مدخل هام _ مقدمة _
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ،
ونشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
وبعـــد ،
** فهذه باقة مختارة اجتهدت أن اقتطفها من بساتين متنوعة ،
وحرصت على أن ألتقط لإخوتي المختصر المفيد ،
كما يلتقط العاقل أطاييب الثمر لضيوفه وأهل بيته ..
فأسأل الله أن ينتفع بها قارئها في مستقبل أيامه : ليعيش مع الله سبحانه وفي كنفه الآمن ..
يفيض على قلبه أنواراً وبركات وحلاوة إيمان ..
إن قصة الشيطان مع الإنسان ، قصة ليس كمثلها قصة ، ومحنة ما بعدها محنة ،
وإن الله سبحانه _ لحكمة أرادها _ امتحن الإنسان بهذا العدو المرعب المتربص الكامن ،
غير أنه سبحانه أمد هذا العبد الضعيف بأسباب القوة ، ودله على ما يعينه في هذه المعركة الضروس ،
وأرشده ، وحذره ، وأكثر من التنبيه عليه ، والتذكير له ،
وفتح عينيه لمداخل هذا العدو ، وأبوابه ، وأهدافه ، ووسائله..الخ
وكما قيل : لقد أعذر من أنذر !!!
ولقد أقام الله سبحانه وتعالى الحجة على العباد ، فوضع النقاط على حروفها ،
ووضح الأمور غاية التوضيح ، ليهلك من هلك عن بينة ، وليحيا من حي عن بينة كذلك .
ولولا خشية الإطالة لامتد النفس في هذا البحث ، وطال العرض ، وتشعب الموضوع ،
ولكن اجتهدنا أن نقدم خلاصة الخلاصة ، وعصارة الموضوع ،
فإن نجحنا في ذلك ، فلا ينبغي أن ينسب الفضل إلا لله سبحانه فله الحمد والمنة وحده ،
أما أنا فلا ينبغي أن ينسب إليّ إلا التقصير والقصور والخطأ ، فإن كان الأمر كذلك فإني أبادر لاستغفر الله عز وجل وأتوب إليه ..
_ وقبل الشروع في قراءة هذا البحث علينا أن نلاحظ أموراً منها :
أن كثرة الآيات تدل على أهمية الموضوع ، ليصبح في حكم البديهية ،
ومع هذا ترى العجب العجاب :
أكثر الخلق عن هذا المضوع في غفلة معرضون ..!
والعجيب أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا !!
وإنه لنبأ عظيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
من تقريرات القرآن الكريم التي ينبغي أن تبقى عالقة في الذهن :
= أنها حرب لا هوادة فيها ، وأنها طويلة المدى ، مستمرة مع الأنفاس ..
= اليقظة ساعة ، لا تغني عن الساعات الأخرى .، والحرب سجال .
= لابد من كشف طرائقه ، ومعرفة وسائله ، مداخله وأبوابه ، والتنبه إلى أهدافه ..الخ
= قررالقرآن كثيرا : أن الشيطان لا يملك سلطاناً على أحد ، وليس بيده إلا الوسوسة .
= رسم خطة الخلاص منه ، وحدد مجموعة الأسلحة التي تفيد في مواجهته .
= نبه كثيراً إلى ضرورة معرفته والوعي له ، لتجنب مقاتله :
ضربوا لذلك مثالاً لطيفا :
فريق رياضي يعرف خطة الفريق الخصم ونقاط ضعفه ، هذا الفريق أقرب إلى الفوز بالتأكيد ..
= أكثر القرآن الكريم من التحذير من عبادة الشيطان :
( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان ) ..
فهما طريقان : إما ولاء لله سبحانه ، وإما ولاء للشيطان والعياذ بالله .
= كما حذر القرآن كثيراً من مجرد الإصغاء إلى وساوسه ، واتباع خطواته .
يلاحظ أن الله قص علينا قصة الشيطان مع أبينا آدم عليه السلام ،
في أول قصص القرآن ثم أعاد وكرر لتبقى القصة حية ماثلة لا تغيب ..
كأنه يقول لك :
من عادى أباك وأشقاه وتكبر عليه ، كيف تواليه أنت !؟!
ومن أعلن عداوته وبغضه لك صراحة ، كيف تميل إليه ؟!
ومن تأمل الأحاديث النبوية الشريفة نعلم أن الشيطان دائم الوسوسة لا يمل ولا يكل ،
وأن وسوسته قد تصل إلى درجة خطرة جداً ، بأن يقود الإنسان إلى أمور عظيمة :
كالتفكر في الذات الإلهية ، ودوائر لا ينبغي الولوج إليها ..
أن تدبر قصة آدم عليه السلام وما وقع له فيها ، فيها أعظم العبرة :
لم يكن منهياً إلا عن أمر واحد لا غير ، ومع هذا استطاع الشيطان أن يورطه فيوقعه …!!
إن تدبر هذه المسألة ، يؤكد على خطورة القضية ، ووجوب الحيطة وأخذ الحذر.
وضرورة اليقظة الدائمة ، لاسيما والفتن اليوم كقطع الليل المظلم ، لا يسلم منها إلا من رحم الله .. والعجيب أننا كما قيل :
نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي *** درج الجنان لدى النعيم الخالدِ
ولقـد علمنا أخرج الأبويـن مـن *** ملكوته الأعـلى بذنـب واحـدِ
يا إلهي الرحمة .. اشملنا برحمتك يا رحمن يا رحيم ، وتب علينا توبة ترضيك عنا ..
وأخيراً علينا أن لا ننسى أن الشياطين من أمر الغيب ،
ومن أهم ما يميز المؤمن هو هذا :
أعني الإيمان بالغيب ( الذين يؤمنون بالغيب )..
والشياطين هم الجهة المقابلة للملائكة في بعض الحيثيات ..
فالملائكة تفعل الخير وتأمر به ، وتثبت عليه ، وتدعو لأهله ..
والشياطين تفعل الشر ، وتأمر به ، وتثبت عليه ، وتدعو أهله ..
فمع إي الفريقين ترغب أن تكون ؟! فكر في هذه القضية كثيرا ..
ولكن ليس بمجرد الأماني تتحقق الآمال ، لابد من بذل مزيد من الجهد للوصول
إلى ما ينبغي الوصول إليه .. فلنمضِ في الطريق ونحن على تمام الثقة بالله :
أنه لن يتخلى عنا ما دمنا نحرص على طلب مرضاته ..
والقاعدة القرآنية التي نحفظها تقول : .. ( والذين جاهدوا فينا : لنهدينهم سبلنا ) ..
فعلى اسم الله نسير ، وبذكر الله نقطع سفر الحياة ،
وبين الخوف والرجاء لا نزال نتأرجح ،
وثقتنا بالله أنه لن يكلنا إلى عدونا الذي يقطعنا عنه ، ويبعدنا منه ..و :
ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا *** نرجو رضاك مغنماً وجوارا
ربنـا تقبـل منــا ، انـــك أنـت السميـع العليـــم ، واغفـر لنــا إنـك أنـت الغفـور الرحيـم.
بو عبد الرحمن