إن أهم معوقات الإدراك الواعي تأتي على النحو التالي:
1- الاستغراق في اللحظة الراهنة: وهذا المرض اجتاح الكثيرين، بحيث تستهلك وقتَ الإنسان الكثيرُ من تفاصيل الحياة اليومية؛ سواء المعيشية أو الدراسية أو العملية التي تضعف رؤيته لحاضرة فضلا عن مستقبله ومستقبل أمته، ولم ينج من هذا المرض إلا من رحم الله، وحياة المفكرين والعظماء وصانعي التاريخ تحدثنا أنهم كانوا يتجاوزون حاضرهم بمراحل لرؤية المستقبل وصناعة مشروعهم المستقبلي، ولا تستهلكهم تفاصيل الحياة اليومية، وهذا أحد المفكرين المسلمين الكبار يقول: "إنني كثيرًا ما أحيا خارج إطار الزمان والمكان!"، وهو في حقيقة الأمر يعيش في زمان ومكان، ولكن الزمن ومتغيراته المختلفة لا تؤثر في توجهاته وأفكاره ومشروعه الذي نذر حياته له، ولا المكان كذلك يؤثر فيه، وقد أنتج لنا كتبًا علمية ضخمة وموسوعة تحتاج لإنجازها فريقًا ضخمًا من المساعدين ورعاية مؤسسة لها، ولكنه لم يحظ لا بالفريق الضخم ولا بالرعاية من أية جهة رسمية أو أهلية، ولعله حول هذا المعنى يدور حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، صححه الألباني، فهل هناك أعظم من قيام الساعة ومشاهدة الشخص لأحداثها تأثيرًا في شعور الإنسان وتفكيره وعمله؟ إنها لحظة نهاية الدنيا وابتداء محاسبة الله عز وجل للخلائق من إنس وجن وحيوان، ومع كل هذه الأحداث والمؤثرات التي يمكن أن تؤثر في نفس وعقل أعظم الرجال، ومع ذلك يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من كان في يده فسيلة واستطاع أن يغرسها فليغرسها، إنه انفصال تام عن مؤثرات اللحظة الراهنة عند قيام الساعة للنظر في المستقبل ونتائج الأعمال، إذ إن الاستغراق في التفكير والخوف والـتأمل أو الذعر أو محاسبة النفس في تلك الحالة لا يجدي، ولكن الذي يجدي ويؤثر هو غرس الفسيلة وانتظار أجر هذا العمل من الله عز وجل عند الحساب، ونحن لا نقول إن الإنسان لا يتأثر بأحداث الحياة على التفصيل وهذا لا يقول به عاقل، ولكن أحداث الحياة بالجملة لا يجب أن تؤثر في تفكيره واتخاذ قراراته ومنهجه في الحياة، وهذه الدعوة النبوية تجمع معنيين عظيمين: الأول هو ما ذكرناه من عدم التأثر بالظروف الراهنة لإنجاز الأعمال، والثاني استمرار العمل حتى لو لم يرج أثره في الدنيا ورجاء أجره في الآخرة.
ويمكن أن نقول هنا: إن الصغار تغيرهم الظروف والأحوال وتتحكم بهم الحياة، وإن الكبار يغيرون الظروف والأحوال لصناعة المستقبل.
2- التكرار: تستخدم كثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أسلوب التكرار (مع أسلوب الإغراق في التفاصيل الذي ذكرناه أعلاه) للوصول بعقل الشخص المشاهد أو القارئ إلى حالة أو توجه معين تريده، بحيث يصبح عقل المتلقي وتفكيره منقادًا لتأثيرات وسائل الإعلام أو على أقل الأحوال مشوهًا في قدرته على الحكم على الأمور بمنظار صحيح، وقد يصل الفرد إلى مرحلة الشك في تفكيره وقدرته على الحكم الواعي حين وصوله إلى نتيجة مغايره لما تسوقه وسائل الإعلام، والتكرار مستخدم بطرق متغيرة هدفها جعل تفكير الشخص متجها إلى اتجاه دون آخر! فالشخص الواقع تحت تأثير هذا النمط لا هو مدرك لحاضره ولا هو مدرك لمستقبله، ووعيه الذاتي منتهك، والحل: إن كرروا عليك غثاءهم فكرر كلام الله عز وجل بقراءة القرآن، فهو يخرجك بإذن الله، وبما وضع الله فيه من إعجاز، من دوامة التكرار اليومية للصحف والقنوات الفضائية، ولكنها القراءة بتدبر، وليست القراءة للوصول إلى آخر السورة! فالقرآن يعطيك مناهجهم وطرقهم وكيفية التعامل معها، ويصنع لك حاضرك بتدبرك ووعيك وعملك، ويفتح لك أبواب المستقبل، فاجعل لك وردًا يوميًا لتدبر كلام الله عز وجل، وقد قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9]، ثم الارتباط بكتب الحديث والسنة مع وضع جدول يومي للقراءة الجادة التي تخرج الشخص من غثاء الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية!
ويمكن أن نقول هنا: إن الكبار لا ينظرون لتوافه الأمور وصغارها، ولا يشغلهم التكرار اليومي لوسائل الإعلام عن منهجهم في الحياة، هذا لأنهم كبار، وهم في ذلك على منهج أبي الطيب المتنبي في بيته الشعري الشهير الذي عجزه: وتصغر في عين العظيم العظائم، وصدره أشهر من أن يذكر!
إن معظم الإنجازات الكبيرة والتغيرات العظيمة في كثير من المجتمعات صنعها رجال رفضوا الاستسلام للواقع بما فيه من مؤثرات كثيرة ومتغيرة، واستشرفوا المستقبل الذي يمكنهم من خلاله البناء وتقديم العطاء العظيم لأمتهم، وصنعوا من أنفسهم أبطالا يذكرهم التاريخ وما سير علي عزت بيجوفيتش، والمهاتما غاندي، ونيلسون مانديلا عنا ببعيد!
وإن صناعة المستقبل تبدأ من صناعة الحاضر، وصناعة الحاضر تبتدئ منك أنت أيها القارئ الكريم متى ما صدقت مع الله عز وجل وأخلصت النية لله، ولا تظن أنك صغير ولا تستطيع عمل شيء، فقد تحدثنا في المقال كثيرًا عن كيفية أن الأشياء الصغيرة تحدث تحولات كبيرة وعظيمة، وإن العمل الإيجابي الذي تؤديه لنفع المجتمع المسلم يؤدي بتضافره مع أعمال إيجابية أخرى إلى نتائج لا تتخيلها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير، احرِص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنى فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"، أخرجه مسلم.
فهل تريد أن تكون المسلم القوي الذي يتجاوز حاضره والمرتبط بماضيه ولا تؤثر فيه الأحداث والظروف مهما عظمت لصناعة مستقبله، أو تريد أن تكون المسلم الضعيف؟
الاختيار لك، وأنت صاحب إرادة واختيار، فاختر لنفسك وأنت مسئول عن هذا الاختيار.
من باب نسبة الفضل لأهله فقد استفاد كاتب المقال من هذين الكتابين كثيرًا في أثناء كتابته للمقال وهما:
1- نظرية الفوضى، علم اللامتوقع لجايمس غليك، ترجمة مركز البابطين للترجمة.
2- الاستشراف: مناهج استشراف المستقبل لإدوارد كورنيش وترجمة الدكتور حسن الشريف.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الاستشراف: مناهج استشراف المستقبل لإدوارد كورنيش وترجمة الدكتور حسن الشريف، ص 32.
[2] السابق ص 32.
[3] السابق ص 33.
[4] السابق ص 36.
[5] السابق ص 37.
[6] السابق ص 38.
[7] السابق ص 39.
[8] السابق ص 129.
[9] السابق ص 129.
[10] السابق ص 129.
[11] السابق ص 129.
[12] السابق ص 130.
[13] السابق ص 130.
[14] السابق ص 131.
[15] السابق ص 131.
[16] السابق ص 131.
[17] السابق ص 131.
[18] السابق ص 106.
[19] السابق ص 98.