عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2008-06-09, 7:05 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
كانت وجبة الطعام قد تهيأت ، وكان البيت قد أعد إعداداً كاملاً ، ولم يبق إلا استقبال الزوج والأبن الأصغر ، أما البنت الصغرى فهي تلعب في الحجرة الأخرى مع ألعابها ...

ظلت المرأة تتجول بلا وعي ، لم تستقر في مكان ، كانت تقرب يدها من الهاتف لتتصل بزوجها فتخبره ، ثم تكف عن ذلك ، مع أن قلبها في حالة لا يعلم بها سوى الله وحده .. ثم تعود لتدور بلا وعي ولسانها لا يفتر عن ذكر الله والدعاء ، ودموعها لا تنقطع .. لم تدرِ كم مضى من الوقت على حالتها النفسية الصعبة التي تمر بها ، لكنها بمجرد أن سمعت جرس الباب قفزت قفزاً إلى دورة المياه لتغسل وجهها جيداً ، حتى تمحو آثار الدموع .. وقبل أن تتجه إلى الباب مرت في طريقها على المرآة المعلقة في الصالون ، لترى وجهها وتحاول أن تمسح ما بقي من آثار الحالة القلبية التي عصفت بها ولا تزال تعصف ، والتي تركت بصماتها على ملامح وجهها ، ثم تكلفت الابتسام في مشقة وجهد ، وفتحت الباب وهي تتكلف الابتهاج بوصول زوجها سالما ، واستقبلته كما كانت تفعل كل يوم ، ابتسامة متلألئة ، وكلمات طيبة ، ودعوات مباركة ، وسارت معه خطوات بعد أن تناولت منه حقيبته التي ترافقه كل يوم إلى عمله .. ثم انصرفت لتعد مائدة الطعام ، أثناء ذلك عاد الصغير من الخارج ، وبادر إلى تقبيل يد ابيه ، بينما قبل الأب راس صغيره .. ثم اشار إليه إن يلحق بأمه في المطبخ ليقبل راسها أيضا ..


على مائدة الطعام لم تستطع أن تأكل كالمعتاد ، رغم أنها تكلفت ذلك ، وكان الزوج لماحاً فسألها عما بها ، فاعتذرت أنها أكلت ما يكفيها وسد رغبتها في المزيد .. غير أن قلبها لا زال يغلي غلياناً شديداً ، فبادرت تنهض كأنما تذكرت شيئا ، وطالبتهم أن يكملوا طعامهم ...ولما وراها باب الحجرة سقطت على الفراش تنتحب وهي تكتم صوتها ، ولسانها يستمطر رحمات السماء بضراعة ..
حالما انتهى الزوج من طعام الغداء ، ودخل حجرته ، لحقت به لتسأله وهي تتكلف أن تكون طبيعية :
هل ستنام القيلولة هذا اليوم ؟ أم أنك لن تفعل لأني أراك نشيطا ، ما شاء الله .
ضحك لسؤالها وقال وهو يرفع حاجبيها :
_ هذه أول مرة تسألينني هذا السؤال .. ما الأمر ..؟ أقسم بالله أن هناك شيئا ما .. هيا تكلمي ..

كان يلح عليها وهو يضاحكها .. وحاولت أن تتفلت ، على أن تخبره بعد صلاة العصر .. غير أنه ألح واشتد في إلحاحه .. فاستعانت بالله ، وتذكرت ما كانت قد أعدت قوله مما علمها إياه ( شيخها الصغير عبد العزيز ) في مثل هذه المواقف ، قالت:
لقد أعارنا الجيران ماعوناً ثم أخذوه هذا اليوم ، فهل من حقي أن أزعل منهم وأغضب عليهم ؟
ضحك الزوج وضرب يداً بيد ، وقال :
أمرك اليوم عجب .. منذ أن دخلت وأنا أراك غير طبيعية .. وآخرتها أنك زعلانة من جيرانك لأنهم استعادوا حقهم ..سبحان الله ..!
أخذت المرأة نفسا عميقا وهي تجمع أمرها لتقول له :
إذن اعلم أن الله سبحانه أعطانا عبد العزيز برحمته ، واليوم استرجع الله عاريته .

وتمالكت نفسها حتى لاتنهار ، وبقي الزوج يحملق فيها واجماً غير مصدق ، ثم صاح بقوة :
ماذا تقولين .. بالله عليك ماذا تقولين ؟.. ماذا حدث ؟ ما القصة ؟؟
فأخبرته الخبر ، وفاضت عيناها بالدموع .. أما الزوج فانهار تماماً ، كان هذا ولده البكر الذي يؤمل فيه آمال عريضة ، وبكى بكاء لم يبك مثله منذ إن ولد .. وسقط على السرير القريب منه ، غير أنه وجد سنداً قوياً من هذه المرأة الصالحة التي تماسكت أكثر حين رأت زوجها ينهار على هذه الشاكلة ، وأخذت تصبّره ، وتذكره بالله ، وتقويه ، وتدفعه للذهاب ليلقي نظرة أخيرة على ولده ، ثم يعد العدة للصلاة عليه ، بعد صلاة العصر التي لم يبق عليها سوى ساعتين تقريبا ، وأخذت تحدثه أن القبر روضة من رياض الجنة ، وأنها تحسب أن قبر ابنها سيكون كذلك ، وعليه أن يعجل له بذلك إن كان يحبه فعلا ..!!


وبمثل هذه المعاني الرائعة ظلت تطرق سمعه وتقوي عزمه ، حتى قام متثاقلا لا تكاد ساقاه تحملانه .. ثم أخذ يتصل بمن يعرف ليخبره الخبر ، فلما خرج ، أكملت هي بقية المهمة تتصل بكل من تعرف لتجمع أكبر عدد من المصلين على ولدها الحبيب .. وكانت تحث كل من تتصل بها ، أن تتصل بغيرها ..!
وفي عجالة سريعة لاحظها الجميع .. تم كل شيء بشكل رائع .. وفوجئ الناس وعلى راسهم الأب المسكين ، فوجئوا بهذه الجموع الحاشدة التي تتدفقت على المقبرة وامتلأت بهم نواحي المكان ، وكانت آية لهذا الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من عمره ..

وبعد أن نفض الناس ايديهم من تراب القبر ، تحلقوا جلوسا ، وقام فيهم خطيب يعظ الناس ويذكرهم بالموت ولقاء الله ، وتعالى البكاء ، فقد كان المتكلم مؤثراً أفاض الله على قلبه بمعاني سماوية قوية ، حرك بها الأرواح ..
كان الأب خلال تلقي العزاء بعد الكلمة ، لا يكاد يستطيع الوقوف ، وبعضهم من حوله يسنده ..

أما المرأة الصالحة فقد كان هذا اليوم يومها ..
كانت تتألق في كل موقف من المواقف الصعبة ..
فحين أقبلت النسوة لتعزيتها ، واجتمعن في صحن الدار ، خرجت إليهن متماسكة ، متهللة الوجه ، مستنيرة كأنما هي غير مصابة بهذه الفاجعة ، ثم قالت لهن بصوت لا يتلجلج :
لقد علمني ولدي عبد العزيز أن الميت يُعذب ببكاء أهله عليه .. فلا مكان للبكاء اليوم ، إنما هو الصبر والرضا بقضاء الله ،
ثم إنه علمني أيضا : أن غريق البحر شهيد ، والشهيد حي يرزق عند ربه ، فإن جئتن لتهنئتي فمرحى بكن وأهلا .. وإن جئتن لغير ذلك فاخرجن مشكورات .. وتقبل الله سعيكن ..! أما أنا فإنني اليوم استقبل التهاني ، لا التعازي ..

ووجمت النساء لحظات ثم انخرطت كثيرات منهن في بكاء شديد ..!!
= =
لله درك يا أم عبد العزيز ورضي الله عنك وعن ولدك المتألق ..
لقد جددتِ روحاً إيمانية في عصر المادية هذا الذي نعيشه ، فكنتِ نموذجاً رائعا على ما يمكن أن يصنعه الإيمان بالنفوس إن هي تفاعلت معه وبه ومن أجله ..
بو عبد الرحمن
نساء متألقات في زمن الفتنة 3 _ امرأة ألمانية
من ألمانيا نأخذ الدرس هذه المرة ..
وإنها لقصة تحتاجها جمهرة غفيرة جداً من فتياتنا خاصة ،
ورجالنا وشبابنا عامة ..
هذه قصة امرأة ألمانية بقيت زمناً وهي تتنقل في بلاد العالم ،
لا بهدف السياحة كما يفعل الكثيرون ، ولكن بهدف أسمى وأروع من ذلك ..
كانت تبحث وتستشكف بعين فاحصة ، وتتدبر وتتأمل ،
وتسجل ملاحظتها أولاً بأول لحاجة في نفسها ، شغلتها عن كل شغل ..!..

زارت المغرب ، وطارت إلى يوغسلافيا ، ومرت باليونان ،
واستقرت في مصر ، وعرجت خلال ذلك بأكثر من بلد مسلم ..
وهي لا تفتر تواصل تدوين ملاحظتها ، وفتح عينيها لمزيد من التأمل الهادئ ..
ولكن السؤال الأهم :
ما الذي كان يشغلها أصلاً ؟ وعم كانت تبحث ؟ وإلى أي شيء تريد أن تصل ؟
.. هذا هو مربط الفرس ..وهنا سر القصة لمن كان له قلب ..
هاهنا العجب الذي نرغب أن نهديه إلى جمهرة غفيرة من شبابنا وفتياتنا ..
هؤلاء الذين يخبطون في الحياة كما تخبط الأنعام ...!!

ولذا أكرر أن هذه القصة كلها مهداة إلى نسائنا المسلمات تحت كل سماء ..!

كانت هذه المرأة الشابة تعيش _ كما تقول وتؤكد _ حالة خواء روحي شديد ،
وقلق نفسي عاصف ، وحيرة لا تجعلها تستقر ولا تهدأ ..
رغم أن المال يجري بين يديها ، ورغم مباهج الحياة التي كانت تنغمس فيها ..
فهي لا تفتأ تتنقل من ملهى إلى ملهى ، ومن مرقص إلى مراقص كثيرة ..
فخطر لها أنه ربما تجد عزاءها في السفر ، وخلال هذه الرحلة تحاول أن تتلمس حياة الشعوب الأخرى ..
فلعلها تكتشف أنها ليست الوحيدة المصابة بهذه العلة الخطيرة ..
لعلها تصل إلى نتيجة مؤداها :
أن النفسية المحطمة من داخلها شيء تشترك فيه الشعوب بنسب متفاوتة ..!!