عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2009-01-03, 7:41 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
رابعًا : يفكر في حاله مع الهوى: افرض أنه بلغك أن رجلاً سب إمامك، وآخر سب إماماً آخر، أيكون سخطك عليه وسعيك في عقوبته وتأديبه أو التنديد به موافقاً لما يقتضيه الشرع فيكون غضبك على الأول والثاني قريباً من السواء؟

افرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك، وقرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول آخر له، أيكون نظرك إليهما سواء، لا تبالي أن يتبين منها بعد التدبر صحة ما لاح لك، أوعدم صحته ؟

افرض أنك وقفت على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما، أحدهما يوافق قولاً لإمامك، والآخر يخالفه، أيكون نظرك فيهما سواء، لا تبالي أن يصح سند كل منهما، أويضعف ؟

افرض أنك نظرت في مسألة قال إمامك قولاً، وخالفه غيره، ألا يكون لك هوى في ترجيح أحد القولين، بل تريد أن تنظر لتعرف الراجح منها فتبين رجحانه؟

افرض أن رجلًا تحبه، وآخر تبغضه تنازعا في قضية، فاستفتيت فيها، ولا تستحضر حكمها، وتريد أن تنظر ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه؟

افرض أنك وعالماً تحبه، وآخر تكرهه أفتى كل منكم في قضية وأطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صواباً، ثم بلغك أن عالماً آخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى، وشدد النكير عليها، أتكون حالك واحدة سواء أكانت هي فتواك، أم فتوى صديقك، أم فتوى مكروهك ؟

افرض أنك تعلم من رجل منكراً وتعذر نفسك في عدم الإنكار عليه، ثم بلغك أن عالماً أنكر عليه وشدد النكير، أيكون استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكِر صديقك أم عدوك، والمنكَر عليه صديقك أم عدوك ؟

فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أونقص في الدين، وتجد من تبغضه مبتلى بمعصية أونقص آخر ليس في الشرع بأشد مما أنت مبتلى به؟ فهل تجد إستشناعك ما هو عليه مساوياً لاستشناعك ما أنت عليه، وتجد مقتك نفسك مساوياً لمقتك إياه؟

وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى، ولم يكلف العالم بأن لا يكون له هوى؟ فإن هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالم أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه؛ آثر الحق على هواه .

والعالم قد يقصر في الاحتراس من هواه ويسامح نفسه، فتميل إلى الباطل، فينصره، وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده، وهذا لا يكاد ينجوا منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء:

فمنهم: من يكثر الاسترسال مع هواه: ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس، ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد.

ومنهم: من يقل ذلك منه ويخف: ومن تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسا؛ً رأى فيها العجب العجاب، ولكنه لا يتبين له إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفاً لما في تلك الكتب، على أنه إذا استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلهم متبعون للهوى . وقد كان من السلف من يبلغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوه وعدوه، فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه، وهذا كالذي يمشي في الطريق ويكون عن يمينه مزلة فيتقيها ويتباعد عنها، فيقع في مزلة عن يساره !

خامسًا: يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو عن أن يكون قد سلف منه تقصير أو لا : فعلى الأول: إن استمر على ذلك كان مستمراً على النقص ومصراً عليه، وذلك هو هلاكه، وإن نظر فتبين له الحق، فرجع إليه حاز الكمال، وذهبت عنه معرة النقص السابق، فإن التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد قال الله تعالى: {...إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[سورة البقرة].

وفي الحديث: (( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ )) رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي وأحمد.

وأما الثاني: وهو أن لا يكون قد سبق منه تقصير، فلا يلزمه بما تقدم منه نقص يعاب به البتة، بل المدار على حاله بعد أن ينبه، فإن تدبر وتنبه فعرف الحق فاتبعه فقد فاز، وكذلك إن اشتبه عليه الأمر فاحتاط، وإن أعرض ونفر؛ فذلك هو الهلاك .

سادسًا: يستحضر أن الذي يُهمه، ويُسأل عنه هو حاله في نفسه : فلا يضره عند الله، ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلمه، أو مربيه، أو أسلافه، أو أشياخه على نقص، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يسلموا من هذا، وأفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضى عنهم، وكان آباؤهم وأسلافهم مشركين . هذا مع احتمال أن يكون أسلافك معذورين إذا لم ينبهوا، ولم تقم عليهم الحجة .

وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به فاتباعك لهم وتعصبك لا ينفعهم شيئاً، بل يضرهم ضرراً شديداً، فإنه يلحقهم مثل إثمك، ومثل إثم من يتبعك من أولادك وأتباعك إلى يوم القيامة، كما يلحقك مع إثمك مثل إثم من يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعك إلى الحق هو خير لأسلافك على كل حال؟

سابعًا: يتدبر ما يُرجى لمؤثر الحق من رضوان رب العالمين، وحسن عنايته في الدنيا، والفوز العظيم الدائم في الآخرة، وما يستحقه متبع الهوى من سخطه عز وجل، والمقت في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة: وهل يرضى عاقل لنفسه أن يشتري لذة اتباع هواه بفوات حسن عناية رب العالمين، وحرمان رضوانه، والقرب منه، والزلفى عنده، والنعيم العظيم في جواره، وباستحقاق مقته وعذابه الأليم؟

لا ينبغي أن يقع هذا حتى من أقل الناس عقلاً، سواء أكان مؤمناً موقناً بهذه النتيجة، أم ظاناً لها، أم شاكاً فيها، أم ظاناً لعدمها، فإن هذين يحتاطان، وكما أن ذلك الاشتراء متحقق ممن يعرف أنه متبع هواه، فكذلك من يسامح نفسه، فلا يناقشها ولا يحتاط .

ثامنًا: يأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبين له : فلا يسامحها في ترك واجب، أو ما يقرب منه، ولا في ارتكاب معصية، أوما يقرب منها، ولا في هجوم على مشتبه، ويروضها على التثبت والخضوع للحق، ويشدد عليها في ذلك حتى يصير الخضوع للحق ومخالفة الهوى عادة له .

تاسعًا : يأخذ نفسه بالاحتياط فيما يخالف ما نشأ عليه : فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يرى أنه لا بأس بها، أو أنها مستحبة، وعلم أن من أهل العلم من يقول إنها شرك، أو بدعة، أو حرام، فيأخذ نفسه بتركها حتى يتبين له بالحجج الواضحة صحة ما نشأ عليه، وهكذا ينبغي له أن ينصح غيره ممن هو في مثل حاله، فإن وجدت نفسك تأبى ذلك، فأعلم أن الهوى مستحوذ عليها، فجاهدها .

واعلم أن ثبوت هذا القدر على المكلف أعنى أن يثبت عنده أن ما يدعى إليه أحوط مما هو عليه كاف في قيام الحجة عند الله عز وجل، وبذلك قامت الحجة على أكثر الكفار، فمن ذلك:

المشركون من العرب، لم يكن في دينهم الذي كانوا عليه تصديق بالآخرة، وإنما يدعون آلهتهم ويعبدونها للأغراض الدنيوية، مع علمهم أن مالك الضر والنفع هو الله وحده، ولذلك كانوا إذا وقعوا في شدة دعوا الله وحده، قال تعالى: { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... }[سورة لقمان].

وكانوا يرون من هو على خلاف دينهم لا يظهر تفاوت بينه وبينهم في أحوال الدنيا، وعرفوا فيمن أسلم مثل ذلك، ثم عرض عليهم الإسلام، وعرفوا على الأقل أنه يمكن أن يكون حقاً، وأنه إن كان حقاً ولم يتبعوه تعرضوا للمضار الدنيوية، وللخسران الأبدي في الآخرة، فلزمهم في هذه الحال أن يسلموا؛ لأنه إن كان الأمر كما بدا لهم من صحة الإسلام، فقد أخذوا منه بنصيب، وإلا فتركهم لما كانوا عليه لا يضرهم كما لا يتضرر من خالفهم، فلم يمنعهم من الإسلام إلا إتباع الهوى .

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}[سورة فصلت] .

وقال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}[سورة فصلت].

وقال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[سورة الأحقاف].

وتكذيبهم للحق وإعراضهم عنه بعد أن قامت الحجة عليهم بأن تصديقه واتباعه أحوط لهم وأقرب إلى النجاة؛ ظلم شديد منهم استحقوا به أن لا يهديهم الله إلى استيقان أنه حق، وهذا كما في قصة نوح، وقال تعالى: {...وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ}[سورة الأعراف] .

ونحوها في سورة يونس: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ}.

وقال عز وجل: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ . وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}[سورة الأنعام].

وفي [تفسير ابن جرير7 / 194]: '...عن ابن عباس قوله : {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ}... قال:' لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شئ وردت عن كل أمر'.

عاشرًا : يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات : فإنه إذا تم له ذلك؛ هان عليه الخطب، فإنه لا يأتيه من معدن الحق إلا الحق، فلا يحتاج إن كان راغباً في الحق، قانعاً به إلى الإعراض عن شئ جاء من معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات، لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه والتمويه، فالواجب على الراغب في الحق أن لا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة، بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهل الحق . والله الموفق .

ملاحظة: المقال يحتاج إلى قراءة أكثر من مرة حتى تجني ثمرته.

من كتاب: "القائد إلى تصحيح العقائد" وهو القسم الرابع من كتاب: "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" للعلامة الشيخ/عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني -رحمه الله-