الحسد مطية الضعاف :
الحسد لم يسلم منه أحد ، فكيف يسلم منه من هو يجري وراء الدنيا وحطامها ، ويسعى للنيل من وسخها وقذرها ، ويتألم لفقد شيء منها ؟ إن من ذلك فعله ، وتلك همته من هذه الدنيا ، لجدير بأن يكون عنزاً لا تيساً .
فإذا كان الناس في القرون السابقة لم يسلموا من هذه المثلبة ، وهذا المطب الذي وقع فيه من وقع من العلماء وطلاب العلم والأئمة والخطباء وغيرهم ، فكيف بعصرنا هذا ، وقد انفتحت الدنيا على الناس ، وأصبحت الشهرة هم الكثير منهم ، بل أصبح تحطيم الرموز النيل منهم هو دينيهم ومطيتهم ، والشاهد على سوء نيتهم .
لما نال السيوطي رحمه الله من فضل الله ما ناله من العلم والمكانة ، حسده أقرانه ، حتى قال في تنوير الحوالك 1 / 8 : " فتألب عليه معاصروه من أقرانه ومنافسوه من العلماء، وطعنوا في : طباعه، ومواهبه، وعلمه، ومؤلفاته، وتحاملوا عليه، ورموه بما ليس فيه، حسداً منهم، وحقداً عليه، لما ناله من الشهرة دونهم، كما هي عادة الأقران في كل زمان، مما ذكره ابن عبد البر في كتابه " جامع بيان العلم وفضله " وكما وقع لكثير من العلماء المعاصرين، للمنافسة العلمية، ممن هو أعلم وأورع من السيوطي، ومن منافسيه .
والأمر كما قال ابن عباس : العلماء أشد تغايراً من التيوس في زروبها .
ألا فاعلم أيها القارئ الكريم . . . . أن قول المتنافسين لا يقبل في بعضهم ، كما قرره العلماء ، وجرى عليه علماء الجرح والتعديل من المحدثين .
ويلهم كيف استحلوا محارم الله بأدنى الحيل :
اليهود استحلوا محارم الله بحيلة دنيئة ، حرم الله عليهم الصيد يوم السبت ، فوضعوا شباكهم يوم الجمعة ، وأخذوها يوم الأحد ، وقد امتحنهم الله ، بأن يوم السبت لا تأتي فيه الحيتان ، فاستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ، فغضب الله عليهم ولعنهم .
والحساد أجازوا لأنفسهم الوقيعة في فلان وفلان واستحلوا ذلك بأدنى الحيل ، التي انطلت على كثير من المغفلين ، فانساقوا وراءهم ، الحسد وصف لليهود ، ومن تشبه بقوم فهو منهم .
فمن أين لتيوس اليوم أن يستحلوا غيبة الناس في المجالس ؟ لقد كذَّبوا الله في كتابه حيث قال : { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً } [ النساء54 ] .
لقد اعترضوا على قضاء الله وقدره حيث قال سبحانه : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32
ولقد كذَّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يطيعوا أمره حيث جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً " [ رواه البخاري ومسلم ] .
من مفاسد الحسد :
ألا وإن من خطورة الحسد ومفاسده أنه يهلك الإيمان في قلب العبد ويغتاله ، ويورث العبد نفاقاً وبعداً عن الله تعالى ، ومن مفاسد الحسد أنه يدعوا إلى الغيبة والنميمة والكذب والبغضاء والغيظ من المحسود ، ومن مفاسده أنه يوجب البغضاء بين الناس ، ومن مفاسده أن الحسود مبغوض ممقوت عند الله ، مرفوض عند خلقه ، وهذه وغيرها من كبائر الذنوب والمعاصي ، ومن عظائم الآثام .
فكيف بعد ذلك يدعي صاحب علم أنه من أهل العلم وطلبته وهو يعصي الله ورسوله جهاراً نهاراً ، ويقول ذلك بلسان حاله ومقاله ، بوقيعته في أخيه المسلم في نفسه ، وأمام الآخرين ، إن ذلك لمن أعجب العجب ، نعوذ بالله من النكوص بعد الهداية ، ونعوذ به من الفساد بعد الرشاد .
الحسد والواقع المشئوم :
أيها القارئ المنصف . . . . . إن المتأمل في جل العلاقات الاجتماعية ، وميادين التعامل بين الناس ، يهوله ما يرى من تفشي مظاهر التقاطع والتدابر ، والنفرة والتهاجر ، وانتشار مرض التعالي والجفاء ، والتباغض والشحناء ، في هوى مطاع ، وإعجاب بالنفس ، ورفع لراية الشائعات المغرضة ، والأخبار المكذوبة الملفقة ، وتلمس العيوب للناس ، وتضخيم الهفوات الصغيرات ، وتتبع مثالب الصلحاء ، وانتقاص مقامات الفضلاء النبلاء ، حتى إن الغيور لينتابه شعور بالإحباط وهو يرى هذه المظاهر السوداوية القاتمة ، تنتشر في دنيا الناس انتشار النار في الهشيم ، لاسيما طلبة العلم ومن انتسبوا إليه ، فلا يستطيع لها تفسيراً ، ولا يجد لها مصاغاً أو تبريراً ، فمن الناس من يكون شمعة يحرق نفسه ليضيء للآخرين ، تراه داعية خطيباً مفوهاً ، تتمتع الأسماع بسماعه ، وتطير القلوب لصوته ، وتستيقظ العقول لتوجيهاته ، وتسكب العبرات لمواعظه ، ومع ذلك يجد أن هناك لصوصاً وسُرَّاقاً ، يقعون فيه ، ويرمونه بالكذب والافتراء ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، لا يتورعون ولا يخافون الله تراهم يتسلقون على الأكتاف ، للوصول إلى مآربهم الشخصية ، ومصالحهم الذاتية ، ومطامعهم المادية الدنيوية ، دون وازع من دين أو خلق أو ضمير ، يقعون في الناس ويشوهون سمعتهم ، ويغيرون صورتهم ، بالتقليل منهم تارة ، وبتصغيرهم تارة أخرى ، فلا يقولون طالب علم ، بل : طويلب علم ، وما يضر المتعلم ما يقولون عنه ، إن كان طالباً أو طويلباً ، فالله جل وعلا يقول : { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، ويقول سبحانه : { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }يوسف76 ، فطالما أن هناك من هو أعلم منك ، فأنت طويلب علم ، فانتبه يا طالب العلم _ زعموا _ .
الحسد سُلَّمُ الدنايا :
نعم أيها الأخوة . . . . . هناك أناس مردوا على الدنايا ، ودأبوا على المكر وسوء النوايا ، لا يتلذذون إلا بالنيل من الطامحين ، والإساءة للناجحين ، والثلب في الصالحين ، والتقليل من شأن العاملين ، وتنفير الناس منهم ، والعمل على الإساءة إليهم ، والوقيعة بهم ، بتلفيق الطعون والاتهامات ، ونشر الأراجيف والشائعات ، في صورة مسفة ، وأمراض قلبية مستعصية ، وضغوط نفسية قاتلة ، لأنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه من حسدوهم ، فقادهم ذلك للوقيعة بهم ، وانتقاصهم وتصغيرهم في كل مجلس ومقعد ، في وجوه الحساد تراهم الخلان والعباد ، وفي ظهورهم يطعنونهم بالخناجر ، { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ آل عمران119 ] .
وقال الله عز وجل في شأن الحساد ، وأهل الحقد والكذب والشقاق ، ممن مردوا على النفاق ، وسوء الظن ، قال الله تعالى فيهم : { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً } [ الأحزاب19 ] .
بُخَلاء عليكم أيها المؤمنون بالمال والنفس والجهد والمودة ، لما في نفوسهم من العداوة والحقد ؛ حبًا في الحياة وكراهة للموت , فإذا حضر القتال خافوا الهلاك ورأيتهم ينظرون إليك , تدور أعينهم لذهاب عقولهم ؛ خوفًا من القتل وفرارًا منه كدوران عين مَن حضره الموت , فإذا انتهت الحرب وذهب الرعب رموكم بألسنة حداد مؤذية , وتراهم عند قسمة الغنائم بخلاء وحسدة , أولئك لم يؤمنوا بقلوبهم , فأذهب الله ثواب أعمالهم , وكان ذلك على الله يسيرًا .
قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ ، صَدُوقِ اللِّسَانِ " قَالُوا : صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ ؟ قَالَ : " هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لاَ إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْىَ وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ " [ رواه ابن ماجة بإسناد صحيح كما في الترغيب والترهيب ] اللهم اجعلنا من أهل الإيمان ، وطهر قلوبنا من الحسد والغل ، والمكر والخديعة ، ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذي آمنوا ، ربنا إنك رءوف رحيم .