واقعيّة الإسلامِ في التعامل مع المشاعر المختلفة
م. عبد اللطيف البريجاوي
ليس هناك دين أو عقيدة مثل دين الإسلام وعقيدته حقَّق التوازن في حياة الإنسان على المستويات المختلفة، سواء كان علاقة الإنسان مع نفسه أو علاقته مع المحيط الخارجي أو علاقته مع الخالق سبحانه وتعالى، فلا تمرُّ على طرف من أطراف هذه العلاقات المختلفة إلاَّ وترى كيف أوجد الإسلام نقاط التوازن الذي تضمن نقاطاً ثلاثة:
• رضا الله سبحانه وتعالى.
• ضمان المصلحة الدنيويّة والأخرويّة.
• تفريغ المشاعر النفسية.
وفي قضية التعامل مع المشاعر المختلفة التي تنتاب الإنسان نجد أنّ الإسلام راعى نقطة التوازن بما يحقق هذه النقاط الثلاثة السابقة، فاحترم المشاعر المختلفة وصعّد بعضها وهذّب الآخر وجعل بعضها نقطة انطلاق لإصلاح الحياة.
1- مشاعر الحب:
أكد الإسلام أنّ الإنسان يملك بين جنبيه مشاعرَ اسمها مشاعر الحب، فالإنسان يحب ويتفاعل مع من يحب؛ بل إنّه يفعل المستحيل من أجل من أحب، لذلك فقد اعترف الإسلام بهذه المشاعر وأقرها وشذب بعضها ووجه البعض الآخر. ومن ذلك:
• حبُّ الإنسان لبعض الأمكنة دون بعض:
فقد يحنّ الإنسان لمكان دون آخر ولمنطقة دون أخرى وليس في ذلك أدنى حرج أو إثم فعن أَنَس بن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى خَيبَرَ أَخدُمُهُ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». (البخاري 2675)
وعن عَائِشَة قالت: قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَو أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا» (البخاري3633)
• حبُّ بعض الأشخاص دون غيرهم:
والإنسان بلا شك يميل قلبُه لبعض الأشخاص أكثر من بعض وليس في ذلك غضاضة في الإسلام فعن عَمْرُو بن العَاصِ أنّه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». فَقُلْتُ: مِن الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: «أَبُوهَا». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ». فَعَدَّ رِجَالاً (متفق عليه)
• حبُّ عملٍ محدد:
وقد يحب الإنسان مهنة دون أخرى؛ فالإسلام لم يجبر أحداً على مهنة يكرهها، وهذه وسيلة تربوية ناجحة ومفيدة؛ فعن أََبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلا إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَومَ الْقِيَامَةِ». (البخاري574)
2- مشاعر الكره والبغض:
فقد يستحكم الكره قلب الإنسان لسبب من الأسباب المقبولة شرعاً، وقد يشعر أنّه لا يستطيع أن يرى فلاناً أو يكلم فلاناً لسبب من الأسباب، والإسلام احترم هذا الشعور إذا كان مقبولاً شرعاً ولم يتجاهله أو ينساه، فعن وحشي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ له: «أأنْتَ وَحْشِيٌّ» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «أَأنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ»؟ قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنْ الْأَمْرِ مَا بَلَغَكَ. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي»؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ. فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ قُلْتُ: لَأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثَلْمَةِ جِدَارٍ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ثَائِرُ الرَّأْسِ فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ. (البخاري 3764).
ويروى أنّه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أيضاً مع هند بنت عتبة التي لاكت كبد حمزة بعد مقتله، فقال لها: غيِّبي عني وجهك.
فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلم وحشي وحسن إسلامه لم يستطع أن يراه أمامه فطلب منه أن لا يرى وجهه فيتذكر مصابه بحمزة رضي الله عنه.
3- مشاعر الحزن:
والحزن من أكثر المشاعر التي تنتاب الإنسان وخاصة عند فقد حبيب أو غال، والإسلام قدَّر هذه المشاعر وجعل لها متنفَّساً ولم يمنع أن يعبّر الإنسان عنها.
فقد بكى صلى الله عليه وسلم عندما فقد ابنه إبراهيم وفاضت عيناه بالدموع فعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: دَخَلْنَا على رسول الله وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا ابنَ عَوفٍ إِنَّهَا رَحمَةٌ. ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ العَينَ تَدْمَعُ وَالقَلبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ (البخاري 1220)
ولم ينهَ صلى الله عليه وسلم من بكى لفقدان غالٍ أو حبيب فعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ قَالَت امْرَأَةٌ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ عُثْمَانَ بنَ مَظْعُونٍ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيهَا نَظَرَ غَضبَانَ فَقَالَ: «وَمَا يُدرِيكِ»؟! قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَارِسُكَ وَصَاحِبُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي». فَأَشْفَقَ النَّاسُ عَلَى عُثمَانَ. فَلَمَّا مَاتَتْ زَينَبُ ابنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الحَقِي بِسَلَفِنَا الصَّالِحِ الخَيْرِ عُثمَانَ بنِ مَظعُونٍ». فَبَكَت النِّسَاءُ فَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرِبُهُنَّ بِسَوطِهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ وَقَالَ: «مَهلاً يَا عُمَرُ». ثُمَّ قَالَ: «ابكِينَ وَإِيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيطَانِ». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ مَهمَا كَانَ مِن العَينِ وَالقَلبِ فَمِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنَ الرَّحمَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ» (أحمد 2020)
وبكى صلى الله عليه وسلم عندما فقد بنتاً من بناته؛ فعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: شَهِدنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ عَلَى القَبرِ، فَرَأَيْتُ عَينَيهِ تَدمَعَانِ. فَقَالَ: «هَل مِنكُم رَجُلٌ لَم يُقَارِف اللَّيْلَةَ»؟ فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: أَنَا. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَانزِلْ». فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا. (البخاري1205).