عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2009-06-18, 8:59 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
وأخيرًا:
يؤكِّد الله - تعالى - أنَّ أصحاب أولئك القوم قدِ ارتدوا عن الإيمان طالَمَا كرهوا الجِهاد؛ قال - سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 8 - 9]، كما أنَّهم أطاعوا الذين كرهوا الجِهادَ، وكرهوا دِينَ الله - تعالى - واتَّبعوا ما أسخط الله، وكرهوا أن يُرضوه بالتضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله - تعالى - يقول المولى - سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 25 - 28].
وهؤلاء يعلمنا الله - تعالى - مَن هم، ويظهر ما في قلوبهم لنا، ففي القولِ المأثور عن الترمذي: ((اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنَّه ينظر بنور الله))[4]، وفي ذلك قوله - سبحانه -: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75].
وفي الحديث: ((لا يُلدغ المؤمنُ من جُحر واحدٍ مرَّتين))[5]؛ لذا قال الله - تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 29 - 31].
لذا كانتْ حِكمة الله - تعالى - أن يكون الابتلاءُ بالجهاد هو المخبرَ الذي يتمُّ فيه تمييزُ أهل الحقِّ عن المنافقين، الذين إذا لم يتوبوا عن التردُّد بين الإيمان والكفر، فإنَّ مصيرَهم حتمًا سوف يؤول، أو يكون أقربَ للأخير؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 29- 32].
فإذا ما رأينا المنافقين، وكيف أنَّهم يلحنون في القول، ويتخاذلون عن الجِهاد والتضحية بالمال والنفس لأجْلِ حماية هذا الدِّين، وكيف أنَّ الله ضَرَب الأمثلة للحْنِ قولهم، وكيف ردَّ عليها بالحُجج القاطعة الدامغة، فإنَّه - سبحانه وتعالى - يَضرب لنا المثال الذي يُحتذَى به في هذا الصَّدد، والعجيب الذي يشدُّ الانتباهَ أنَّ هذا المثال لم يضربْه الله - تعالى - لنا ممَّن هم بشرٌ مثلنا، وإنَّما ضرب لنا المثلَ بالخيل المجاهدات.
انظر كيف أقسم الله - تعالى - بالخيل التي تَعدُو في أرض الجِهاد في سبيل الله - تعالى - تلك الخيلُ التي تَجهرُ بصوتها دونَ خوف أو تردُّد بكلمة الحقِّ، وحبِّ الاستشهاد، تُوري النارَ من احتكاك حوافرها بالصَّخر عندَ ضربها في الأرض بقوَّة أثناءَ الجرْي في مواجهة العدوِّ، وتظلُّ تسير في اللَّيل حتى تصلَ لأرض العدوِّ فتُغير عليه في الصَّباح، فهي تُجاهد ليلَ نهارَ، تُجاهد النوم، وتُجاهد السَّير، وتُجاهد الراحة والدَّعَة والتثاقُل عن الجِهاد.

وليس ذلك فحسب، إنَّما تُفضِّل جوَّ المعركة مع أهل الباطل على الرِّياض التي كانت تعيش فيها، تفضِّل غُبارَ المعركة وترابَها على صفاء جوِّ المرعى الذي جاءتْ منه، وليس ذلك فحسبُ، إنَّها تعلم يقينًا أنَّها قد تموت إذا توسَّطت جموع الأعداء، واخترقت صفوف العدوِّ، أو قد تُجرح على أقلِّ تقدير؛ لكنَّها لا تَخشى الموتَ، ولا تلك السُّيوفَ، ولا الرِّماح ولا السِّهام، إنَّها حقًّا صورةُ فارس قويٍّ، ضرب الله به المثل ليُحتذى به، تأمَّل كيف أنَّه يجاهد حتى الموت.
فعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أيُّ الجهاد أفضل؟ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أن يُعقرَ جوادُك ويُهراق دمُك))[6]، هذا الفارس الشُّجاع يتمثَّل في حيوان مخلص يحبُّ الاستشهاد في سبيل الله - تعالى - وليس ذلك فحسبُ، إنَّما تتسم الخيلُ بهذه الخصائص التي لا تُفارِقها أبدًا إلى يوم القِيامة، فلا تجد خيلاً يَجبُن أبدًا، أو يبخل برُوحه عن الجهاد في سبيل الله - تعالى - قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: ((الخيلُ في نواصيها الخَيرُ إلى يوم القِيامة؛ الأجرُ، والمَغْنم))[7].

إنَّ العين لتذرفُ عندما تجد في الخيل هذه النُّصرةَ لدِين الله - تعالى - في الوقت الذي يتخاذل فيه بعضُ المسلمين عن نُصرةِ إخوانهم من المسلمين الذين أغار عليهم أعداؤُهم؛ قال الله - تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} [العاديات: 1 - 5].
والسؤال الذي يطرح نفسَه هنا: لماذا لا يُشارك الإنسانُ الخيلَ هذا الإقدام على الجِهاد؟ لماذا يَكْنُدُ، ويتراجع للوراء عن أن يُقدِّم رُوحَه ومالَه في سبيل الله - تعالى؟! إنَّه ليشهد على جُبنه هذا، وخذلانه لنصرةِ دين الله – تعالى - لماذا؟ لأنَّه أحبَّ الدنيا بشدَّة، وفضَّلها على الآخرة؛ يقول الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38].
إنَّني أذكّر كلَّ من تقاعستْ نفسه عن نُصرة دين الله - تعالى - وتخاذلتْ عن نُصرة أُخوَّة الإسلام أن ينهضَ ليَعقدَ صفقةَ بيعٍ مع الله - تعالى - يبيع فيها نفسَه وماله مقابلَ الجنَّة - إن شاء الله - قال - سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111].