عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2008-08-27, 8:18 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
القصص في سورة البقرة:
ونلاحظ أن القصص التي جاءت في سورة البقرة, تخدم نفس المعنى، وهو الطاعة؛ فقصة خلق آدم، وتعليمه، وتحذيره من الشجرة، ثم قبول الله توبته تعلمنا: إنه يجب علينا الطاعة؛ لأن الله هو الذي خلقنا, وإن عصينا, يجب علينا التوبة؛ لأن الله هو الحكم والمتصرف فينا؛ فأين المهرب وأين المفر؟! و ذكر الله: إنه خلق للإنسان ما في الأرض جميعاً - قبل أن يخلقه - لكي يَعْمُر الأرض, ويستكشف ما في باطنها, وخلقه ليكون سيداً، وليس ضعيفاً يرضى بالقليل، وفى نفس الوقت مطيعاً لله مُطَبِّقاً لحكمه وشرعه؛ وكأنَّ الله يستنكر علينا المعصية - وهو تعالى قد خلق لنا كل شيء يكفينا - فلِمَ التهافُت على الحرام وفى الحلال غِنَى وسعة؟! وجاءت قصة "النمرود" مع إبراهيم الخليل – عليه السلام - لتؤكد أن الأولى بالطاعة هو من بيده الأمر والتغيير فقط؛ ونجد عاقبة الطاعة النصر والتمكين؛ كما في قصة "طالوت"؛ وليس معنى الطاعة لله ألا نبحث في الكون, ولا نسعى للمعرفة؛ فسيدنا "إبراهيم" طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى؛ حباً في المعرفة وليس شكاً، واضطراب القلب هنا كان قلقاً للمعرفة؛ فالله - سبحانه وتعالى - لم يُنْكِر على "إبراهيم" ذلك القلق للمعرفة؛ وهذا رد على المتشددين؛ الذين يُنْكِرُونَ على المسلم الاهتمام بهوايةٍ ما ليس فيها إثم.

علاج العناد والكبر:
يقول تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}[البقرة:45], ولقد فسر الصبر بالصيام - كما جاء في كتب التفسير - وهذا يدل على رحمة الله بنا؛ أنه أرشدنا للعلاج من مرض النفوس الذي لا يعلمه الطب الحديث إلا بالعقاقير المهدئة؛ التي تُخَرِّب النفوس - فيما بعد - وتعد علاجاً مؤقتاً, وهروباً بالنوم المتواصل؛ فنصحهم الله بأن يستعينوا بالصلاة والصيام؛ لتغيير الكِبْر الذي في قلوبهم؛ وهذه الآية جاءت في سياق الحديث عن اليهود, ثم جاءت - مرة أخرى - عامة للمؤمنين؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153]؛ لذلك: كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا حَزَبَهُ أمر, صلى؛ فالصلاة راحة للمؤمن حَقَّ الإيمان، وبعض الناس - إذا هاجمته الهموم - يصلي ويكثر من الصلاة؛ حتى يفرج الله همه, ومن يتوجه إلى الله في الشدائد, ينجو من المرض النفسي المنتشر بين أهل الباطل، وكثرة الصيام والصلاة تطهر النفس وتزكيها وتجعلها تُقْبِلُ على الحق - وهذه الطاعات ثقيلة على غير المؤمنين - وكثرة الصيام والصلاة تقوى البصيرة؛ فيرى الإنسان بنور الله, ولا يتهافت على ما يضره, وتنجي من الهم؛ فكثير من أصحاب المعاصي - وإن لم يكن كلهم - يقولون: "لا أستطيع أن أَكُفَّ عن التدخين" - مثلاً أو أي معصية أخرى - ولو جرب هذا العاصي الصيام لفترة طويلة؛ سوف يقلع عن المعصية؛ لأن الصيام يقوى الإرادة, وينبه العقل, ويهدئ النفس, وينزل عليها السكينة, ويقوى البصيرة, ويكفر الذنوب؛ وربما بسبب ذنوبه, لا يستطيع ترك هذه المعاصي؛ لقول أحد الصالحين: "إن الذنب يفعله المرء لذنب سبق - عقاباً له - والطاعة تعقبها طاعة - مكافأة له"؛ ولا أعنى الصيام يوماً أو يومين, وإنما بِقَدْرِ الذنب؛ فإذا كان الإنسان حقوداً معانداً أو غافلاً أو عاصياً, لا يستطيع الإقلاع عن المعصية؛ فليصم حتى يشعر بالتغيير؛ فإذا تغير, فليعلم أن الله تَقَبَّلَ منه؛ لأن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.

الإسلام دين الإقناع:
أمرنا الله - تعالى - بأشياء كثيرة, ولكنه - تعالى - من رحمته, وضح لنا السبب مصحوباً بالأمثلة؛ فمثلاً: أمرنا بالقتال؛ لأنه قد يكون خيراً لنا ونحن لا نعلم؛ فالكافرون إذا تمكنوا من المسلمين, يعذبونهم, ويغتصبون نساءهم, ويدمرون حضارتهم, ويبدلون دينهم؛ الدليل على ذلك: ما حدث في الأندلس, وما يحدث الآن، وبَيَّنَ أيضاً: إنه لولا قتال المفسدين, لفسدت الأرض، وبَيَّنَ الله مَنْزِلَةَ الشهداءِ؛ وأنهم أحياء, وبَيَّنَ في قصة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت, كيف أماتهم الله؟ فالموت هو مآل الإنسان, ولكن الفرق في سبب الموت؛ هل هو في سبيل الله؛ فتنال الشرف الأسمى والجزاء الأوفر، أم هو موت الخائن أم موت الجبان....إلخ؟ كذلك: بَيَّنَ لنا كيف يُنَمِّى الله الصدقة ويبارك فيها, ويمحق الربا - مع أن العقل الإنساني يخشى الإنفاق, ويجد الربح كل الربح في الربا - ثم يضرب الله مثلاً لرجل غني؛ أصابه الكِبر, واحترق ثَمَرَهُ بإعصار؛ فمن يحميه وينصره من الله؟!
فالله قادر على أن يهلك الثروة - مهما بلغت - أما الصدقات, فهي عنده لا تضيع؛ بل تزيد وتتضاعف, ويأمن صاحبها من الفقر؛ لأنه وثق بالله وصَدَّقَهُ.
وفى سورة البقرة جاءت آية الكرسي - أعظم آية في القرآن - تزلزل النفوس المؤمنة, وتحثها على الطاعة؛ غير خائفة من مخلوق وغير خائفة من فوات رزق, أو فوات ثواب طاعة؛ فالإنسان نفعي بطبعه, يبحث عن منفعته؛ فلو لم يكن الله سميعاً بصيراً, فلن أُخْرِج الصدقة ولن أَتْعَب في سبيله؛ لكنه - تعالى - يعلم السر وأخفى, ولا تأخذه سنة ولا نوم؛ لن يظلمني؛ بل ستَتَضاعَف حسناتي؛ لأنه - تعالى - أرحم الراحمين الكريم العليم بخلقه؛ فهذه الآية العظيمة, ربطت ما سبق بما هو آت؛ فالأحكام السابقة كثيرة, ولكن الله هو الإله الواحد لا شريك له؛ فَلِمَ لا نطيعه؟! وسنثاب على هذه الطاعة, وستستقيم حياتنا بتطبيقها؛ لأنه معنا, يرانا ويؤيدنا؛ فمن يحفظ السموات والأرض, قادر على كل شيء، وعلى الرغم من قوته غير المتناهية يقول الله - تعالى – بعدها: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256]، ثم يحببنا في الطاعة؛ بأنه: {وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة:257]؛ فهل الكافر له نور؟ نعم: نور الفطرة؛ فكل إنسان يولد على الفطرة, وأبواه يعلمانه دينهما، أو ربما يرى الكافر شعاعاً من نور, ثم يأتي شيطان من شياطين الإنس ويشجعه على الابتعاد عن البحث في الدين, وعن النظر في حكمة الخلق، وربما يأتي من عناده؛ كما جاءت في قصة "النمرود" بعد هذه الآية؛ عندما سأله "إبراهيم" بأن: يأتي بالشمس من المغرب, فبهت, ولكنه لم يتراجع, ولم يؤمن كِبْراً؛ على الرغم من أنه بُهِتَ وكُبِتَ ولم يستطع الرد؛ مما يدل على عجزه، بذلك: تتجلى لنا عظمة الله - تعالى - ومدى جهل الإنسان ونقصه؛ فالإنسان عندما يصبح مالكاً لشركة أو مصنع يقول: "أنا المالك؛ ومن حقي أن أطرد أي عامل بدون إبداء الأسباب" أما الله - تعالى - فهو المالك القادر, وعلى الرغم من ذلك يبدى لنا أسباب غضبه, وأسباب نجاتنا.