الموضوع: ظمأ الأيام
عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 1  ]
قديم 2008-12-25, 2:11 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي ظمأ الأيام
ظمأ الأيام
في اللحظة التي يقارب فيها الإنسان الخروج من عتبات الحياة ، يحلو له النظر في مجريات حياته التي عاش حذافيرها غير مدرك لتفاصيل من نتف عاصرها ، ومعتركات من حياته التي سعد في أحضانها وأهطل دموع الآلام في مغبة كثير من أحزانها ، أيام تمرق على الإنسان كمروق السهم من القوس ، لا يلاحظ فيها مدى الأيام التي تعصف بسنيه إلى أرذل العمر ، ليفقد معها حلاوة الذكرى وعبق الماضي ، ويضيع في دوامة الكبر والنسيان ، كيف لا وهي سنين طوال حفلت بالحسن والسقيم ، تناولت شظاياها جماليات تربو على المحيا وتبعث على الراحة والتفاؤل بأمل بديع يأسر النفس إلى مراقي المحبة ، هو العمر يمضي دون تأني أو لحظة توقف مدعاة استراحة ، بل يسير قدماً إلى مآله المجهول ، والإنسان هو الذي يصنع أحداث حياته ، ويخطوها إلى آمان ورغبات يتطلع إليها بشوق ، ويجد ويعمل رغبة في تحصيلها وتحقيق بعضاً من أغراضها ، فمسيرة الحياة شجرة قد توطدت جذورها الأرض واعتلت سيقانها عنان السماء ، تبعث على السكون والركون إلى ظلها الزهري الوارف ، وبمدى صلابتها وقوتها تجابه الأعاصير الهائجة والفيضانات الجارفة ، فتكون بقوتها تلك ملاذاً للكثيرين ، ومشهداً يحتمي فيه الآخرين .
وهي مسيرة الحياة تعصف بحيثياتها آلام المواقف والأعراض ، وبقوة صاحبها تكون لها البقاء ونشاط القوة والتمكن ، وإلا فما من ملاذ من أحزان تلقي بها إلى ما لا ترغب ولا تتمني ، ومن هنا يستمد المرء قوته بصولاته في معالم الحياة ، وبأعراضها الضاربة والمفاجئة ، هنا تزداد منعته وتزدان خبراته ، فتكون معضلاته تحل من ضئيلات الحلول ، فقدرته باتت فائقة في إيجاد الحلول لنفسه وحتى لغيره ممن باتوا يتطلعون إليه بأمل واقتداء ، فهو منبع حلولهم وقاصي مشكلاتهم ، فتجاوزه لمعضلات الحياة منحته هذا الحق في مشروعية فرض الحلول للغير ، فالمحن تصنع الرجال وتنشأ الأبطال ، وتشد من عودهم وتمكن من قدراتهم ، والفطن من أدرك تلك المعان وظفر بمقوماتها وانتهجها في حياته كلها ، ولا حياة لمن لم تقومه الشدائد وتزيد من صلابته اتجاهها ، فلا حياة نفعت ولا مواقف أجدت ولا خبرة زادت .
هي الحياة واحة غناء ، ازدانت بزهور فواحة ومياه رقراقة ، تنتظر من يخوض في مياهها ويروي ظمأه ، فالحياة مسيرة حافلة لا رحمة ولا شفقة تعطي من يقدم لها ، وتمنح لمن يشق طريق الصعاب في غمارها ، لا حياة لأرباب الكسل ، فهي تألف من نشط في استغلالها وحسن العيش في خلالها ، وتمنح الأمل لكل من يرغب في الولوج في عتبة تقدمها والنهوض بمن يقطنها ، ولذا نلمح صفحات التاريخ وقد أشرقت برجال غيروا مجرى التاريخ وفرضوا أسماءهم في سجلات بيضاء ، تكون محط ذكرى ودراسة وتأمل للآخرين حتى آخر العمر ، واللماح من يقبض على حياته بصرامة ويسبرها بطموحه وآماله ليصل إلى عتبات الأمجاد ، وهو بذلك ليس وحده ، بل يحمل معه أمته إلى نيل تلك الفتوحات والانتصارات ، وهو كفرد من هذه الخليقة يؤثر في غيره فيزيد من مريدي ذاك الطريق ، ويدعم من نجاحه بجيل عامل مقدر لكل ما يدور في عالمه ، ولن نجني الثمار حتى نبذر بذرة التفوق ، وما كانت نجاحات من قبلنا إلا انتهاجهم ما يقدمهم إلى العالم بحسن منظر وجمال مخبر ، ولذا سطعت أنوارهم معالم الدنيا ، واستحالتها إلى مروج من المعرفة والثقافة تستحيل كل المناطق التي عمتها الأنوار ، ولن يكون ذلك حصادنا إلا بسلوكنا النهج الكريم من النبع الطيب الأصيل ، والذي حافظ على أصالته قروناً من الزمن ، وما نعانيه في هذه الأيام سوى مغبة لإغفالنا عن ذاك المنهاج القويم ، والذي أفصحت طرائقه عن أكرم حياة وأجملها نظارة وشفافية .
وإن كانت مسيرة الحياة تجرنا إلى قسرت الأيام وظلماتها ، وإلى مظالمها الموحشة وقسوتها المؤلمة ، فإن نبع الصفاء تسري جداوله في كل مكان ، تنتظر وبشوق من يقبل إليها ويرتوي بجمال هو الشهد في حلاوته والطيبة في راحته والسعادة في أنسه ، بل معها تصفو معاني الحياة ، وتعينها على خوض معتركاته المفاجئة ، وبتخطيط مسبق لكل الأحداث ، وتصورات كاملة واستيعاب شديد لكل ما يدور ، هي نبع الإيمان الطاهر ، ومياهه الهادرة المحملة برياحين المسك ، تصفو معها النفس وترقى إلى أبلغ مسالكها .
ومع الحب ننتشل أنفسنا من مرابض الكراهية إلى مروج السمحة وعالم الشفافية ، ولن تأسر الحياة إلا من أوصد على نفسه الأبواب وركن نفسه في حجرته ، معتزلاً الآخرين ، لا يعيش في عالم فسيح الأرجاء ، فهناك من غلقت عليه رحابة الدنيا ، ووجد بشاشته في جدران أربع أحاطته من كل جانب ، ولحظ نفسه في معزل سعيد !! ، فلتربو المحبة في أنياط القلوب فهي باعثة على سعادة عارمة تطغى على الحياة ، فهي معينة على الخلوص من شقاء العزلة ، والحب الإيماني هو المسلك الذي يؤمن الإنسان من مخالب الخوف والقلق ، فمعالمها بشاشة تعلو القسمات وخاطر يسع رواسي الجبال ، فالأفئدة التي اختلجت بالمحبة ترى السعادة بارزة على محيا أصحابها ، ولن يعيش على ظمأ هذه الدنيا ويطيق وهجها أحد ومهما تباعدت أصباره ، فارتوي من لظاها بنبع الإيمان الخالد ، فالحياة مسيرتها شاقة ، وأرجوا أن لا يدرك أحدنا هذه المعاني بعد فوات الأوان ، والتي لحظها الكثيرون عند نزعات الروح ، وكم نمني أنفسنا أن ندرك هذه اللحظات في عتبات مسيرتنا الحياتية ، وأن لا تغيب عنا طويلاً ، فإنا لا نطيق صبراً أن نعايش غمرة هذه الأيام من دون أن نروي ذاك الظمأ الذي ألحق بنا الضيق الشديد والكآبة البليغة ، والسوداوية الخبيثة في النظرة لمدلهمات الأمور .
ولن نلحق بركب غيرنا إلا بنظرة شاملة لكل ما يحدث ، مع تمسكنا بنبعنا الدافئ والذي دام صفاؤه وسيظل حتى يرث الله الأرض وما عليها ، وما كانت الصدارة لقبلنا إلا بنجاحهم في توظيفها بالشكل اللائم في زمانهم ، وذاك النبع قد اتسم بصلاحه لكل الأزمان ، وما علينا إلا أن نروي ظمأ هزائمنا ، فنستحيلها إلى نصر مؤزر داعم لقوتنا المنهجية والتقديرية ، وكل ذاك نصب أعيننا ، وما علينا إلا الارتواء .

أحمد بن خالد آل عبدالقادر