لذلك فإنَّ الله - تعالى - يَعلم الوهنَ الذي في قلوبهم، ويخبِّرنا بهم لكي لا نتحسَّر عليهم، بل نشكُر الله على أنَّهم لم يكونوا في صفِّ المجاهدين؛ إذ لو كانوا فيهم لأضعفوه، وأصابهم الوهن منهم؛ لذا يقول الحق - سبحانه: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ* لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 45 - 47]؛ لذا حذَّرنا الله - تعالى - أن نسمع لهم، فلَحنُ القول قد ينطلي على ضِعاف الإيمان، إلاَّ أنَّه لا يَزيد المؤمنين إلاَّ ثباتًا؛ يقول المولى - سبحانه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].
وقد ظهر نِفاقُ هؤلاء القوم عندما رأوا القرح قد أصابَ المؤمنين، إذ بدَا فرحُهم بذلك من لَحْنِ قولهم، فهم لا يقولون: نحن فرحنا بهزيمتكم، ولكنَّهم يؤكِّدون وجهة نظرهم بأنَّ الجهاد خسارة لأرواح الجند، وأنَّ السلام يحقن دماءَهم، فيقولون: لو أطعتمونا لَمَا أصابكم ما أصابكم، تأمَّل قوله - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 156 - 157}.
فهم رغم أنَّهم يرون حاجةَ المسلمين لهم، ولجهادهم معهم بالمال والنفس، إلاَّ أنَّهم يتجاهلون هذه الحقيقةَ وكأنَّهم لا يرون شيئًا، وكأنَّ مساعدتهم لإخوانهم بالجِهاد لم يأتِ وقتُها، ولم يحن، فيلحنون القولَ قائلين: أين هذا الجِهاد الذي يزعمون؟! لو جاء وقتُه لسوف نكون معكم؛ يقول - سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 166 - 167].
لذا يؤكِّد الله - تعالى - سُنَّة التمييز بين أهل الإيمان وأهل النِّفاق، إذ لولا هذه المصيبة لظلَّ المنافقون يتخلَّلون في صفوف المؤمنين، فكان حقًّا على الله - تعالى - أن يمحِّص تلك الصفوفَ؛ ليَميزَ الخبيث من الطيِّب، وهنا يتحقَّق الجهاد لإعلاء كلمة الحقِّ، وفي سبيل الله بإخلاص فحسبُ؛ قال - سبحانه: {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168].
فالقرآن يُشير إلى حقيقة أنَّ الشُّهداء في سبيل الله قد آن الوقت ليفارقوا هذه الدنيا، ليسوا كأموات، وإنَّما أرواحهم في حواصلِ طَيرٍ، تمرح في الجنَّة - بإذن الله - وأنَّ الموت الذي أصابهم في الدنيا لم يُقدِّم أجلَهم، وإنَّما هو أجلٌ مكتوب، سواء أكان بسبب الجهاد أم غيره، إلاَّ أنَّ الله اختارهم ليحيوا عندَه في جنَّات النعيم؛ قال - سبحانه: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
وكما أنَّ هناك فريقًا يُثبِّط المؤمنين عن الجهاد، فهناك أرواحُ الشهداء تُنادي مِن خلفهم أهلَ الحقِّ؛ ليلحقوا بهم في دار النعيم؛ قال - سبحانه: {فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 170 - 171].
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يفزع أولئك عند ذِكْر الجهاد في سبيل الله؟ ولماذا يحاولون أن يفصلوا الجِهاد عن الإيمان؟
إنَّ المولى - سبحانه وتعالى - ليُصوِّرُ لنا الحالة النفسيَّة السيِّئة لأولئك المنافقين، وقد سمَّاهم مفسدين، وهم لا يشعرون، إذ كلَّما مرَّت عليهم آياتُ الجهاد ظنُّوا أنَّها برق ورعد، فخافوا منها، فهم في رَيبهم يتردَّدون بين الإيمان والكُفر، وهم في حيرةٍ شديدة واضطراب؛ إذ يصوِّر المولَّى - سبحانه - تلك الحيرة بمَن استضاء بنور الإيمان تلك الصَّلاة التي يُصلِّيها، والزَّكاة التي يُؤتيها؛ لكنَّهم - لأنَّهم أرادوا أن يبتروا الجِهادَ عن الإيمان - أطفأ الله هذا النورَ في قلوبهم، فتراهم يتخبَّطون في الظُّلمات لا يُبصرون؛ قال - سبحانه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 17- 18].
وهم أيضًا الذين عندما يسمعون حيَّ على الجهاد تضطرب قلوبُهم، وتدور أبصارُهم، وكأنَّ تلك الآياتِ ترعد الآذان من شدَّة وقْعها على قلوبهم المريضة التي تعلَّقت بحبِّ الدنيا، وكأنَّ النور الذي جعله الله في الجِهاد كالبرق يخطف أبصارَهم، فكلَّما كان النصر حليفًا للمسلمين فرحوا بالمغنم؛ ليشاركوا المسلمين فيه، أمَّا إذا لم يكن في الجهاد مغنمٌ رأوا في الجهاد ظلمةً وقفوا عندها؛ قال - سبحانه: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 19 - 20].
فهؤلاء هُم هُم الذين قال الله فيهم: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً} [الفتح: 15]، وهُم هُم الذين قال الله فيهم: {وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 18].
وهؤلاء المتخاذلون المثبِّطون لغيرهم القاعدون عن الجهاد يخافون أن يَكشفَ الله – تعالى - كذبَ قلوبهم، وزيفَ ألْسنتهم، واستهزاءهم بشرْع ربِّهم، واستهزاءهم بالمجاهدين، كما أنَّهم عندما يَكشفهم الله لنا ويُظهر كذبَهم ولحنَ قولِهم، يستمرُّون في اللَّحن لآخر لحظة، فيقولون: إنَّنا لم نكن نعترض على الجهاد، أو وقته وكيفيته والإعداد له، بَيْدَ أنَّنا فحسبُ كنَّا نستعمل ما أوتينا من سياسة حَكيمة فحسبُ؛ لذا يقول المولى - سبحانه - في شأنهم: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 64 - 66].