ومعانٍ كثيرة جداً أفاض فيها وحولها الشيخ المتحدث
وقد فتح الله عليه يومها بشكل مبهر ، كان لها اشد الوقع في قلبي ..
لقد شعرت بحقارة نفسي وأنا أتذكر كيف كنت أصر على أن أكون زهرة
كل مجلس ، وزينة كل منتدى ، استجلابا لإعجاب الآخرين من ذكور وإناث .
ولم يكن لي هم في حياتي إلا الاهتمام بزينتي كأنني ( دمية )
في يد صبية تلعب بها بين يديها !! ألا لعنة الله على الشيطان ،
كيف يزين المعصية في العيون ، حتى يغفل الإنسان عن الله سبحانه ،
ولا يبالي بما يفعل وهو يركب هواه ..!!
لقد تجلى لي بوضوح كالشمس أن المرأة أصبحت سلعة رخيصة ممتهنة ،
يوم ابتعدت عن طريق الله سبحانه ، ولم تلتزم هديه الذي طالبها بالتزامه ..!!
والخلاصة .. أن ذلك الحديث في ذلك اليوم فعل بقلبي الأفاعيل ..
وبكيت كما لم أبك من قبل .. وتولد عن ذلك قرار لا رجعة فيه ،
قرار الانخلاع من حياة عابثة ، لن أجني من ورائها إلا
مزيداً من سخط الله عليّ ، إذا تماديت في السير فيها ..
ووطنت نفسي من تلك الساعة على أن ألتزم ما طلبه الله مني
ولو شق ذلك على نفسي ، ولو كان في ذلك خروج روحي ،
ولو كان في ذلك أن أتعرض لسخرية جميع العالمين ..
لقد أصبحت غايتي وهدفي أن يرضى الله عني ،
فإذا رضي الله عني فعلى الدنيا وأهلها العفاء ..!..
ولقد هجم الشيطان عليّ بوساوس كثيرة ليصرفني عن هذا القرار
كأن يصور لي انصراف صديقاتي عني ، وسخريتهن مني ،
وتلك المباهج التي سأخسرها ، ونحو هذا كثير ..
ولكني كنت قد وطنت نفسي على مواجهة كل شيء في سبيل
تحصيل رضا الله عني ..المهم والهم أن يرضى الله عني ..
ولا شيء أريد غير رضاه ..
وكانت أولى خطواتي على طريق الهداية ..
وشعرت يومها أنني ولدت من جديد .. نعم والله .. شعرت تماماً
أنني ولدت من جديد ...!
ولقد من الله عليّ فوجدت تباشير الرضى تملأ قلبي من خلال
هذه المشاعر السماوية التي تغلي في قلبي ولم أكن أتذوقها من قبل ..
فله الحمد والمنة..
يبقى أن أقول لك شيئا ..
أنني والله لم أكن لأتصور يوما ما أن أجد مثل هذا الفيض من المعاني
والمشاعر التي أصبحت أتذوقها منذ إقبالي على الله ،
ولاسيما وقد وطنت نفسي على أن أحمل هم دعوة الله لأكون في ركب الأنبياء
عليهم السلام ، لعل الله يحشرني مع النبيين والصديقين يوم القيامة ،
وأصبحت في كل مجلس ومع كل أحد ، وحيثما كنت ، وأينما حللت ،
أحمل هم هذا الدين ، أبلغه وأحبب فيه ، وأزينه في عيون الآخرين ،
وأسعى لأدفعهم إليه ، لعلهم يذوقون بعضا مما أذوقه ، هذه واحدة ،
والثانية لعل الله يزيدني من فضله نورا على نور .. وهذا ما شعرت به ..
والثالثة .. لقد كنت خير داعية لصنوف من الشر أزينها في عيون الأخريات
وأنا أحدثهن عن عالم الأزياء والموضات وعوالم صعاليك الوسط الفني ..!
فأنا اليوم أريد أن أعوض ذلك الحديث بالحديث عن الخير حيثما كنت ..
ولقد أكرمني الله بأن وضع لي القبول لدى كثيرات ممن أحدثهن ،
فاستجابت لي مجموعة غير قليلة ، ومنهن من أصبحت لا هم لها اليوم
إلا أن تحمل راية دينها أينما نزلت وحلت ورحلت ..
وبهذا ومثله تتسع دائرة الخير ، ونكون قد ساهمنا في نشر هذا الدين ،
وسعينا جادين في إصلاح مجتمعنا ..
والحمد لله أن الدائرة تنداح بشكل رائع .. يبقى أن نسأل الله القبول ،
والثبات حتى الممات .. ..
قالت الكبرى بعد لحظة صمت :
لعلي سمعت مثل هذه المعاني من قبل مراراً ، ولكن قلبي لم يهتز لها ومعها
ولم يتفتح لها ، ولم يتشربها كما اشعر بها هذا اليوم ،
اشعر أن نبراتك صوتك لها صدى غير عادي ،
وأن حرارة حديثك تمس شغاف القلب وتحرك أوتاره ،
خاصة وأنا أعرفك من قبل .. واليوم كأنني أتعرف على إنسانة جديدة ،
والعجيب أن هذا كله يتم خلال بضعة أشهر فقط .. فسبحان الله .. سبحان الله ..
والله لقد شوقني حديثك إلى أن أراجع نفسي ، وهيجني إلى ضرورة أن التزم
على الوجه الذي يريد الله ويحب .. وأسأل الله أن يرضى عني ،
ويشرح صدري ..وأحسب أن هذا سينهي حالات خلاف حادة تقع
بيني وبين زوجي ، كانت تهدد حياتي الزوجية ..
ولعل الله أراد بي الخير أن ساقني لزيارتكم
في هذه الظروف التي أمر بها ..
قفزت الصغرى إلى حضن شقيقتها وأخذت تقبلها وهي تبكي ..
ولسانها يتخبط وهي تدعو لها ، وتدعو ، وقابلت الكبرى هذه الحركة
من شقيقتها بأن أخذت تضمها وهي تخفي وجهها حتى لا تفضحها دموعها
التي أخذت تناسب بغزارة ..
ومع انسياب الدموع يخيل إليك أن إشراقة ما أخذت تتوهج على
ملامح هذه الفتاة ، وكأنما قرار التوبة ، ونية العزم على العودة إلى الله
أثمر سريعا ، فتولد عنه نور في القلب نضح على ملامح الوجه .. !!
ومن صدق الله صدقه ..
ومن أقبل على الله أقبل عليه ، وفتح له خزائنه ..!
= =
بو عبد الرحمن