6- التَّفاؤلُ:
لا شَكَّ أنَّ التَّفاؤلَ والتَّيَمُّنَ والنَّظَرَ إلى الأشياء بمنظارِ الفَأْلِ الحَسَنِ يُعطي صاحبَهُ شخصيَّة طيِّبةً ومَمْدُوحَةً؛ فعن أبي هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه– قال: سمعتُ رسولَ اللهِ –صلَّى الله عليه وسلَّم– يقولُ: ((لا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ)). قَالُوا: وما الْفَأْلُ؟ قال: الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُها أَحَدُكُمْ))[9].
والرَّسولُ –صلَّى الله عليه وسلَّم– نهى عنِ الطِّيَرَة -وهي التَّشاؤمُ- وأحبَّ الفَأْلَ.
ولا نَقْصِدُ بالتَّفاؤل أن نُغْمِضَ أعيُنَنا عنِ الحقائق وعواقب الأمور، لكنَّ المقصودَ هو التفكيرُ بعين الأمل لا بعين اليَأْس، والمُتفائلُ يرضى بالماضي، خيرِه وشرِّه، ويَثِقُ بالمستقبَل، ثم يؤدِّي الواجبَ، ويَتركُ النتيجة لله سبحانه؛ قال تعالى: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171].
والشَّخصيَّة القويَّة ينبغي لها التمسُّكُ بالتَّفاؤل، ويقودُها الأملُ، ويُحْيِيها الرَّجاءُ، وتُفَكِّرُ في النَّجاح أكثرَ منَ الإخفاق، وتميلُ إلى جانب الثِّقة أكثرَ منَ التردُّد، ويَتنافَى التشاؤمُ مع العقل السَّليم وقوَّة الإيمان؛ لأنَّ التشاؤمَ هو قِصَرُ النَّظَر، والوَسْوَسَة هي ضعفُ العقيدة؛ ففي التَّطَيُّرِ ظنٌّ بمعرفة الغَيْب، وما يعلمُ الغَيْبَ إلا اللهُ؛ قال تعالى: {وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123]، وقولُه سبحانهُ: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]، وقولُه تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا} [الأحزاب: 47].
7- التَّواضُعُ وعدمُ التَّصَنُّع:
ويعني: سهولةَ الأخلاق، وتجنُّبَ العَظَمة والكِبرياء، والتباعُدَ عنِ الإعجاب والخُيَلاء، وهو حِلْيَةٌ يتحلَّى بها الإنسانُ؛ فيَسْمُو في الدُّنيا قَدْرُهُ، ويتملَّكُ صاحبُهُ مودَّةَ القلوب، وينالُ كلَّ مرغوبٍ ومحبوبٍ، وبه يُجْتَلَبُ المَجْدُ، ويُكْتَسَبُ الحمدُ؛ فمَنْ تَواضَعَ للهِ رَفَعَهُ، والمُتَظاهِرُ والمُتَصَنِّعُ حتمًا يتَّضحُ أمرُهُ لدى النَّاس، ويَبِينُ جَهْلُهُ وضَعْفُه، فيعلمونَ كَذِبَهُ؛ فيَحتقِرونَهُ وينْفِرُونَ منهُ، ويصيرُ ممقوتًا عندهمْ جميعًا.
فالتَّواضعُ في غير مَذَلَّةٍ سبيلٌ للنَّجاح والرِّفعة، والتَّصنُّع سبيلٌ للإخفاق والمهانة.
عن أبي هُرَيْرَة –رضي الله عنه– قال: قال رسول الله –صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وما زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا، وما تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ))[10].
التواضعُ أساسٌ للشخصيَّة المحبوبة الجذَّابة، وإنَّنا نجْتَذِبُ غَيْرَنا بقَدْرِ حُبِّ غَيْرِنا لنا، ولنا في رسول الله –صلَّى الله عليه وسلَّم– وصحابتِه المَثَلُ والقُدْوَةُ؛ قال رسول الله –صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((إنَّه أوحِيَ إليَّ أنْ تواضعوا حتَّى لا يَفْخَرَ أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على
أحدٍ))[11].
وقال رجلٌ: يا رسولَ الله؛ إنِّي أحبُّ أن يكونَ ردائي حسنًا، ونَعْلِي حسنةً؛ أفَمِنَ الكِبْرِ ذلكَ؟ فقال: ((لا، إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجَمالَ))[12].
قال عبد المَلِك بنُ مَرْوَانَ: "أفضلُ الرِّجال مَنْ تَواضَعَ عن رِفْعَةٍ، وعفا عن قُدْرَةٍ، وأنْصَفَ عن قُوَّةٍ".
قال الشَّاعرُ:
عَجِبْتُ مِنْ مُعْجَبٍ بصُورَتِهِ وَكَانَ بِالأَمْسِ نُطْفَةً مَذِرَةْ
وَفِي غَدٍ بَعْدَ حُسْنِ طَلْعَتِهِ يَصِيرُ فِي اللَّحْدِ جِيفَةً قَذِرَةْ
وَهْوَ عَلَى تِيهِهِ وَنَخْوَتِهِ مَا بَيْنَ جَنْبَيْهِ يَحْمِلُ الْعُذْرَةْ
8- حُسْنُ المَظْهَر والقَوَام:
لمِظَهْرِ الإنسانِ أثرٌ في شخصيَّتِهِ، فالرَّجُلُ الصَّحيحُ الجِسْم، الحَسَنُ القامة، ربَّما لا يَحتاجُ في إظهار شخصيَّته والتَّأثير في غَيْره إلى ما يَحتاجُ إليه الشَّخصُ النَّحيفُ الجِسْم، المُشَوَّهُ الخِلْقَة؛ ففي حين تَجِدُ الأوَّلَ طبيعيًّا في معاملته؛ تجدُ الثَّانيَ مُحبًّا للتَّظاهُر، مُتَكَلِّفًا في أقواله وأفعاله، مُنْتَهِزًا كلَّ وسيلةٍ يستطيعُ أن يُظْهِرَ بها نفوذَهُ (عِلْمٌ – نَسَبٌ – مَالٌ – جَاهٌ – مَرَحٌ – فُكَاهَةٌ ...)
ذلك لأنَّ الإنسانَ حينما يُحِسُّ نَقْصًا في النَّاحية الجِسْميَّة مثلاً؛ تَراهُ يعمَلُ على أن يملأَ هذا الفراغَ، ويُكْمِلَ ذلكَ النَّقصَ منَ النَّاحية العقليَّة أو الخُلُقيَّة أو العِلْمِيَّة؛ حتَّى يُظْهِرَ شخصيَّتَهُ للملأ! وهكذا عَظَمةُ الخالق جلَّ وعلا؛ أن يعوِّضَ الإنسانَ بشيءٍ عمَّا فَقَدَهُ، وفي الحديث قال رسول الله –صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((إنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إلى أَجْسَامِكِمْ، ولا إلى صِوَرِكُمْ، ولكنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ))[13].
لذلك؛ لا ينبغي أن نَحْتَقِرَ إنسانًا، أو نَسْتَخِفَّ بمخلوقٍ، مهما يكنْ شأْنُهُ؛ فإنَّ مواهبَ الله
-تعالى- في الصُّدُور، لا في الثِّيابِ والظُّهُور.
قال رسولُ اللهِ –صلَّى الله عليه وسلَّم– في الحديث: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلَ على اللهِ تعالى، ومَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بما في يَدِ اللهِ عزَّ وجلَّ أَوْثقَ مِنْهُ بما في يَدَيْهِ، ومَنْ أَحَبَّ أنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللهَ عزَّ وجلَّ))[14].
وقال ابنُ عمرَ – رضي الله عنهما-: "نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ"[15].
9- قُوَّةُ البيان:
لا شَكَّ أنَّ قُوَّةَ البيان، وفصاحةَ اللِّسان، وحُسْنَ المَنْطِق، والقُدْرَةَ على التَّأثير في السَّامع مع رَجَاحَة العقل تُكْسِبُ الإنسانَ شخصيَّةً قويَّةً، وتجعلُ لهُ مَنْزلةً بين سامِعِيهِ، وبلاغةُ اللِّسان وفصاحتُهُ لها قُدْرَةٌ كبيرةٌ على إقناع الآخَرين، ولنا في قصَّة سيِّدنا موسى -عليه السَّلامُ– وقفةٌ.
قال تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص: 34].
فكان هارونُ عَوْنًا لأخيه -عليهما السَّلامُ- في إقناع فِرْعَوْنَ وقومِه، ولقد جاءَ في الحديث: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ))[16].
والفصاحةُ لا تعني الثَّرْثَرَةَ والتَّشَدُّقَ والتَّوَعُّرَ في الكلام، وإنَّما هي حُسْنُ التَّعبير عمَّا في النَّفْس، وقوَّةُ التَّأثير في المُسْتَمِع، والتَّكَلُّمُ من غير تَهَيُّبٍ أو تَخَوُّفٍ؛ بحيثُ يكونُ الكلامُ حُلْوًا رشيقًا، سَهْلاً عَذْبًا مؤثِّرًا. ولهذا؛ كان الأمرُ يَتَطَلَّبُ العِلْمَ بالشَّيءِ الذي نُريدُ الكلامَ عنهُ، وترتيبَ الأفكار لهُ، وما أجملَ الكلمةَ الصَّائبةَ في اللَّحظة المناسِبة، وكذا حُسْنُ الاستماع للمتكلِّم من آداب التَّخاطُب.
والرَّجلُ الفصيحُ تكونُ الأعناقُ إليه أَمْيَلَ، والعقولُ عنه أَفْهَمَ، والنُّفوسُ إليه أَسْرَعَ، وقد ذَكَّرَ اللهُ رسولَه –صلَّى الله عليه وسلَّم– حالَ قريشٍ وبلاغتَهُمْ؛ فقال: {وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4]. فكلَّما كان اللِّسانُ أَبْيَنَ كان أَحْمَدَ، وقيل لجعفرِ بنِ يحيى البَرْمَكِيِّ: ما البيانُ؟ قال: أن يُحِيطَ لَفْظُكَ بمعنَاكْ، ويَكْشِفَ عن مَغْزَاكْ، ويُخْرِجَهُ منَ الشِّرْكَة، ولا يُسْتَعَانَ عليه بالفِكْرَة، ويكونَ سَلِيمًا منَ التَّكَلُّف، بعيدًا منَ الصَّنْعَة، بريئًا منَ التَّعقيد، غَنِيًّا عنِ التَّأويِل.
قال سهلُ بنُ هارونَ: "العقلُ رائدُ الرُّوحِ، والعِلْمُ رائدُ العقلِ، والبَيَانُ تَرْجُمَانُ العِلْمِ".
وقيل: "حياةُ المُروءةِ الصِّدْقُ، وحياةُ الرُّوحِ العفافُ، وحياةُ الحِلْمِ العِلْمُ، وحياةُ العِلْمِ البَيَانُ"، ولهذا؛ فإنَّ الكلمةَ إذا خَرَجَتْ منَ القلب وَقَعَتْ في القلب، وإذا خَرَجَتْ منَ اللِّسان لمْ تَتَجَاوَزِ الآذانَ.
قال –صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فيها – (أي: لا يُفَكِّرَ فيها؛ أخير هي أمْ لا) - يَزِلُّ بها في النَّار أبْعَدَ مِمَّا بين المَشْرِق والمَغْرِب))[17].
قال الشَّاعرُ:
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
وقال آخَرُ:
لا يُعْجِبَنَّكَ مِنْ خَطِيبٍ خُطْبَةٌ حَتَّى يَكُونَ مَعَ الْكَلامِ أَصِيلا
إِنَّ البيان لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلا
أخـيرًا:
إِذَا وَعَظْتَ فَأَوْجِزْ؛ فإنَّ كثيرَ الكلام يُنْسي بعضُه بعضًا، وأَصْلِحْ نفسَكَ يَصْلُحْ لكَ النَّاسُ.