إنــــه الحـــب ... فهل أنت محبوبة ؟(الحلقة الرابع والعشرون)
المفتاح الرابع والعشرون :
((الأمانة ))
ما هي الأمانة؟
الأمانة : هي أداء الحقوق، والمحافظة عليها، فالمسلم يعطي كل ذي حق حقه؛ يؤدي حق الله في العبادة، ويحفظ جوارحه عن الحرام، ويرد الودائع... إلخ.
وهي خلق جليل من أخلاق الإسلام، وأساس من أسسه، فهي فريضة عظيمة حملها الإنسان، بينما رفضت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها لعظمها وثقلها !!
يقول تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً}
[الأحزاب: 72].
وقد أمرنا الله بأداء الأمانات، فقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58].
وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم الأمانة دليلا على إيمان المرء وحسن خلقه، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)
[أحمد].
ومن أبرز مااتصف به الأنبياء والمرسلون الأمانة .
ونجد هذا التعقيب عند عرض كل نبي لرسالته : (( إني لكم رسول أمين ))
ونبينا - صلى الله عليه وسلم - اشتهر بالصدق والأمانة قبل البعثة , وقد ضرب لنا أروع الأمثلة في رد الأمانات إلى أهلها !!
فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ودخل المسجد الحرام فطاف حول الكعبة، وبعد أن انتهى من طوافه دعا عثمان بن طلحة -حامل مفتاح الكعبة- فأخذ منه المفتاح، وتم فتح الكعبة، فدخلها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام على باب الكعبة فقال: (لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده...).
ثم جلس في المسجد فقام على بن أبي طالب وقال: يا رسول الله، اجعل لنا الحجابة مع السقاية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أين عثمان بن طلحة؟) فجاءوا به، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم برٍّ ووفاء) [سيرة ابن هشام]. ونزل في هذا قول الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58]. وهكذا رفض النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء المفتاح لعلي ليقوم بخدمة الحجيج وسقايتهم، وأعطاه
عثمان بن طلحة امتثالا لأمر الله بردِّ الأمانات إلى أهلها.
أنواع الأمانة:
الأمانة لها أنواع كثيرة،منها:
الأمانة في العبادة: فمن الأمانة أن يلتزم المسلم بالتكاليف، فيؤدي فروض الدين كما ينبغي، ويحافظ على الصلاة والصيام وبر الوالدين، وغير ذلك من الفروض التي يجب علينا أن نؤديها بأمانة لله رب العالمين.
الأمانة في حفظ الجوارح: وعلى المسلم أن يعلم أن الجوارح والأعضاء كلها أمانات، يجب عليه أن يحافظ عليها، ولا يستعملها فيما يغضب الله -سبحانه-؛ فالعين أمانة يجب عليه أن يغضها عن الحرام، والأذن أمانة يجب عليه أن يجنِّبَها سماع الحرام، واليد أمانة، والرجل أمانة...وهكذا.
الأمانة في الودائع: ومن الأمانة حفظ الودائع وأداؤها لأصحابها عندما يطلبونها كما هي، مثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين، فقد كانوا يتركون ودائعهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم ليحفظها لهم؛ فقد عُرِفَ الرسول صلى الله عليه وسلم بصدقه وأمانته بين أهل مكة، فكانوا يلقبونه قبل البعثة بالصادق الأمين، وحينما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ترك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ليعطي المشركين الودائع والأمانات التي تركوها عنده.
الأمانة في العمل: ومن الأمانة أن يؤدي المرء ما عليه على خير وجه، فالعامل يتقن عمله ويؤديه بإجادة وأمانة، والطالب يؤدي ما عليه من واجبات، ويجتهد في تحصيل علومه ودراسته، ويخفف عن والديه الأعباء، وهكذا يؤدي كل امرئٍ واجبه بجد واجتهاد.
الأمانة في الكلام: ومن الأمانة أن يلتزم المسلم بالكلمة الجادة، فيعرف قدر الكلمة وأهميتها؛ فالكلمة قد تُدخل صاحبها الجنة وتجعله من أهل التقوى، كما قال الله تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} [إبراهيم: 24].
والمسلم يتخير الكلام الطيب ويتقرب به إلى الله -سبحانه-، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والكلمة الطيبة صدقة) [مسلم].
المسئولية أمانة: كل إنسان مسئول عن شيء يعتبر أمانة في عنقه، سواء أكان حاكمًا أم والدًا أم ابنًا، وسواء أكان رجلا أم امرأة فهو راعٍ ومسئول عن رعيته، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها (زوجها) وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) [متفق عليه].
الأمانة في حفظ الأسرار: فالمسلم يحفظ سر أخيه ولا يخونه ولا يفشي أسراره، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حدَّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة) [أبو داود والترمذي].
الأمانة في البيع: المسلم لا يغِشُّ أحدًا، ولا يغدر به ولا يخونه، وقد مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يبيع طعامًا فأدخل يده في كومة الطعام، فوجده مبلولا، فقال له: (ما هذا يا صاحب الطعام؟). فقال الرجل: أصابته السماء (المطر) يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غَشَّ فليس مني) [مسلم].
فضل الأمانة:
عندما يلتزم الناس بالأمانة يتحقق لهم الخير، ويعمهم الحب، وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بحفظهم للأمانة، فقال تعالى: {والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون} [المعارج: 32]. وفي الآخرة يفوز الأمناء برضا ربهم، وبجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
الأمانة في نظر الشرع صفة واسعة الدلالة، وهي تدل على معان شتى، هي بإيجاز: شعور المرء بمسؤوليته في كل أمر يوكل إليه.
وبعض الناس يقصرون فهم الأمانة في أضيق معانيها، وهو حفظ الودائع، وحقيقتها في دين الله أضخم وأجل.
إن الأمانة هي الفريضة التي يتواصى المسلمون برعايتها ويستعينون بالله على حفظها، كما ورد في الدعاء للمسافر: ((استودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك))
[2].
وعن أنس قال: ما خطبنا رسول الله إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) رواه أحمد[3].
بل كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من ضياعها، كما روى أبو داود أنه كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)) [4].
نحن في زمان قلت فيه الأمانة، وكثرت فيه الخيانة، وأصبح كثير من الناس لا يؤتمنون، وإذا اؤتمنوا خانوا، وأصبحوا يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى أصبح يقال:إن في بني فلان رجلاً أميناً، لندرة الأمانة بين الخلق، وكأن الناس ما علموا أن الأمانة والرحم يقفان يوم القيامة على جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، لعظم أمرهما وكبر موقعهما، وليطالبا من يريد الجواز بحقهما.وأما سلفنا السابقون فقد تجذرت الأمانة في قلوبهم، فبها يتبايعون، ويتعاملون، ولهم في ذلك قصص وأخبار.
من أروع قصص الأمناء وأخبارهم :
ما حكاه ابن عقيل عن نفسه:حججت فالتقطت عقد لؤلؤ في خيط أحمر، فإذا شيخ ينشده، ويبذل لملتقطه مائة دينار، فرددته عليه، فقال:خذ الدنانير، فامتنعت وخرجت إلى الشام، وزرت القدس، وقصدت بغداد فأويت بحلب إلى مسجد وأنا بردان جائع، فقدموني، صليت بهم، فأطعموني، وكان أول رمضان، فقالوا: إمامنا توفي فصل بنا هذا الشهر، ففعلت، فقالوا:لإمامنا بنت فزوجت بها، فأقمت معها سنة، وأولدتها ولداً بكراً، فمرضت في نفاسها، فتأملتها يوماً فإذا في عنقها العقد بعينه بخيطه الأحمر، فقلت لها:لهذا قصة، وحكيت لها، فبكت وقالت:أنت هو والله، لقد كان أبي يبكي، ويقول:اللهم ارزق بنتي مثل الذي رد العقد عليّ، وقد استجاب الله منه، ثم ماتت، فأخذت العقد والميراث، وعدت إلى بغداد.
وقال ابن المبارك: استعرت قلماً بأرض الشام، فذهبت على أن أرده، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه.
رحمك الله يابن المبارك - لو رأيت حال بعضنا اليوم لأسفت لما وصلنا إليه فكم من عاريات لدينا لم تُرد لأصحابها !
وكم أخذنا بسيف الحياء ما ليس لنا !
فهل من وقفة ؟؟!!
الأمين ....
ممدوح من رب العالمين
محبوب من الخلق
مؤدٍ للفرائض
عفيف طيب النفس
قائم بالحق
كاتم للسر
حافظ للعهد
كامل الإيمان
اللهم إنا نعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة
اللهم آآآآآآآآآآآمين
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين