مقومات نجاح الشراكة:
ثم تبين أ. سحر المصري مقومات نجاح الشراكة بقولها: "وتلخّص مقومات نجاح الشراكة في الآتي:
• صياغة دستور مشترك يحدِّد وظائف وأعمال كلٍّ منهما بشكل واضح.
• التعاون في حل المشكلات الأُسرية.
• التشاور في كل أمور العائلة وأدق التفاصيل فيها.
• أخذ الرأي حتى في الأمور اليومية.
• الاتفاق على كيفية تربية الأولاد والولادة وغيرها من الأمور.
• التقريب في وجهات النظر في حال الخلاف.
• وضع دستور في بداية الحياة الزوجية عن كيفية التعامل بينهما.
• المشاركة في وضع الأهداف الاستراتيجية للعائلة.
• الحرص على احترام أفكار الطرف الآخر والاهتمام بوجهة نظره.
وفي استيضاح وُزِّع على عيّنةٍ عشوائية تشمل مائتي زوج ومائتي زوجة تبيَّن أن هناك أولويات مشتركة بينهما في الحياة الزوجية ولعلّ أهمها كان: الاحترام المتبادل الشامل، وعدم الاحترام لا يتمثَّل فقط في الضرب والشتم والسباب، بل إن مجرد التجاهل وعدم أخذ الرأي والمشاركة في القرار وتسفيه الأعمال والأقوال هو أشد مظاهر فقدان الاحترام الذي يؤذي معنوياً إلى درجة كبيرة ويحدِث تباعداً بين الزوجين فتنتفي رُوح المودّة والرحمة والسكينة التي هي ركائز الزواج الأساسية كما جاء في القرآن الكريم؛ قال الله جل وعلا: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
يقول الدكتور مأمون مبيض: "إن المشاركة في السلطة ليس خسارة لأحد الطرفين، وإنما دعم وقوة للمجموع. وقد أصبح الأصل في العلاقة الزوجية التكافؤ والصداقة والاحترام، وعلى كل طرف، ليس فقط تجنب ما يزعج الآخر، وإنما أن يسعى أيضاً للقيام بما ينفع الشريك الآخر، إنهما معاً على أرض واحدة، كشريكين مسئولين متعاونين في اتجاه واحد".
ويضيف: "وعلينا أن نضع نصب أعيننا أن الزوج ليس ندًا أو عدواً أو منافساً يجب أن نواجهه ونتحداه، وأن الحياة الزوجية ليست معركة علينا أن نخوض غمارها وننتصر فيها. ولا بد لنا أن نقف عند نقطة هامة وجوهرية، ونعي أنه ليس المهم من بيده سلطة اتخاذ القرار بقدر ما هو مهم أن يكون القرار المتخذ والمعمول به قراراً سليماً وفي صالح الحياة الزوجية".
الطاعة والقوامة:
ثم تضيف أ. سحر المصري فتقول: "جعل الله جل وعلا للأسرة رئيساً واحداً وأعطاه القوامة؛ فقال عز وجل: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].. ولكن هذه القوامة ليست تسلطاً ولا دكتاتورية ولا تحقيرًا وإنما تهذيب ورعاية..
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره: "أي: قوَّامون عليهن بإلزامهنّ حقوق الله تعالى، من المحافظة على فرائضه، وكفهنّ عن المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك، وقوَّامون عليهنّ أيضاً، بالإنفاق عليهنّ، والكسوة، والمسكن".
ويفيض سيد قطب رحمه الله تعالى في هذه النقطة فيقول: "ينبغي أن نقول: إنَّ هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني، ولا إلغاء وضعها المدني. وإنَّما هي وظيفة داخل كيان الأسرة لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها، ووجود القَيِّم في مؤسسةٍ ما لا يلغي وجودَ ولا شخصيةَ ولا حقوقَ الشركاء فيها، والعاملين في وظائفها، فقد حدَّد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية وصيانة وحماية، وتكاليف في نفسه وماله، وآداب في سلوكه مع زوجه وعياله".
وفي المقابل فإنّ طاعة المرأة لزوجها واجب عليها، وقد قال الحبيب عليه الصلاة والسلام: "إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت"، فإنما هو جنّتها ونارها، ولكن هذه الطاعة التي يجب أن تكون في معروف ليست تقليدًا أعمى وعدم لشخصية المرأة، وإنّما فرضها الله تعالى على المرأة لضمان استقرار الأسرة ولمصلحة جميع أفرادها، فحين تطيع المرأة زوجها ويستشعر زوجها منها هذه الطاعة النابعة من قلبٍ راضٍ ومُحِب، فهذا سيورِث الأسرة من السعادة والاستقرار ما يقرِّب بين أفرادها.
نقطة على حرف:
ثم تختتم حديثها أ. سحر المصري قائلةً: "مهما عظُمَ إدراك ووعي وانشغال الرجل فلن يصل إلى ما وصل إليه الحبيب صلى الله عليه وسلّم، فلا يحتجنَّ أحدٌ من الرجال أنه من العظمة بمكان يؤهّله لإلغاء زوجته، بل إني أراها منقصة فيه أن لا يعرف كيف يحتوي زوجته ويحترم آراءها وأطروحاتها حتى لو لم تكن بالمستوى المطلوب.
فهذا الحبيب عليه الصلاة والسلام وقد كان مشغولاً بإدارة أمّة بأسرها ونشر تعاليم الدين في مجتمع جاهلي إلا أنه لم يتوانَ عن أخذ مشورة نسائه ومشاركتهنّ الآراء والمسؤولية، ليس فقط في أمور البيت، بل فيما يخصّ أمور الأمّة جمعاء! فكان يفضي إلى أهله بما يستره عن غيرهن وفي أمور العامّة وخاصة أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها إذ كانت موطن سرّه.
وأضرب في هذا السياق أمثلة لو تأملها الأزواج لعرفوا عظمة هذا الإسلام الذي رفع من قيمة المرأة وجعلها شريكة للرجل وليست تبعاً له وترجم هذه المعانيَ الراقيةَ على أفضل وجهٍ سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم لنقتدي به.
فهذه أمّنا خديجة يلتجئ إليها الحبيب ويشركها فيما أهمّه حين نزل عليه الوحي فخشي على نفسه، فآزرته وزمّلته، وهذه أمّ سلمة يدخل عليها الحبيب عليه الصلاة والسلام ويطلب مساعدتها يوم الحديبية فتشير عليه بحكمتها أن يخرج لينحر ويحلق فيتبعه أصحابه وهكذا كان وفرَّجت أزمة الحبيب عليه الصلاة والسلام الذي أعطى صورة مشرقة عن احترام وتقدير رأي الزوجة، وقد استشار زوجاته أيضاً في أمر تسريحهنّ أو بقائهنّ معه.
همسة إلى الرجل:
وتهمس أ. سحر المصري همسة لكل رجل فتقول: "إنّ الدين القويم هو أحقّ بالاتّباع من العادات، فادرس معاني القوامة والسلطة ورئاسة الأسرة من منطلقٍ شرعيّ وليس من مفاهيم ورثتها عن أهلك، فالمرأة –خاصة إن كانت متعلمة ومثقفة– تستحق المشاركة في القرار، ولكَ في الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة وهو يقول: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"، وقال أيضاً: "استوصوا بالنساء خيراً".. فاتّبِع!
وأُخرى إلى المرأة:
ثم تُردف أ. سحر المصري بهمسة إلى المرأة فتقول: "قد تشعرين أن زوجك لا يتمتّع بمقوِّمات تؤهِّله ليكون قوّاماً عليكِ، فإيّاكِ أن تُشعريه بذلك، واستخدمي ذكاءكِ لتديري دفّة القيادة من دون إهانة ولا سيطرة ولا سخرية؛ حاوريه واطرحي ما ترغبين بطريقة ذكية دون الإكثار من النصح، وادفعيه إلى أن يأخذ برأيك دون إصرار منك، تقربي منه وتتبّعي حسناته وأبدي له الإعجاب والاحترام، اتّقي الله جلّ وعلا فيه، وادعيه سبحانه أن يعينكِ على إمساك زمام الأمور بحكمة ووعي، أمّا إن كان أهلاً للقوامة ولكنّ "الكبرياء!" تمنعك من الخضوع له فراجعي نفسك قبل أن تغرق السفينة وهيهات أن ينفع الندم!
ثم تضيف أ. سحر قائلةً: "إنّ هذه الرابطة الزوجية قد عبَّر عنها القرآن الكريم بلفظ "الميثاق الغليظ" لأهميتها في استقرار النفوس والقلوب، وأرسى الإسلام لها قواعد وضمانات، وتوسّعَ في تبيان الأسس التي على الزوجين أن يلتزما بها للوصول إلى لبنة متينة في مجتمعٍ إسلامي مستقر ينشده الجميع ويتوق إليه، وما علينا إلا الاتباع لنصل إلى الاستقرار والسعادة".