عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 2  ]
قديم 2008-06-06, 6:46 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
ومرضت ذات يوم فكأنما أصاب الشركة عدوى مرضها ، لاسيما في القسم الذي تعمل فيه ، فبدا يوما كالحا على الجميع ..!!
وتقاطر الموظفون وبعض المراجعين إلى المستشفى لعيادتها ..
غير أن والدها أصر على أن تسافر لتلقي العلاج في بلد أجنبي ، لأنه لا يثق بقدرات أي طاقم طبي في بلده ..!!
ومكثت هناك لأشهر ، انقطعت أخبارها عن الشركة مع الأيام ، حتى كاد أن ينساها أكثرهم ، وعادت الحياة تجري في عروق الشركة من جديد ، لاسيما وقد ترجّح لهم أنها لن تعود إلى عملها ، حتى لو شفيت ..

أسلمها والدها إلى أرقى المستشفيات ، ووضع أرقام هواتفه كلها ، لدى الإدارة ، وكرر على مسامعهم أنه يسلم ابنته لايدي أمينة يثق فيها ، ولنفوس كبيرة يركن إليها ، كما كرر على مسامع ابنته أنه يثق بها كل الثقة ، ولذا فإنه مضطر ليدير ظهره لها ، حتى لا ينقطع عن مشاغله التي لا تنتهي ..!!

ووجدت الفتاة نفسها وحيدة منقطعة ، على فراش المرض ، غير أنها تعرفت مع الأيام على فتاة تكبرها بأعوام ثلاثة ، كانت مرافقة لوالدتها المريضة في نفس المستشفى ، فقامت هذه الفتاة على رعايتها والاهتمام الشديد بها ، وتوثقت بينهما علاقة حميمة كان لها ما بعدها ..!!
* *
وتعود عجلة الحياة تسير كالمعتاد في دائرة أسرتها ، والدها لا زال يركض وراء دنياه ، وأمها تتلهى بمتع الحياة ، حتى أذهلتها عن كل شيء ، ولم تعد تبالي بشيء ، وأختها تتولى شؤونها مربية أجنبية ، وأما أخوها فقد انقطع عن الجميع ، منذ أن سافر ، ولم يبق من صلة سوى الاتصال المتقطع على فترات ..!!

و تماثلت للشفاء بعد نجاح العملية التي أجرتها ، وعادت إلى بلدها وقد تغير كل شيء فيها ..
كأنما خلعت جلدا ، ولبست جلداً آخر .!
كأنما أخذت قلماً لتشطب على صورتها القديمة بالطول والعرض ، ثم ترسم صورة جديدة مختلفة تماماً عن الصورة القديمة ، التي عرفها الناس بها ..!
عادت ووجهها يتلألأ بهذا الحجاب الذي يلف رأسها في وقار ، ويصب عليها نفحة من نفحات السماء ، فيكسو ملامحها ، وهذا الثوب الفضفاض الذي لا يكشف شيئا من جسدها ، لكنه يزيدها بهاء ، وحتى يديها آثرت أن تضعهما في قفازين ...!!
فلكأنما فترة المرض كانت تصحيحاً لكل تاريخها القديم ، وتصويباً لكل خطأ فيه ..!!
لقد وفق الله تلك الفتاة التي تعرفت عليها في ذلك المشفى ، فاستطاعت أن تحرك في قلب هذه مشاعر جديدة ، وتلهب أشواقها الدفينة إلى السماء ، وتحببها في الله سبحانه ، وتنفض من على عينها الغشاوة ، وتحرك أوتار محبة الله جل جلاله ، وحدثتها كثيرا عن هذه المعاني السماوية ، وعن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته المعطرة ، وعن حكمة تعاليم الله وتكاليفه ، وأهميتها في حياة الإنسان وسعادته ، وأمنه واستقراره النفسي ، وعن الجنة والنار ، والحياة والموت ، كما حدثتها طويلا عن آلام الأمة وما تعانيه ، ودور كل مسلم ومسلمة في هذه الحياة ..
اشهر وهي تتلقى هذه الدروس المجانية ، من هذه الفتاة المتألقة ، والتي كانت تترجم ما تقول عمليا ، من خلال شدة الاهتمام بها ، وكثرة الرعاية لها ، وروعة الحنو عليها ، ونحو هذا ..
حتى تشربت هذه كل تلك المعاني فاهتز قلبها بالحياة ، وأشرقت روحها بنور ربها !!
كانت تردد كثيرا :
من أعظم نعم الله عليّ في الحياة ، هذا المرض الذي ألم بي ، وقطعني عن الحياة لأشهر طويلة ، حتى تتم ولادتي من جديد ..!!
هاج والدها وثار وجن جنونه ، غير أنه انكمش كأنه قطعة ألمنيوم سخنت جدا وسرعان ما بردت !! .. فقد ردت عليه بهدوء :
هذه حياتي الشخصية ، وأنت علمتنا طويلا أنك ممن لا يتدخل في شؤون الآخرين الشخصية ، لأن حياة الغرب تقوم على ذلك !!
فكأنما ابتلع حجرا ، وعاد يحاول معها بهدوء ليثنيها ، غير أنها أبت إلا أن تمضي في طريقها ، وهي تؤكد للجميع أنها وجدت معنى لحياتها ، بل تؤكد لهم أنها تشعر أنها تذوق طعم الحياة الطيبة ، وتتمنى لهم أن يذوقوا هذه المعاني ، فيقابلون كلامها بالسخرية منها ، أو بطي الشفاه ثم الإعراض عنها ..!!
* *
كان التغيير جوهري ، شمل كل شيء في حياتها ، كأنما هي شخصية أخرى تماماً ، تصوراتها ، مفاهميها ، اهتماماتها ، مع بقاء روح التفاؤل وشيء من المرح في مكانه ، وإشاعة البهجة حيثما كانت ، لكنها بهجة ممزوجة بجد هذه المرة ..!!
أما في مجال العمل ..
ففي أول يوم تطأ قدمها الشركة ، توجهت ابتداءً إلى مكتب مدير الشركة ، وحين مرت بالموظفين كانوا بين مصدق ومكذب ، وانقلب الجو كلها في تلك الساعة ، غير أنها اكتفت بإلقاء السلام ، وأشارت بيدها أنها ستعود إليهم ، بعد الانتهاء من هذه المقابلة ..
ولما فتحت الباب ورفع المدير رأسه إليها ، لم يعرفها ابتداء ، فلما حدق فيها ، هاله ما يرى ، ووثب من مكانها وثباً ، وقام يرحب بها وهم يتلعثم ..
غير أنها لم تزد على أن ألقت إليه السلام وسؤال عابر عن الحال وحال الشركة ، ثم قالت وهي تمد إليه ورقة كانت معها :
إن لم تنقلني ..فأقلني ..!
ووضع نظارته على عينه ليقرأ الورقة ، فإذا هي استقالتها ، إن هو أصر على إبقائها في القسم القديم الذي كانت فيه ، وألحت على النقل إلى قسم آخر من أقسام الشركة ، تغلب عليه المعاملات النسائية ..
وحاول أن يثنيها ، فأصرت على موقفها وهي تقول مؤكدة :
هناك مكاني ، مع أخواتي ، وسأقدم أفضل ما عندي ، ولن أبخل على هذه الشركة بشيء من قدراتي ، ولكن
أن أعود إلى سالف حياتي السابقة ، فهذا هو المستحيل بعينه ، تلك فترة مضت وانقضت ولن تعود إن شاء الله .. وعليك أن تنسى ما كان ، وتفكر فيما سيكون ..! .. أرجوك .. انقلني ..أو أقلني .. ولا ثالث لهما ..!
وكان لها ما أرادت ، واستأنفت حياة جديدة مليئة بألوان من النشاط والحيوية ، سواء في دائرة أسرتها ، أو دائرة عملها ، أو في مجالات أخرى ، لاسيما وقد ارتبطت بصحبة من النساء لهن ذات الهم ، ويسعين لذات الهدف ، وغايتهن الله ..
فرغت نفسها لمولاها سبحانه ، وبذلت وقتها ، وجهدها ، ومالها لدعوة دينها ...
إنها هذه المرة تقوم بهذا كله من أجل الله سبحانه ، بعد أن عرفته وشُغِف قلبها حباً له ، ومن أجل خدمة لدينها ، وتكفيرا عما سلف من حياتها ..
ولهذا كانت تردد دائما وفي انتشاء ..
والله إني أجد في هذا التعب من أجل الله ، متعة متميزة لم أذق مثلها ولا قريبا منها ، في كل حياتي السابقة ، حين كنت أعب من شهوات هذه الدنيا عباً ..!!
والذين لا يعرفون حلاوة الإقبال على الله ، ومتعة التعب من أجله ، مساكين محرومون وإن ضحكوا كثيرا اليوم ، فقد يبكون طويلاً غداً ..
الحمد لله الذي هداني لهذا ، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله ..
* * *
بو عبد الرحمن