الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا، مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتَّقوا الله - تعالى - وأطيعوه، واشكروه على نعمه ولا تكفروه؛ {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34].
أيها المسلمون:
لقد ختم الله - تعالى - قصةَ سبأ بإخبارنا أن في قصتهم آياتٍ عدةً، وليست آية واحدة؛ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، وبتلمُّس بعض هذه الآيات يَبِينُ لنا العجبُ العجاب من بلاغة القرآن وإيجازه وإعجازه، وموعظة الله – تعالى - لنا به وبقصصه.
فمن الآيات في قصة سبأ: أن حالة مساكنهم ورغدهم كانت آية على قدرة الله - تعالى - ورحمته وإنعامه، وفي إرسال السيل عليهم آية أخرى على شدة انتقامه، وسرعة عذابه، وفي تحوُّل حالهم من النعمة إلى النقمة آية على أن الله - سبحانه وتعالى - هو المالك المدبِّر المتصرِّف في عباده بما شاء، فيُعِز ويُذِلُّ، ويَرفع ويَخفض، ويُعطي ويَمنع، ويَرحم ويُعذِّب، وله الحجة البالغة على عباده، وله الحكمة الباهرة في أفعاله.
وفي انعكاس حالهم من الرفاهية إلى الشظف آيةٌ على تقلُّب الأحوال، وتغيُّر العالم، وآيةٌ على صفات الله - تعالى - من خَلْقٍ ورِزق وتدبير، وإحياء وإماتة، ويستفيد العباد من ذلك عدمَ اغترارهم بدوام الخير والنفع، ولا يأسهم من ارتفاع الشر والضر؛ فإن الله - تعالى - يغير من حال إلى حال.
وفيما كان من عمران إقليمهم، واتِّساع قُراهم، واتصالها ببلاد الشام، آيةٌ على مبلغ العمران، وعظمةِ السلطان، وأن عطاء الله - تعالى - لا حدَّ له، فهو الجواد الكريم، وهو على كل شيء قدير.
كما أن فيها آيةً على أن الأمن أساس العمران؛ ولذا لا بدَّ للبشر من تحصيل أسبابه، وتوطيد دعائمه، وتثبيت أركانه؛ إذ لا عيش لهم إلا بأمن، ورأسُ ذلك توحيد الله - تعالى - وطاعته، واجتنابُ المحرَّمات، والأخذُ على أيدي السفهاء المفسدين.
وفي تمنِّيهم زوالَ النعمة التي هم فيها بدعائهم على أنفسهم آيةٌ على ما قد تبلغه العقولُ البشرية من السَّفه والانحطاط، والإضرار بالنفس والأمة، والتسبُّب في زوالها وفنائها؛ ولذا جاء النهي في الشريعة المباركة عن الدعاء على النفس والولد والمال، وهو من العجلة المذمومة؛ {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11]، وفي حديث أُمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تَدْعُوا على أَنْفُسِكُمْ إلا بِخَيْرٍ؛ فإن المَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ))؛ رواه مسلم.
وفي حديث آخر قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تَدْعُوا على أَنْفُسِكُمْ، ولا تَدْعُوا على أَولادِكُمْ، ولا تَدْعُوا على أَمْوَالِكُمْ؛ لا تُوَافِقُوا من الله سَاعَةً يُسْأَلُ فيها عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيب لَكُمْ))؛ رواه مسلم.
وفيما صار إليه قوم سبأ من النزوحِ عن الأوطان، والتشتُّتِ في الأقطار - آيةٌ على ما يُلجئ الناسَ إلى ارتكاب المكاره والأخطار، ومفارقة الديار والأوطان؛ كما يقول المثل: "الحُمى أضرعتني إليك"، فالاستقرار نعمة لا يعرف قدْرَها إلا المشرَّدون!
كما أن في هذه القصة العظيمة دليلاً على قدرة الرب - جل جلاله - على تحويل النعم إلى نِقم، وقلبِ المنح إلى محن؛ ذلك أن الماء نعمة عظيمة، لا حياة لمن في الأرض إلا به؛ ولذلك يحتجزه الناس بالسدود، وهي من أعظم نعم الصناعة التي هُدِيَ البشر إليها، وانتفعوا بها، لكن الله - تعالى - حوَّل هذه النعمة العظيمة إلى نِقمة كبيرة على أهل سبأ، حين انطلق سيلُ سدِّهم عليهم، فأحال ديارَهم وجناتِهم خرابًا يبابًا.
وهذه القصة دليل على أن مِن سنة الله - تعالى - في عباده أنه - سبحانه - يجزي الشاكرين زيادةً ونماء، ويجازي الكافرين خذلانًا وعذابًا؛ {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الكَفُورَ} [سبأ: 17]، فمَن فهم هذه السُّنةَ الربانية وعمل بموجبِها، كان له الأمن والنعيم في الدنيا والآخرة، ومَن حاد عنها، وأعرض عن تذكير الله - تعالى - بها، كان من الهالكين.
ومن رأى حالنا، علم أن نعم الله - تعالى - قد اكتملتْ لنا كما اكتملت لسبأ؛ فرِزْقُ الله - تعالى - يتتابع علينا، ونعمه تحيط بنا، وقد أمَّنَنا في أوطاننا، ويَسَّر أسفارنا، ومِن كل خير أعطانا؛ فلنحذر أن نكون كما كان قوم سبأ، ولنكن كآل داود شكرًا للنعم؛ {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].
قال الحكماء: "ما زال شيء عن قومٍ، أشد من نعمة لا يستطيعون ردَّها"، وقالوا: "مَن لم يشكر النعمة، فقد تعرَّض لزوالها، ومَن شكرها، فقد قيدها بعقالها".
وصلوا وسلموا على نبيكم.