الوقفة السادسة :
المطر بيد الله وهو الذي ينزله ، قال سبحانه : { وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ } [ الشورى28 ] .
فإذا كان المطر بيد الله وهو الذي ينزله ، وهو الذي يحبسه ، فإنه لابد من اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بخشوع وتضرع ، وما نشاهده اليوم من قلة رواد صلاة الاستسقاء ما هو إلا دليل ضعف الإيمان ، وعدم معرفة حقيقية لقيمة الماء لو أمسكه الله عز وجل ومنع منه الناس والدواب ، فلذلك نشاهد العزوف عن صلاة الاستسقاء ، لأن أكثر الناس قد امتلأت بيوتهم بالماء من جراكن وخزانات وثلاجات ، مما سهل عليهم الحصول على الماء وبسعر زهيد ، لكن تأمل أهل البادية ، وتأمل تلك الحيوانات ، وتلك النباتات ، التي ليس لها مصدر للماء إلا ما يرحم الله به عباده منهم بنزول الغيث ، وانهمار المطر ، فإذا توقف هطول المطر عنهم ، وامتنع نزول الماء من السماء ، فلا تسأل عن حالهم ، وكيفية معيشتهم وحالتهم ، فهرب في كرب وضيق وشدة لا يعلمها إلا الله وحده .
فتراهم يلجئون إلى الله بصدق وإخلاص وبكاء ، وتضرع وخشوع ودعاء ، يخرجون إلى المصلى يستسقون عن بكرة أبيهم رجالاً ونساءً ، صغاراً وكباراً ، يبكون بكاءً مريراً ، بسبب توقف مصدر الحياة عن النزول ، أولئك قوم عرفوا قدر رحمة الله تعالى عليهم .
إلا أننا نجد أن أكثر الناس لا يقدرون هذا الوضع ، فتراهم لا يسارعون إلى المساجد في صلاة الاستسقاء ، مع أن إخوانهم من أهل البوادي بحاجة ماسة لنزول المطر ، فهم لا يشاركونهم مصابهم ، بل لا يبالون بهم ، وهذا من الغفلة وعدم اجتماع كلمة الأمة ، ودليل على تفرقها وعدم التئام شتاتها ، فهي ليست كما أراد منها ربها وخالقها ، وليست كما أراد منها نبيها صلى الله عليه وسلم القائل : " مثل المؤمنين "
فلوا حصل جفاف في الأرض لا سمح الله لرأيت أمراً مهولاً من إقبال الناس على صلاة الاستسقاء ، حتى أن جميع المساجد لا تسعهم ، ولكنهم في غفلة معرضون ، فمتى يفيقون ؟
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً .
الوقفة السابعة :
الغفلة عن أهمية المطر والماء ، ولنا وقفة مهمة هنا ، فأكثر الناس اليوم لا يصلون صلاة الاستسقاء ظناً منهم أن النعم تدوم ولا تنعدم ، وكأنهم لم يقرءوا كتاب ربهم تبارك وتعالى ، وكيف أن الأمم السابقة التي عتت عن أمر ربها ورسله ، حاسبها ربها حساباً شديداً ، وعذبها عذاباً نكراً ، فذاقت وبال أمرها ، وكان عاقبة أمرها خسراً .
ومن تلكم الآيات الدالة على النعم لا تدوم ، بل ربما تزول ، قوله تعالى : { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } [ النحل112 ] ، وقال تعالى : {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } [ سبأ15 ] .
فانظر كيف كانت عاقبة الظلم وأهله ، والفساد ودعاته ، والكبر وبغاته ، تبدل النعم إلى نقم ، والخيرات إلى أرض قفر ، والعزة إلى ذلة ، والكرامة إلى إهانة ، هكذا هو حال كل من يخرج عن أمر ربه ، ويترك أوامره ، ويرتكب نواهيه ، نهاية سيئة ، وخاتمة وخيمة ، وخسارة جسيمة .
إن العالم اليوم تفوح منه روائح العناد والكبر على الواحد القهار ، يحاربون الله بالربا ليل نهار ، يأكلون الرشوة ، ويأكلون أموال الناس بالباطل ظلماً وعدواناً .
لقد تعددت ألوان الدعوة إلى الربا صريحة عبر وسائل الإعلام بمختلف صورها وأشكالها ، محاربة لمالك الأرض والسماء ، فكيف يفلح أناس أعلنوها حرباً شعواء على خالقهم ومالكهم ورازقهم ؟
إنه حرب غير متكافئة ، ولو أراد الله ذي الجبروت والقوة والملكوت أن يهلكهم في لحظة واحدة لأهلكهم ، قال تعالى : { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } [ الكهف58 ] ، وقال من حكم وقهر : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [ النحل61 ] .
وقال سبحانه وتعالى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } [ فاطر45 ] .
اليوم وبسبب جرائم المال الحرام ولاسيما جريمة الربا ، توقفت السماء عن قطرها ، وأمسكت الأرض نباتها ، لقد انهار الاقتصاد العالمي المالي برمته بسبب الربا والمعاملات المحرمة ، حتى اعترف الكفار أنفسهم أنه لابد من التعامل بنظام الاقتصاد الإسلامي الخالي من كل غش أو ظلم أو تدليس ، حتى تعود المصارف إلى عافيتها وصحتها وتتكدس أموالها .
فهل يعقل المسلمون ذلك ؟ ويتركوا التعامل مع البنوك الربوية ، وجميع بنوكنا اليوم ربوية ، وجل معاملاتنا ربوية ، فإذا أردنا رحمة الله ومغفرته فعلينا بالتوبة إلى الله من جميع التعاملات الربوية المحرمة ، والحذر كل الحذر من الأسهم المحرمة والمشتبهة ، فإن ذلك فساد في الأنظمة ، ودمار للأمة ، اللهم رحماك رحماك ، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء مِنَّا ، اللهم أرسل على الغيث تفضلاً منك ومَنَّا .