عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 3  ]
قديم 2009-06-13, 5:18 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
الحساد وسذج الناس :
ومن عجيب الأمر عندما ترى مسارعة كثير من الدهماء ، والسذج من الناس والسفهاء ، عندما تراهم يتسابقون إلى تصديق هؤلاء الحساد ، وأهل الغيرة ، بل إنك تستغرب حال كثير ممن يروجون فتنة القول ، ولا ينتهي عجبك وأنت ترى أن بعضهم قد يشار إليه بعلم ، أو فضل ، أو صلاح ، أو مكانة ، وكأنهم لم يسمعوا قول الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [ الحجرات6 ] .
وإليكم هذه الباقة ، والحديقة اليانعة ، من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من الحسد والحقد والبغض والظغينة والوقيعة في أعراض الناس .
عَنْ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ : الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ، هِيَ الْحَالِقَةُ ، لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَفَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ ، أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ " [ رواه أبو داود وحسنه الألباني ] .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " . . وَلاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ الإِيمَانُ وَالْحَسَدُ " [ رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7620 ] .

حفظ اللسان سبب لدخول الجنان :
ألا فليتذكر كل مسلم ومسلمة أن القول في الناس خطير ، ومصيره جهنم وبئس المصير ، فاحفظوا ألسنتكم هو خير لكم ، ففي حديث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أنه قَالَ : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ ، قَالَ : " لَقَدْ سَأَلْتَ عَظِيماً ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، إلى أن قال : " أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمِلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ " قُلْتُ بَلَى ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ : " تَكُفُّ عَلَيْكَ هَذَا " قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ : وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ : " ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ : وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ " [ رواه ابن ماجة ] .
ألا فليعلم كل قارئ أن الجنة دار لمن تحكم بلسانه ، وألجمه لجامه ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ " [ رواه البخاري ] .

حساد قلوبهم سوداء :
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يقول : " حتى إن الرجل ليشار إليه بالزهد والدين والعبادة ، ولسانه يفري في لحوم الأحياء والأموات وهو لا يبالي ما يقول " .
فهناك ممن تحدث عنهم شيخ الإسلام اليوم من لا يتورع عن التدخل في خصوصيات الآخرين في أموالهم وأولادهم ومواقفهم والاستماتة في استمالتهم إلى ما يريد من حيث لا يريدون ، وإلا فسيوضعون تحت مطرقة الشائعات ، وسندان الاتهامات ، وعلى مشرحة الطعون والافتراءات ، فيا هذا . . . دع الخلق للخلاق ، تسلم وتغنم ، وإلا فسوف تندم وتغرم ، والله المستعان على ما يصفون ، والحسيب والرقيب على ما يقولون .

على رسلكم :
إن الأصل في كل مسلم أن يحسن الظن بالمسلمين ، ويحمل أقوالهم وأفعالهم وتصرفاتهم على أحسن المحامل ، بل ينبغي التماس العذر لهم وإن أخطئوا بتأويل سائغ .
يقول عمر رضي الله عنه : " لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً " .
ويقول عبد الله بن المبارك رحمه الله : " المؤمن يلتمس المعاذير ، والمنافق يتتبع الزلات " . أيها القارئ الكريم . . . الأخطر من ذلك ، حينما يُنَصِّبُ أحد المتعالمين نفسه رقيباً على نيات الاَخرين ، حاكماً على قلوبهم ومقاصدهم ، ويرشده حسده الدفين ، وحقده المكين ، إلى أن يفري في لحوم الآخرين ، فواعجباً له ولهم ، ماذا يبقى من دين المرء إذا ولغ في لحوم الناس ، وانتقصهم وعابهم وذمهم .
وإن من بالغ الخطورة أن ترى المجالس والاجتماعات ، يحضرها من يحضرها وينبري فيها دعي متحذلق ، مخذول مرذول مذموم ، فيطلق لسانه ذماً في أهل الصلاح من الأئمة والخطباء ممن فاقوه قدراً وعلماً وشرفاً ونسباً ومكانة ، والناس منصتون ساكتون خشعاً أبصارهم ، يأخذون ذلك مأخذ القبول والرضا بل والفرح والتشفي ، بل ويسلموا تسليماً ، أهكذا ربى الإسلام أتباعه ؟ فيا الله كيف يتلذذون بالتفكه في الأعراض ، ويتشهون ، بل ويتشفون في ذلك ، فالله حسيبهم .

الثواب الجنة :
وأخيراً أُذكر كل مسلم ومسلمة بالفضل العظيم ، والثواب الجزيل ، لمن ذب عن عرض أخيه المسلم ، فأقول :
أين الذب عن أعراض المسلمين والحفاظ على سمعة الفضلاء الصالحين ؟ أين الذب عن أعراض الصلحاء والدعاة ؟ لقد باتت سنة مهجورة ، وسنة منسية ، ألم تسمعوا الحديث الذي رواه الترمذي ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :" مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، فيا الله كم يزهد في هذا كثير من الناس .
ألا هبوا معاشر المسلمين والمسلمات للدفاع عن أعراض إخوانكم وأخواتكم الدعاة إلى الله تعالى ، وجابوا كل من عاداهم حسداً وبغضاً ، اخرسوا لسانه ، وعرفوه مكانه ، فذلكم النصح والتوجيه والإرشاد ، وذلكم الطريق إلى الجنة العلية ، ونعم المطية .

همسة في أذن حسود :
وكلامي هنا أقصد به مرضى القلوب ممن نُسبوا إلى العلم زوراً وبهتاناً ، فأولئك القوم النشاز ، إذا سمعوا من يقول :
الشيخ ، وصاحب الفضيلة ، وفضيلة الشيخ ، وصاحب السماحة ، وطالب العلم الفلاني ، استشاطوا غضباً ، وأرعدوا وأزبدوا ، وتسمع لهم خوار .
فأقول للحسود : هل سيضرك ذلك القول شيئاً ؟ هل سينقص من قدرك شيئاً ؟ أم أن الغيرة أعمت بصرك ، وألغت عقلك ، وأفقدتك إنسانيتك ؟ ألا فاعلم أن لله تعالى أفضال وأنعام على عباده ، يؤتيها من يشاء منهم ، يميز هذا ، ويحرم ذاك ، لحكمة يعلمها .
فوطن نفسك ، واعلم أنك لو كنت تستحق ذلك التبجيل ، وتلك التسمية لأعطيتها ، فدع الناس يرفع بعضهم بعضاً ، والله يرفع من قدر من يشاء .
ثم إن كانت لديك ملاحظة على مادح يمدح من يحبه ويثني عليه ويرفع منزلته ، ويعلي مكانته ، فإن كان لك أدنى ملاحظة ، فتحدث إلى من يمدح ، ولا تشتهر بالممدوح ، فهذه هي الغيبة ، والحط من أقدار الناس ، فيجب عليك أن تترفع عن مثل ذلك ، ولا تتحدث أو تكتب على الملأ في المنتديات أو الصحف ، فذلك تقليل من قدرك أولاً لو تعلم ، ثم هو إثم تقترفه ، وافتراء تدعيه ، وغيبة تقولها ، وبهتان تفتريه ، وثانياً لن تضر المحسود شيئاً ، فهو ماض قدماً لما أعده وخطط له في أي مجال كان ، وليتك تأتي بمعشار ما أتى به ، فاعرف لنفسك قدرها ، وألزمها مكانتها ، واخسأ فلن تعدو قدرك .
ومن سوءاتهم وعوراتهم المكشوفة ، إذا رأوا كتاباً أو كلاماً نافعاً ، فكأن صاعقة وقعت على رؤوسهم ، أو مصيبة حطت برحالهم ، وقالوا : ما كل من كتب أو قال أصبح كذا وكذا ، فسبحان الله من هذه القلوب المريضة السقيمة .
وكان الواجب عليهم أن يقولوا : نفع الله به ، ونفع بما كتب وقال ، ما شاء الله تبارك الله ، لا قوة إلا بالله ، ثم يتصلون به ويشجعونه ويؤازرونه ، ويطلبون منه المزيد ، هكذا هي الأخوة في الله ، وهذا هو الإنصاف ، حتى من المخالف ، لكنهم قوموا مرقوا من . . كما يمرق السهو من الرمية .
هذا ما جاد به اللسان ، وخطه البنان ، من البرهان والبيان ، نصيحة للحساد ومن كان في قلبه مرض ، فما كان من صواب فمن الله وحده ، وما كان من خطأ وأعوذ بالله منه ، فمن نفسي ومن الشيطان ، وسبحان الله الواحد المنان ، وعليه التكلان ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .