عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 13  ]
قديم 2009-03-05, 3:24 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
فصل في التخلية والتحلية ..
**
يسعى الشيطان جاهدا بخيله ورجله ، وكل حيلة تتيسر له ،
أن يغمس هذا الإنسان في مستنقع المخالفات ،
فيتلطخ بأخلاق لا يرضى بها الله تعالى ،
ويصرفه عن أخلاق يحبها الله .. ويحب من يتخلق بها ..
وفي حالة مثل هذه يحتاج هذا الإنسان إلى ما يسمونه
( التخلية والتحلية ) ..
فلنقرأ جيدا هذا الفصل فإنه هام ..
_ _
والآن ركز معي ..
في باب التخلية والتحلية ، أنت بين أمرين :
إما أن تتخلى عن خلق ، وتتحلى بخلق آخر _ ضد الأول _
كأن تتخلى عن الكبر ، لتتحلى بالتواضع
ثم تنتقل إلى خلق آخر ، ثم آخر .. ثم آخر ..وهكذا
وهكذا شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى الذروة
وإلى الكمال الذي يقدره الله لك في هذه الرحلة المشرقة.
والطريق الآخر هو :
أن تضرب بضربة واحدة أصل كل خلق ذميم ،
وتتحقق بالأصل الذي ينبع منه كل خلق حميد ،
ثم يأتي كل شيء بعد ذلك يسيراً ، فيكون الكمال بإذن الله تعالى ..
* *
_ إن المربي الناجح ، إذا جاءه إنسان صادق :
هو الذي يستطيع بضربة واحدة ، أن يحل له عقده كلها ،
ليجعله ينطلق من جديد ، في حياة مشرقة مع الله تعالى..
وإن أخصر طريق لتحقيق النفس بكل كمال ، وتخليتها عن كل نقص هو :
أن توضع النفس في ظرف تتخلص فيه دفعة واحدة من رعوناتها كلها ،
وتتخلق بعبوديتها الخالصة لله سبحانه ، متحلية بصفات الكمال ..
وأعظم المربين هو الذي :
يستطيع أن يعرف كيف يضع الإنسان في نقطة البداية هذه ..
وأصدق الطالبين هو :
من لا يبالي أن يفعل ما يؤمر به في سبيل الوصول إلى هذه الذرا ..
فقد يؤمر مثلاً : أن يقوم بخدمة إخوانه ، أو بأن يتتلمذ على من هو دونه ،
أو بمخالفة نفسه في أمور معينة مباحة ..
أو أن يقوم بأعمال خير معينة ... الخ .
فإذا فعل ذلك فإنه يكون قد تحرر من جزء كبير من أمراض النفس
التي تحول بينه وبين الارتقاء .
أن المقصود بالطريق الآخر _ الذي اشرنا إليه قبل قليل هو :
أن تجهد نفسك من أجل أن تتحقق بمقام الإحسان :
( أن تعبد الله كأنك تراه .. فإن لم تكن تراه فإنه يراك )
هذا المقام كفيل أن ينسف كل خلق ذميم مرة واحدة ،
لأنه لا شيء يحرق الأخلاق المذمومة كأن يعيش الإنسان :
وهو في حالة شعور قلبي بأنه يرى الله ، أو أن الله تعالى يراه ..
ولكن ذلك يقتضي منك ايها الصادق :
جهد ..ومجاهدة.. ومراقبة ..ومحاسبة.. وذكر ..ومذاكرة..
واجتماع على الخير حتى يتأصل في جذر القلب بذور هذا المقام الرفيع ..
ومن عرف فضل هذا المقام ، وكثرة بركاته وثمراته وخيراته :
فلن يبالي أن يبذل لأجله الكثير ، ويضحي لأجله بكثير من شهواته
والقاعدة القرآنية تقرر :
( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )
ابذل من نفسك ، ومالك ، ووقتك ، وجهدك لله تعالى ..
ثم انظر ماذا يعطيك الكريم سبحانه ..
العجيب أننا نرى أكثر الخلق يبذلون من أجل شهوات حقيرة :
جهودا جبارة ، وأموالا كثيرة ، ووقتا كثيرا ..
ثم لا نرى من يبذل لأجل تحصيل مرضاة الله إلا الشيء القليل ،
وقد يمن على الله أنه بذل هذا القليل من نفسه !!
إن مقام الإحسان هذا ، يحتاج إلى وقفة متدبرة متأنية :
فتأمل ما يلي بقلب واعٍ ، وعقل يقظ :
أن تعرف أن الله سميع بصير قدير : هذا فرض الفروض عليك ،..
ولكن أن تستشعر بقلبك أن الله يسمعك إذا تكلمت ..
ويراك إذا أقدمت على فعل _ مهما كان هذا الفعل صغيرا جدا في عينك_
وأن تستشعر بقلبك أن هذا الكون كله هو فعل الله سبحانه :
كما قال تعالى : ( الله خالق كل شيء ) ..
وأن ترى بقلبك المنور بذكر الله أن أفعالك كلها هي كذلك فعل الله تعالى :
( والله خلقكم وما تفعلون )
بشرط أن تتأدب بأدب النبوة وأخلاق القرآن :
فتنسب الخير إلى الله تعالى ، أما الشر فإلى نفسك ..
فإذا وصلت إلى هذه المعاني الراقية :
تكون قد وضعت قدمك إلى الطريق الصحيح
الذي يحررك من إلقاءات الشيطان كلها ، فلا يكاد يصيبك إلا لماما ..
فبقدر المعرفة القلبية الشعورية الذوقية لله سبحانه وصفاته العليا :
يكون الارتباط به ، والإقبال عليه ، والحضور معه ، والحب له ، والشوق إليه
وثمرة ذلك ما يلي :
بركة في عمرك كله ، حيث تتحقق بالإخلاص له سبحانه ،
والتوكل عليه ، والخشية منه ، والحياء منه أيضا :
لأنك تستشعر بأنك مكشوف بين يديه في كل ساعة من ساعاتك .
ومن ثم فإن علينا أن نضع في حسابنا :
أن نجاهد أنفسنا جهادا شديدا للوصول إلى مقام الإحسان هذا
وابتداء علينا أن نتعرف على هذا المقام ، وصفات أهله
والطرق الموصلة إليه .. ونحو هذا ..
وبالله التوفيق ..