عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2009-03-26, 12:39 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
أخي: وقف معي مرة أخرى، أرأيت إن أدرك أهل الآمال آمالهم، هل أدركوها صافية خالية من الأكدار؟ وإن! هل دام ما أدركوه؟ وإن دام طويلاً! هل وقفت أنفسهم عنده؟ فقنعوا ولم يحدثوا أنفسهم بآمال أخرى؟

يا ذا المومل آمالاً وإن بعدتُ *** منه ويزعم أن يحظى بأقصاها

أنى تفوز بما ترجُوهُ ويكَ وما *** أصبحت في ثقةٍ من نيل أدناها

أخي: هي نفسك وأنت أعلم الناس بها، سلها، وظني بك أنها لن تصدقك، ولكنك أخي إن حاسبت نفسك عرفت أدواؤها! وإن عرفت الداء فإن الدواء سهل..

أخي: ألا ترى ما في القلوب من قسوة وغفلة؟ لا الوعيد يخوفها، ولا الوعد يصلحها، كسولة إذا دُعيت إلى الطاعات، نشيطة خفيفة إذا دعيت إلى الشهوات!

أخي: إنه داء طول الأمل، رأس الأدواء.. وداعية الأهواء..

أخي: بئس الداء داء طول الأمل، و بئس الولد ما ولده داء طول الأمل، ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة، والتسويف بالتوبة، والرغبة في الدنيا، والنسيان للآخرة، والقسوة في القلب، لأن رقته وصفاءه إنما يقع بتذكير الموت، والقبر، والثواب، والعقاب، وأهوال القيامة، كما قال - تعالى -: "فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ" [الحديد:16] [الحافظ ابن حجر].

أخي المسلم: كما رأيت ما الكسل عن الطاعات، والرغبة في الدنيا، ونسيان الآخرة، إلا جند من جنود طول الأمل، فكم أفسد طول الأمل من قلوب.. وكم دنس أقواماً في أوحال الذنوب..

فاعجب أخي ثم اعجب معي (كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له مستعداً، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملاً، وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفاً، فعلام تُعرجون؟ وما عسيتم تنتظرون؟ الموت؟ فهو أول وارد عليكم من الله بخير أو بشر!

يا إخوتاه سيروا إلى ربكم سيراً جميلاً) [خليد العصري].

أخي: أليس من العجيب أن تفنى الأعمار، ولا تنقضي الآمال، فكل يوم له أمل، وكل شهر له أمل، وكل سنة لها أمل، وهكذا يحيا صاحب الآمال في رحلة لا نهاية لها.

قال بعض الحكماء: (كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره؟ وشهره يهدم سنته؟ وسنته تهدم عمره؟ كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله؟ وتقوده حياته إلى موته؟!).

وما هذه الأيام إلا مراحل *** يحث بها داعٍ إلى الموت قاصد

وأعجبُ شيء لو تأملت أنها *** منازل تطوى والمسافر قاعد

أخي: أين أنت من ساعات فراغك؟

هل أفنيتها في الطاعات؟ أم استثمرتها في السعي خلف سراب الأمنيات؟!

قال معاوية بن قرة - رحمه الله -: (أشد الحساب يوم القيامة على الصحيح الفارغ!).

أخي في الله: إن المؤمن الصادق لا يشغله إلا الجد!

وإن المؤمن الصادق لفي شغل عن الآمال والأماني!

وإن المؤمن الصادق لفي مجاهدة دائمة مع نفسه!

وإن المؤمن الصادق لهو الذي إذا أصبح قال لهواه: تأخر! وقال لطاعة ربه: تقدمي.

قال خليد العصري - رحمه الله -: (المؤمن لا تلقاه إلا في ثلاث خلال: في مسجد يعمره، أو بيت يستره، أو حاجة من أمر الدنيا لا بأس بها).

أخي: هل تعلم من هو الزاهد الحقيقي؟!

فها هو الإمام الرباني أحمد بن حنبل - رحمه الله - يُسأل: أي شيء الزهد في الدنيا؟! فقال: (قِصر الأمل، من إذا أصبح يقول: لا أمسي!).

أخي: ذاك هو الزاهد حقاً، فإن الدنيا أخي أهون من أن يتعلق بها قلب العبد، ليفني عمره في اللهث خلفها، فإذا فاته شيء منها اغتم وحزن!

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: (الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غمّ ساعة، فكيف بغم العمر؟!!)

لم يُمتع بالذي كان حوى *** من حُطام المال إذ حلّ الأجل

إنما الدنيا كفيء زائل *** طلعت شمس عليهْ فاضمحل

أخي: كم من جامع للدنيا أتته المنية بغتة! فرحل عن الدنيا ولم يتبعه منها إلا عمله؟

ألا فاسمع معي أخي إلى هذه الوصية الغالية يهديها إليك الصحابي الصادق أبو الدرداء رضي الله عنه.. فها هو يقوم يوماً في مسجد دمشق فيقول: (يا أهل دمشق ألا تسمعون من أخ لكم ناصح؟!

إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيراً، ويبنون مشيداً، ويأملون بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، وبنيانهم قبوراً، وأملهم غروراً، هذا عاد قد ملأت البلاد أهلاً ومالاً وخيلاً ورجالاً! فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين؟!).

أخي المسلم: ألا قلت معي: يا غافلين من قال لكم: إن الدنيا دار إقامة؟! ألا ترون أن الخلق كل يوم مرتحلين نحو الدار الآخرة؟! من عمر في هذه الدنيا حتى أدرك كل آماله؟!

أخي: ألا ترى إلى وصية النبي لابن عمر - رضي الله عنهما - يوم أن أخذ بمنكبه فقال له: { كن في الدنيا كأنك غريب! أو عابر سبيل }.

وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) [رواه البخاري].

أخي: (وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطناً فينبغي أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه. أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البته! بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا أوصى النبي ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين) [الإمام ابن رجب].