عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2008-11-14, 4:18 PM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
في واقعنا المعاصر لا يخلو إطار المثقفين والمفكرين المسلمين في تعاملهم مع الزمن ونظرتهم له ومواقفهم الفكرية عن ثلاثة أطر أو نماذج وهي:
1- نموذج فئة الماضي: وهم فئة مع الأسف كبيرة تنظر للماضي على أن مدارسه وطرقه ونماذجه وحلوله هي الحلول والتصورات المثلى لكل مشاكلنا ومعوقاتنا وحلولنا، وهي فئة يمكن تصويرها كرجل أعطى ظهره للحاضر والمستقبل والتفت إلى الوراء، وكلما نبهته أن هناك شيئًا يسمى حاضرًا وهناك شيئًا آخر يسمى مستقبلا، لوى رأسه وأعرض عنك متمسكًا بحالته الجامدة كهيكل لا يريد أن يتزحزح، وهي في حقيقة الأمر لها فلسفتها ونظرتها النفسية المنطلقة من أن الماضي بالنسبة لها معروف ومأمون وهذا يعطيها ارتياحًا نفسيًا، ولكنه مع الأسف ارتياح مشوه ينتج عنه الانغلاق على الذات والانغلاق عن الآخرين بما لديهم من تصورات ومناهج ونظريات وحلول لما يواجهه المجتمع من مشاكل، وهي مع ذلك تخسر على المدى القصير وعلى المدى الطويل. هي أغمضت عينيها عن الحاضر الذي تعيشه بما فيه من تغيرات تقنية وتكنولوجية وثقافية وإعلامية وأخلاقية، وأما المستقبل فلعل التفكير فيه من خلال منهجها الذي تتبناه من الهدر الذي لا طائل من ورائه، وإذا أسقطنا منهج فقه التحيز عند المفكر الإسلامي الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري على هذه الفئة لخرجنا بأنها تتبنى منهج فقه التحيز للماضي.

2- نموذج فئة المستقبل: وهي فئة أغلقت عينيها عن الماضي، وتعده من التخلف الذي لا يجدي النظر فيه ولا دراسته، وهي بفضل الله قلة ولكنها قلة مؤثرة، وترى أن المستقبل والتطور والحضارة إنما تكون في اتباع النموذج الغربي بما أنتجه من مدارس ونظريات ومناهج ورؤى وتصورات، وهي تتبع كل آلياته وأدواته التي يستخدمها، هي من الفئة التي تريدنا أن ندخل جحر الضب لو دخلوه. وهي فئة تخالف مسلمات التاريخ التي تتسم بأهم أدبية فيها وهي أن التاريخ كتلة واحدة لا يمكن تجزئته، وتخالف أيضًا ثقافة المجتمع ونموذجنا الديني الراقي بما أنتجه من مدارس ومناهج فقهية وحديثية لا غنى لمن يعيش الحاضر ويأمُل في مستشرق مشرق عنها، ويعجز كثير من أكبر علماء الغرب من متخصصين في الاجتماع والمناهج العلمية ودارسي التاريخ في الوقت الحاضر أن يأتوا بمثلها، وإذا أسقطنا منهج فقه التحيز عند المفكر الإسلامي الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري كما أسقطناها سابقًا على هذه الفئة لخرجنا بأنها تتبنى منهج فقه التحيز للمستقبل.

3- نموذج الفئة وسط: وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] وهي قلة كذلك، فهي تستفيد من الماضي، وهو مرجعيتها في كل أمورها الدينية، تأخذ من كتاب الله منهجًا ونبراسًا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة وسيرة؛ امتثالا لقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، ثم هي مع ذلك تأخذ بمنهج السلف الصالح انطلاقا من قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وهي تنظر للحاضر على أنه نتيجة لما حدث في الماضي؛ لأن حلقة الزمن والتاريخ متصلة لا يمكن فصلها بعضها عن بعض، وأن المستقبل هو نتيجة لما يحدث في الحاضر، فالمستقبل هو ما نصنعه في وقتنا الحاضر مستلهمين من الماضي المنهج والدروس والحكم، فلا هي أغلقت عينيها عن الحاضر والمستقبل، ولا هي منقادة خلف المستقبل دون منهج من الماضي، بل هي وسط بين هذا وذاك، ومنهجها أن الحاضر له مشكلاته التي تختلف عن مشكلات الماضي، وله تصورات ورؤى للتعامل معه وفق آليات حديثة تستمد قوتها ورؤاها من خلال المنهج الشرعي القويم، كما أن مزاجها النفسي والفكري يتعامل مع الحاضر ومع تصوراته للمستقبل وفق موضوعية ومنهجية لا تركز على جانب دون الآخر أو تصورات دون أخرى، وإذا أسقطنا منهج فقه التحيز عند المفكر الإسلامي الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري على هذه الفئة كما أسقطناها سابقًا لخرجنا بأنها تتبنى منهج فقه التحيز للوسطية.

إن المستقبل هو ما نصنعه في الحاضر، والأمم العابثة اللاهية تستخف بالمستقبل ثم يقول قائلها: لم نتعب أنفسنا بمستقبل لم يأت، وهل نعلم أنعيشه أم لا؟

إن هذا القول يكفي للرد عليه ما فيه من سفاهة وحمق، وهو مع ذلك مخالف للمنهج القرآني في الإعداد والأخذ بالأسباب وقد قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].

إنها آية من أعظم الآيات التي تتحدث عن الحاضر والمستقبل في وقت واحد؛ لأن الإعداد لا يكون إلا لما يمكن أن يحدث في المستقبل، وأنت مأمور به في الوقت الحاضر، وكلما تلونا هذه الآية فنحن مأمورون بالإعداد للمستقبل ابتداءً من الوقت الحاضر.

إن الإعداد للمستقبل ووضع الخطط له هو أقصر طريق لبلوغ الأهداف المؤثرة في صناعة القوة وعودة هذه الأمة من جديد لقيادة العالم، وإن أي انحراف مهما كان يسيرًا في التعامل الحاضر والمستقبل مع أية قضية؛ سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو إعلامية أو فكرية؛ يؤدي إلى خلل في المنهج العام وتوجهات المجتمع ككل مما يبعدنا في النهاية عن بلوغ أهدافنا مهما حسنت النيات، وأنفقت الأموال، وبذلت الجهود، فقد وضع الله سننًا للأشياء، وطبائع الأشياء يجب التعامل معها حسب ناموسها الكوني والسببية التي وضعه الله فيها، ومن طبائع الأشياء مثلا أن الماء يغلي عند درجة حرارة مئة درجة مئوية، فلا نأتي ببرميل من الماء ونضعه فوق شمعة صغيرة ثم نريد أن يصل الماء الذي فيه إلى درجة الغليان، إن هذا مخالف لسنة وضعها الله في الماء، ومخالف لسنة شرعية في الأخذ بالأسباب وقد قال تعالى: {[18]، وأثبتت نظرية الفوضى أن التأثيرات الهينة اليسيرة التي لا يأبه لها أحد تولد تأثيرًا كبيرًا قويًا، وفي العلم، كما في الحياة، إن الحوادث المتسلسلة والمستمرة تصل إلى مرحلة يتضخم بعدها ويكبر أثر الأشياء والأحداث الصغيرة.

ويمكن القول: إنه يدور حول هذا المضمون حتى يتضح اتضاحًا أكبر، ما تقوله قصيدة فلكلورية أمريكية:
"بسبب مسمار سقطت حدوة حصان
وبسبب حدوة تعثر حصان
وبسبب حصان سقط فارس
وبسبب فارس خسرت معركة
وبسبب معركة فقدت مملكة"

إن التغييرات الصغيرة في الحاضر يمكن أن تحدث تغييرات عظيمة في المستقبل، سواء كانت هذه التغيرات سلبية أو إيجابية، أي أن تغييرًا صغيرًا سلبيًا يمكن أن يؤدي إلى ظواهر سلبية عظيمة وكبيرة، كما أن تغييرًا صغيرا إيجابيًا يمكن أن يحدث تغييرات كبيرة وعظيمة إيجابية في المستقبل، فليس هناك ما يمكن تسميته بقضية صغيرة أو هامشية أو محدودة، وإن الذين يغفلون ويهملون القضايا الصغيرة واليسيرة لا يمكن أن يقوموا بحل القضايا الصعبة والمعقدة؛ لأننا نتحدث عن سلسلة مترابطة في المجتمع، والإعلام، والأسرة، والتربية، والمسجد كل منها مرتبط بالأخرى! وقد قال حكيم ذات يوم: إن المشكلة تبدأ صغيرة ثم تكبر، وإن المصيبة تبدأ كبيرة ثم تصغر!،.

وحقيقة الأمر أن كل شيء متشابك مع شيء آخر، فإننا نتسبب في تموجات تغير صغيرة عدة ونحن نمضي في حياتنا العادية، وكل فعل من أفعالنا يؤدي إلى تغيرات تؤدي إلى المزيد من التغيرات ثم إلى مزيد من التغيرات بغير نهاية![19].

ولذلك جاء الهدي النبوي بقوله عليه الصلاة والسلام: «مَن سنّ في الإسلامِ سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومَن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». إن رسول صلى الله صلى الله عليه وسلم حين يقر هذا المنهج على السنة الحسنة والسنة السيئة يأتي من عظيم علمه الذي وهبه الله عز وجل إياه ومعرفته صلى الله عليه وسلم بتأثير الحسنة والسيئة في المجتمع ككل، ولذلك رتب عليها الشارع الحكيم هذا الأجر العظيم في حال الحسنة، وهذا الإثم الكبير على من سن السنة السيئة، وهذا المنهج النبوي بهدف إلى ازدياد مقدار الخير في المجتمع المسلم بازدياد الأعمال الحسنة مهما كانت صغيرة؛ إذ لم يبين الرسول صلى الله عليه وسلم حجمها، ويقل الشر أو ينحصر إذا علم وأيقن وأدرك من أراد سن سنة سيئة مقدار الإثم الكبير الذي سوف يحمله نتيجة اتباع سنته السيئة التي سنها، وقد قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8].

وإذا كانت التحولات الإيجابية الصغيرة تحدث نتائج كبيرة، وهذه التحولات يصنعها الإنسان الواعي المدرك بماضيه وحاضره ومستقبله، فما معوقات الإدراك الواعي التي قد تشوه رؤية الحاضر أو تضعف رؤية الإنسان لكثير من المتغيرات والأحداث؟