وأخيرًا:
وليس بآخر، فإنَّ المولى - سبحانه وتعالى - لا ينتظر لنُصرةِ دينه أن يتوب المنافقون، ولا أن يجتهدَ المجتهدون، إنَّ الله - تعالى - ناصرٌ دِينَه، حتى ولو عُدم الناصرون من البشر، كلُّ ما في الأمر أنَّه - سبحانه وتعالى - يدفع بأهلِ الحقِّ في وجه الباطل؛ ليزهقَ، فإذا هو دامغٌ، لكن عندما عُدم المسلمون في هذه الأرض، وذلك قبل مولده - صلَّى الله عليه وسلَّم - عام الفيل، ولم يكن هناك مَن يدافع عن دِين الله - تعالى - فماذا حَصَل عندما حاول أبرهةُ هدمَ الكعبة؛ ذلك التراث الذي بقي عن نبيِّ الله إبراهيم - عليه السلام؟
قال - سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 1 - 5].
ما هو الفيل؟
الفيل هو رمزٌ لأقوى سلاحٍ عسكريٍّ عند العرب قبلَ زمن نبوَّة النبي محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذا السِّلاح كان يمتلكه أشدُّ أعداء الإسلام الذين قَصدُوا هدمَ مقدَّسات المسلمين، وطمسَ معالِم هذا الدِّين، وإذلالَ بقايا العَرَب أتباعِ الخليل إبراهيم – عليه السلام - حتَّى لو لم يكونوا على مِلَّته؛ لذا جاءتْ سورة الفيل لتبيِّنَ للمسلمين أنَّه مهما قوي أعداءُ الإسلام في السِّلاح، فإنَّ الله ناصرٌ عبيدَه، ومقدَّساتِه، ورادٌّ كيدَهم عليهم بأسلحة تَصغُر في نظر الكثير منَّا، إلاَّ أنَّها عند الله - تعالى - أسلحةٌ فتَّاكة لها تأثيرٌ مدمِّر، أشد من تأثير أقوى سلاح عسكريٍّ في يد أعداء الإسلام والمسلمين، فجنودُ الله - تعالى - كلُّ ما خَلَقه من صغير وكبير، معلوم لنا، وغير معلوم، فلا يَقيس المسلمون قوَّتَهم بأسلحتهم الصغيرة التي في أيديهم، وإنَّما بعون الله - تعالى - لهم.
فعن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: "أقبل أصحابُ الفِيل، حتَّى إذا دنوا من مكَّة، استقبلهم عبدُالمطلب، فقال لمَلِكهم: ما جاء بك إلينا يا ربَّنا، ألاَ بعثتَ فنأتيك بكلِّ شيء أردت؟ فقال: أُخبرتُ بهذا البيت الذي لا يَدخله أحدٌ إلاَّ آمِن، فجئتُ أخيفُ أهلَه، فقال: إنَّا نأتيك بكلِّ شيء تريد، فارجع، فأبَى إلاَّ أن يدخلَه، وانطلق يسيرُ نحوَه، وتخلَّف عبدُالمطلب، فقام على جبل، فقال: لا أشهدُ مَهلِك هذا البيت وأهلَه، ثم قال:
اللهمَّ إنَّ لكلِّ إله حلالاً فامنعْ حلالَك، لا يغلبنَّ محالهم أبدًا محالك، اللهمَّ فإن فعلتَ فأمرْ ما بدا لك.
فأقبلت مثلُ السحابة من نحوِ البحر، حتى أظلَّتْهم طيرٌ أبابيل، التي قال الله - عزَّ وجلَّ: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} [الفيل: 4]، قال: فجعل الفيل يعجُّ عجًّا، فجعلهم كعصفٍ مأكول[8].
لذا؛ يثور التساؤل: متى يُرسل الله - تعالى - الطيرَ الأبابيل؛ لينصرَ عبيدَه، ويُحافظ على مقدَّسات المسلمين؟
يقول الله - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 7 - 8].
إذًا؛ الثِّقة في نصر الله - تعالى - مطلوبة، وتحصيلُ شرائط هذا النَّصر واجبٌ، وانتظار هذا النَّصر مؤكَّد؛ قال - سبحانه: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 17 - 18].
فلماذا أنزل الله الطيرَ الأبابيل؟ الله حينما يُنزل النَّصر، فإنَّه يجعله على يدِ أخلص عبيده وجُندِه، ولَمَّا كان العرب قبلَ الإسلام في جاهليَّة، فإنَّ الله - تعالى - استبدل الطيرَ الأبابيل بهم لتقومَ بواجب الدِّفاع عن مقدَّسات هذا الدِّين؛ لذا حينما يُقبل المسلمون على الله - تعالى - فإنَّه سوف يستخدمهم لنُصرة هذا الدِّين؛ يقول - سبحانه -: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]، أمَّا إذا تولَّى المسلمون عن نُصرة هذا الدِّين، فإنَّ الله - تعالى - سوف يُدافع عن دِينه، وعن مقدَّسات هذا الدِّين بذلك الطير الأبابيل.
إذًا؛ فنصرُ الله آتٍ لا محالةَ، سواء بأيدينا، أو بأيدي غيرِنا، نسأل الله العليَّ القدير أن يستعمِلَنا، ولا يستبدلنا بغيرِنا؛ يقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تَزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ إلى يوم القيامة، لا يضرُّهم مَن خَذَلهم، ولا مَن خالَفهم حتَّى يأتيَهم أمرُ الله وهم على ذلك)) [9]، كما أنَّ معاذ بن جبل كان يُحدِّث عن هذه الطائفة أنَّهم ((هُم بالشام))[10]، وفي رواية أكثرَ تفصيلاً: قالوا يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ((ببيت المقدَّس وأكناف بيت المقدَّس))[11].
إذًا؛ فأولئك الجُنود المجاهدون هم الطيرُ الأبابيل - بإذن الله تعالى - سوف يستعملهم الله - تعالى - ولن يستبدلَهم؛ كما ورد بالحديث - بإذن الله تعالى – وعلينا - نحن المسلمين - أن نكونَ سندًا لهم وعونًا لهم؛ بل وخيولاً عادياتٍ في وجه أعدائِهم.
ــــــــــــــــــــ
[1] السيوطي في الأشباه والنظائر (ص: 410)، وما بعدها.
[2] رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه يحيى الحِمَّاني؛ وهو ضعيف كما في "مجمع الزوائد" (7/105)، رقم (11043)، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره، وهذه الرِّواية وإن كانت ضعيفة، حيث ضعَّفها الألباني وغيره، إلاَّ أنَّ العِبرةَ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب؛ لذا فإنَّ ظاهر الآية يؤكِّد سقوطهم في الفتن بِصَرْف النظر عن تعيين نوع الفتنة وتخصيصها بفتنة النساءِ فحسبُ.
[3] روى ذلك أبو داوود في سننه (2/ 146)، رقم (2931)، وصحَّحه الألباني.
[4] الترمذي (5/ 298)، رقم (3127)، رواه مرفوعًا بسند ضعيف ضعَّفه الألباني، والباحث وقف عليه وعزاه للترمذي باعتباره قولاً مأثورًا.
[5] رواه البخاري (5/2271)، رقم (5782).
[6] صحيح ابن حبان (10/496)، رقم (4639)، قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم،ورواه ابن ماجه، رقم (2794)، وصحَّحه الألباني.
[7] رواه البخاري (3/1048)، رقم (2697).
[8] رواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، (2/583)، رقم (3974)، وعلَّق عليه الذهبيُّ قي التلخيص، وقال: حديث صحيح.
[9] رواه البخاري، رقم (3441، 3442، 6881)، ورواه مسلم (156، 1920، 1923، 1037)، وغيره، ورأيتُ له أكثرَ من 360 طريقًا آخر غير ذلك بروايات مختلفة، تؤكِّد جميعًا على هذه الطائفة التي على الحقِّ إلى يوم القيامة.
[10] ذكره النووي في شرحه لأحاديث الإمام مسلم، الحديث رقم (1925)، (3 /1525).
[11] رواه أحمد في مسنده (5/269)، (22374)، والرِّواية التي جاءتْ بالتعيين بأنَّهم في بيت المقدس، وإن كانت ضعيفةً، فإن الرِّوايات التي تُصرِّح أنَّهم بالشام أقوى منها والشام تشمل بيت المقدس، وإن كان البخاري قد وضع هذا الحديثَ، وعلَّق عليه بأنَّ المقصود بهم أهل العلم، فذلك تعيين لخصائصهم وتميُّزهم بالعِلم، أمَّا تمييزهم بالجهاد فذلك أيضًا أمر يختصُّون به لِمَا سلف أنْ ذكرنا.