
5- الطريق إلى عودتنا:
روى الإمام أحمد – رحمه الله - في "مسنده" عن خَارِجَةَ بنِ زَيدٍ: أنَّ أباه زيدًا أخبره أنَّه لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - المدينةَ، قال زَيْدٌ: ذُهِبَ بِي إلى النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأُعجِبَ بِي، فقالُوا: يا رَسُولَ الله، هذا غُلامٌ مِن بَني النَّجار، معه ممَّا أنزَل الله عليكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً، فأَعْجَبَ ذلك النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَقالَ: ((يا زيدُ، تَعلَّم لِي كتابَ يهُودَ؛ فإنِّي – والله - ما آمنُ يهودَ على كتابِي))، قالَ زيدٌ: فَتَعَلَّمْتُ كتابَهم، ما مَرَّتْ بِي خمسَ عَشْرَةَ ليلةً حتى حذَقتُه، وَكنتُ أقرأُ له كتبَهُمْ إذا كتَبوا إليه، وأُجيبُ عنه إذا كتب".
فهذا النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان لا يأمَنُ على كتابه ورسائله مِن هؤلاء اليهود؛ إذ كانوا هم العدوَّ الأوَّل في المدينة، أمَّا نحن الآن، فماذا نقول، وقد أحاطتْ بنا الأعداءُ والفِرق والمذاهب مِن كلِّ جانب - واللهِ لا نأمنهم؟!
ونقول لكل مسلم:
تعلَّم، فإنَّا لا نأمنُ اليهودَ على دِيننا.
تعلَّم، فإنَّا لا نأمنُ الصليبيِّين على ديننا.
تعلَّم، فإنَّا لا نأمن الرافضةَ على ديننا.
تعلَّم، فإنَّا لا نأمن المعتزلة، المرجئة، الصوفية، الأحمدية، البهائية...
تعلَّم، فإنَّا لا نأمن العلمانيين، الليبراليين، الديمقراطيين...
إنَّ أهل السُّنَّة اليوم لَهُمْ في أمَسِّ الحاجِة إلى مثل زيد – رضي الله عنه - ذلك الشاب الحريص على دِينه، الطائع لربِّه ولرسوله، ذلك الجندي الطائع أمرَ قائده، يبذل في ذلك طاقتَه، حتى يقول: "فتعَلَّمْتُ كِتَابَهُم حَتَّى حَذَقْتُهُ".
إنَّنا - ونحن بصَدَد الحديث عن الدعوة مِن خلال القنوات الفضائية - لفي حاجةٍ إلى جيش من طَلبة العِلم والعلماء في مختلف التخصُّصات، ونخصُّ منها: التخصُّصاتِ الشرعيَّة[5].
"إنَّ أُوربا بأسرها لا تنسى يوم الثلاثاء (20 جمادى الآخرة سنة 857 = 29 مايو سنة 1453) إنَّه تاريخ دخول "محمَّد الفاتح" حصنَ النصرانية المنيع الشامخ: "القسطنطينيَّة"، لقد دخلها قبل العصر على جوادِه المُطَهَّم، واتَّجه إلى "كنيسة أيا صوفيا"، ولَمَّا علم الرهبان بمَقْدِم المسلمين، فتح الرُّهبان باب الكنيسة على مصراعيه، وماج المصلُّون واضطربوا، ودخل "محمد الفاتح"، فتقدَّم إليهم أن يُتمُّوا صلاتَهم آمنين، غيرَ مُروَّعين، وأمنَّهم على أموالهم وأعراضهم، وأن يعودوا إلى بيوتهم سالمين.
ودنتْ صلاةُ العصر، وحَدَث ما لم يخطر ببال النصرانية كلِّها، المسلمون يُصلُّون العصر في كنيسة "أيا صوفيا"!!
فصار من بعدها "مسجد أيا صوفيا"، وانتشر الخبرُ كالبرق في أرجاء أوروبا، واهتَّزتْ دنيا النصرانية هزَّةً لم تعرف مثلها قطُّ"[6].
إنَّني أسوقُ هذه الكلماتِ لا أُذَكِّر بتاريخ مجيد مضَى، ولا أبكي - كما يزعمون - على اللَّبَن المسكوب، إنَّما أريدُ أن نرى ماذا فعل هؤلاء الأوربيُّون حينما وجدوا أنَّ مقدساتِهم قد وطأتْها أقدامُ أعدائهم.
يقول العلاَّمة محمود شاكر - مصوِّرًا حالتَهم -: "وبغتةً، كما كان اقتحامُ المسلمين قلْبَ أوربة بغتةً، تهاوتِ الحواجزُ التي كانت تمنع حركةَ اليقظة والتنبُّه، وخرجت أوربة من أصفاد "القرون الوسطى"، ودخلتْ بعد جِهاد طويل مرير في القرون الحديثة - كما يُسمُّونها - ومع تقوُّض هذه الحواجز، ظهرتْ براعيمُ الثِّمار الشهيَّة، وبظهورِها غضَّةً ناضرة، زادتِ الحماسة، وتعالتِ الهِمَم، ومُهِّد الطريق الوَعْر، ودبَّت النشوةُ في جماهير المجاهدين، وتحدَّدت الأهدافُ والوسائل..".
إلى أن يقول: "... وهذه رعايا النصرانية أمامَ أعينهم تتساقط في الإسلام، مرَّة أخرى، طائعةً مختارة، تدخل بحماسةٍ ويقين ثابت في جحافل الإسلام، يا لها من فجيعة!! ويُرسِّخ الإصرارُ في القلوب على دَفْع غائلة الإسلام[7]، وعلى الْتماسِ قَهْرِه بكلِّ وسيلةٍ، ومن كلِّ سبيل، وتتلهَّب أماني الاستيلاء على كنوزه الباهرة، وصارتْ أحلامًا بهيجة يحلُم بها كلُّ صغير وكبير، وعالِم وجاهل، وراهب ورعيَّة؛ بل صارتْ شهوةً عارمة تدبُّ دبيبًا في كلِّ نَفْس، بل صارت غريزةً مستحكمة من غرائز النفس الأوربيَّة، وهذا إيجاز شديدٌ لِمَا كان، وليكن منك على ذكرٍ أبدًا لا تنساهُ"[8].
وهذه الأصنافُ التي نَتجَ منها بعد ذلك أجيال من المستشرقين، الذين تعلَّموا علومَ المسلمين، وسَرَقوا تراثَهم، حتى صِرْنا الآن أذيالاً لهم، وأجيال من المُنصِّرين الذين يُفسِدون الآن ما بقي من عقائد المسلمين في أرْض المسلمين، وأجيال من المحتلِّين الذين يجوبون الآنَ بلاد المسلمين بزعْمِ إحلال الأمْنِ والسلام العالمي!
"فهذه ثلاثةٌ متعاوِنةٌ متآزِرة متظاهرة، جميعهم يدٌ واحدة؛ لأنَّهم إخوةٌ أعيان، أبوهم واحد، وأمُّهم واحدة، ودِينُهم واحد، وأهدافُهم واحدة، ووسائِلُهم واحدة"[9].
ــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: "طريق الهداية: مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة" للدكتور محمد يسري إبراهيم (ص: 77 - 79 ، وما بعدها).
[2] "مجموع الفتاوى"؛ لابن تيمية (1/17).
[3] "مجموع الفتاوى"؛ لابن تيمية (3/421).
[4] مستفاد من "المدخل إلى علم الدعوة" للأستاذ الدكتور محمد أبي الفتح البيانوني، (ص306 – 308) ، طبعة مؤسسة الرسالة.
[5] سيكون لنا – بإذن الله – موضوع غير هذا في التخصُّصات الأخرى.
[6] انظر: "الطريق إلى ثقافتنا"؛ للعلاَّمة محمود محمد شاكر، ط. أولى، مؤسَّسة الرسالة، (1413هـ، 1992م) (ص: 43)، وما بعدها بتصرف.
[7] وكان آخر ذلك تلك المظاهرات التي رفعوا فيها شعار (Stop Islamistaion Of Europe - أوْقِفوا أسلمةَ أوربا)!!
[8] السابق (ص: 49).
[9] السابق (ص:51) بتصرف.