• ماذا ندوِّن؟.
ليس كل عمل بمفرده يحتاج لتدوين وتوثيق، ولكن إذا اجتمعت كتلة من عمل واحد متكرر فهي بحاجة لتدوين وتوثيق، كالدعوة في الأسواق،والدعوة عند إشارات المرور،ودعوة الجاليات غير المسلمة، ودعوة الشباب،.... إلخ.
فهذه الأمور إن جاءت من خلال تصرف فردي مرة واحدة أو اثنتين فقد لا تكون ذات أهمية في التدوين والتوثيق، ولكن بمواصلة هذا العمل، ولو كان من فرد واحد، يكون من الجدير أن يهتم بتوثيقها وتدوينها وكتابتها ونشرها وإفادة الناس بها، لعلَّ الفكرة تكبر وتنضج وتستوي، وبهذا ننال المقصود.
ومن المهم أن تدوَّن وتكتب تلك التجارب الدعوية التي تنطوي على جدة أو طرافة وابتكار، أو تلك التي أثبت الواقعُ نجاحَها وإثمارها أهمية خاصة في التدوين والنشر .
بيد أنَّ هنالك أمراً يتحتَّم النظر فيه لصالح موضوع التدوين، وهو أن يكون للتدوين درجات وأشكال؛ فهنالك التدوين الفردي، والتدوين المؤسَّسي لتجربة مشروع، والتدوين الحركي إن قامت بهذه التجربة الدعوية أو التربوية حركة إسلامية ما، بل حتَّى لتدوين مسار حركة كاملة.
ويكون بهذا نفع كبير يعود على أصحاب التجربة وعلى من استفاد منها، وكلما كبر العمل تأكدت ضرورة تدوينه لاسيما إذا صار مشروعاً تعاقبت عليه الأجيال.
أمَّا المضمون الذي أراه يستحق التدوين فيشمل:
- الفكرة الأولى للعمل وكيف بدأت.
- مراحل تطبيق الفكرة، وخطوات التنفيذ الأولى.
- جونب قوة المشروع، وعوامل نجاحه.
- آثار انطلاق التنفيذ، ومدى التجاوب أو المعارضة.
- سلبيات العمل، وأسبابها.
- مقترحات لتحسين العمل وتطويره.
- أصداء التجارب مع المشروع.
- من أجل تدوين إبداعي ومضموني:
- إن أردنا أن يكون تدويننا لتجاربنا يحلق في سماء الإبداع، ويقلع في سماء المعالي، فإنَّ من الجدير بنا أن نُعنَى بالكشف والبحث عن أصول تدوين التجارب.
وإن كان هناك ثمة شيء موجود، فنبحث ونطالع التجارب المفيدة لمن كتب شيئاً من ذلك من الدعاة والتربويين وأهل الفكر والنهضة بحسب التخصصات التي نبحث عنها، من مذكرات وتقارير ومدونات سواء كانت من تدوين لبعض الأشخاص والأفراد؛ كتقارير كتبوها عن واقع لحياتهم الدعوية أو التربويَّة.
أو كانت لمؤسسات، نحو: تجربة المنتدى الإسلامي في العمل الدعوي فهي تجربة فريدة ومميزة، ولكنَّها كتبت قبل أكثر من عشر سنين، وهي بحاجة للتجديد والإضافة على ما حصل من (المنتدى الإسلامي) من برامج دعويَّة وتوجيهيَّة وتربويَّة، حتَّى تتجدَّد التجارب حيناً بعد حين، ويستفيد منها رواد الدعوة والتربية.
- العناية بالكشف عن التجارب العمليَّة الدعويَّة والتربويَّة والتنمويَّة... الخ، على مر التاريخ الذي عني أكثر بتدوين التجارب السياسيَّة، ممَّا أخفت الضوء عمَّا سواها.
- من مشكلات التدوين أنَّ بعض الناس يستعرضون الإنجازات ويلمِّعوها، ويغفلون أو يتغافلون عن السلبيات... والمفترض التأكيد على ضرورة الموضوعيَّة حين التدوين.
- التدوين ليس هدفه الحديث عن النفس إطراءً ومدحاً، ففي ذلك من المحاذير التي لا تخفى، لكنَّ المقصود الاستفادة من الخبرة!
- كم هو رائع جداً أن يكون هناك أوجه وآليات لتدوين هذه التجارب، وكيفيَّة تطبيقها في وسائل الإعلام المختلفة، لكي يسهل الوصول إليها، فاستغلال عالم التقنية الرحب الفسيح وعوالم الاتصال الثقافي لنشر تجاربنا نقطة ارتكاز، وضرورة احترافيَّة لنشر تجاربنا.
- بعض أصحاب التجارب يتحرَّجون من الكتابة لأنَّهم لا يجيدون فنونها، أو لا يحسنون عرضها، ومثل هؤلاء يُنصَحون بالكتابة، أمَّا النشر العام فله طرائقه التي لا تخفى من عرض المادَّة المكتوبة على بعض المحرِّرين، وترتيب موضوعاتها، وسبك كلامها، ومن ثمَّ النشر!
- إتاحة بعض المواقع الإسلاميَّة الفرصة لاستضافة المدونات الشخصيَّة، بدلاً من اختطاف المواقع الأخرى لتلك الفرص.
وكل هذا يتطلب استعدادا من حيث ثقافة الكتابة أولاً، ثم ثقافة القراءة ثانياً، ثم ثقافة النشر والنقل للتجارب ثالثاً!
- دعوة لأهل التجارب:
ومن خلال ما ذكرته فإني أدعو من هذا المنبر؛ أن يقوم أهل الاختصاص بتدوين تجاربهم الدعويَّة والتربويَّة، كل في بلدته أو محلته، لعلَّنا نقع على تجارب رائدة قام بها بعض العاملين للإسلام في بلد ما أثمرت وأينعت ثمارها.
فمن المهم جداً ألاَّ يُحْرَمَ إخوانهم المسلمون في شتَّى أصقاع الأرض من الاستفادة منها، وقد قال الإمام أبو حازم:(العقلُ التجارب)، وقال الشاعر:
اليوم شيء وغداً مثــله من نخب العلم التي تلتقطْ
يُحَصِّلُ المرء بها حكمـة وإنما السيل اجتماع النقطْ
فبتدوين التجارب الدعوية والتربويَّة وتوثيق إجراءاتها العمليَّة والميدانيَّة ستجتمع لدينا صورة مشرقة من التجارب والأساليب الدعوية أو التربوية.
وقد لا تكون مكتملة من جميع الجوانب لمانع ما أو ظرف محدد، فيأتي آخرون ويستفيدون من هذه التجربة ويضعون إضافاتهم ولبناتهم وبصماتهم الخيِّرة على هذه التجربة ويزيدونها بهاءً وجمالاً وعمقاً، ويستفيد الجيل تلو الجيل من هذه التجارب الخيرة المدونة، ويمضون في تدوين هذه التجارب، على حدِّ قول الشاعر:
قد هدانا السبيلَ من سبقونا وعلينا هداية الآتينا
وليت الدعاة والتربويين يتداولون الحديث في هذا الأمر ويتطارحونه بينهم مذاكرة وتعميماً فيفيد كل منهم الآخر بما رآه أو مارسه أو سمعه من تجارب خيِّرة!.
ويا حبَّذا لو أسَّس بعض من يتحمَّس لهذه الفكرة من الدعاة والمربين الكرام موقعاً على الإنترنت يجمع هذه التجارب الدعويَّة، حتَّى يمكن لرواد الدعوة، وقادة التربية أن يستفيدوا من معينها العذب وموردها الصافي.
بقي أن أقول لدعاة الإسلام ونواة الخير وأساطين التربية: إنَّ الاهتمام بهذه القضية حاجة ماسَّة، وضرورة ملحَّة لأبناء أمتنا، تدعوكم ويحدوكم بها الحادي لكي تقوموا بكتابة هذه التجارب التي قمتم بها أو وقفتم عليها، ونقلها وجمعها في موقع محدَّد على الشبكة العنكبوتيَّة.
لعله يفيد طالباً لعلم، أو يهدي حائراً، أو يبصر عشيّاً، فتنطلق ألسنتهم بالدعاء لمن كان سبباً في زيادة علمهم، وإثراء مواهبهم، ودليل هدايتهم، وبيان طريقهم، والموفَّق من وفقه الله. والله المستعان.