عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [ 4  ]
قديم 2008-05-19, 10:38 AM
يمامة الوادي
عضو متميز بالمنتدى
الصورة الرمزية يمامة الوادي
رقم العضوية : 7644
تاريخ التسجيل : 19 - 6 - 2005
عدد المشاركات : 43,494

غير متواجد
 
افتراضي
إن الجاهلية هي الجاهلية . ولكل جاهلية أرجاسها وأدناسها .

لا يهم موقعها من الزمان والمكان . فحيثما خلت قلوب الناس من

عقيدة إلهية تحكم تصوراتهم , ومن شريعة - منبثقة من هذه العقيدة –

تحكم حياتهم , فلن تكون إلا الجاهلية في صورة من صورها الكثيرة . . والجاهلية التي تتمرغ البشرية اليوم في وحلها ,

لا تختلف في طبيعتها عن تلك الجاهلية العربية أو غيرها من الجاهليات

التي عاصرتها في أنحاء الأرض , حتى أنقذها منها الإسلام وطهرها وزكاها .

إن البشرية اليوم تعيش في ماخور كبير !

ونظرة إلى صحافتها وأفلامها ومعارض أزيائها . ومسابقات جمالها ,

ومراقصها , وحاناتها . وإذاعاتها .

ونظرة إلى سعارها المجنون للحم العاري , والأوضاع المثيرة ,

والإيحاءات المريضة , في الأدب والفن وأجهزة الإعلام كلها . .

إلى جانب نظامها الربوي , وما يكمن وراءه من سعار للمال ,

ووسائل خسيسة لجمعه وتثميره , وعمليات نصب واحتيال وابتزاز

تلبس ثوب القانون . . وإلى جانب التدهور الخلقي والانحلال الاجتماعي ,

الذي أصبح يهدد كل نفس وكل بيت , وكل نظام , وكل تجمع إنساني . .

نظرة إلى هذا كله تكفي للحكم على المصير البائس الذي تدلف إليه البشرية

في ظل هذه الجاهلية .

إن البشرية تتآكل إنسانيتها , وتتحلل آدميتها , وهي تلهث وراء الحيوان ,

ومثيرات الحيوان ، لتلحق بعالمه الهابط ! والحيوان أنظف وأشرف وأطهر .!

لأنه محكوم بفطرة حازمة لا تتميع , ولا تأسن كما تأسن شهوات الإنسان

حين ينفلت من رباط العقيدة , ومن نظام العقيدة , ويرتد إلى الجاهلية

التي أنقذه الله منها , والتي يمتن الله على عباده المؤمنين

بتطهيرهم منها في تلك الآية الكريمة:

( ويعلمهم الكتاب والحكمة). .

وكان المخاطبون بهذه الآية أميين جهالا . أمية القلم , وأمية العقل سواء .

وما كان لهم من المعرفة شيء ذو قيمة بالمقاييس العالمية للمعرفة ,

في أي باب من الأبواب

. وما كان لهم في حياتهم من هموم كبيرة تنشىء معرفة

ذات قيمة عالمية في أي باب من الأبواب

. فإذا هذه الرسالة تحيلهم أساتذة الدنيا , وحكماء العالم ,

وأصحاب المنهج العقيدي والفكري والاجتماعي والتنظيمي ,

الذي ينقذ البشرية كلها من جاهليتها في ذلك الزمان

. والذي يرتقب دوره في الجولة القادمة - بإذن الله - لإنقاذ البشرية

مرة أخرى من جاهليتها الحديثة , التي تتمثل فيها كل خصائص الجاهلية

القديمة ; من النواحي الأخلاقية والاجتماعية ;

وتصور أهداف الحياة الإنسانية وغاياتها كذلك !

على الرغم من فتوحات العلم المادي والإنتاج الصناعي ,

والرخاء الحضاري !

( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).

ضلال في التصور والاعتقاد , وضلال في مفهومات الحياة ,

وضلال في الغاية والاتجاه , وضلال في العادات والسلوك ,

وضلال في الأنظمة والأوضاع , وضلال في المجتمع والأخلاق . .

والعرب الذين كانوا يخاطبون بهذه الآية كانوا يذكرون - ولا شك –

ماضي حياتهم وأوضاعهم ، ويعرفون طبيعة النقلة التي نقلهم إليها الإسلام ,

وما كانوا ببالغيها بغير الإسلام ;

وهي نقلة غير معهودة في تاريخ بني الإنسان .

كانوا يدركون أن الإسلام - والإسلام وحده –

هو الذي نقلهم من طور القبيلة , واهتمامات القبيلة , وثارات القبيلة ,

لا ليكونوا أمة فحسب . ولكن ليكونوا - على حين فجأة

ومن غير تمهيد يتدخل فيه الزمن –

أمة تقود البشرية , وترسم لها مثلها , ومناهج حياتها , وأنظمتها كذلك ,

في صورة غير معهودة في تاريخ البشرية الطويل .

كانوا يدركون أن الإسلام - والإسلام وحده –

هو الذي منحهم وجودهم القومي ,

ووجودهم السياسي ووجودهم الدولي . .

وقبل كل شيء وأهم من كل شيء . . وجودهم الإنساني

الذي يرفع إنسانيتهم , ويكرم آدميتهم

ويقيم نظام حياتهم كله على أساس هذا التكريم , الذي جاءهم

هدية ومنه من لدن ربهم الكريم . والذي أفاضوه هم على البشرية كلها

بعد ذلك , وعلموها كيف تحترم "الإنسان" وتكرمه بتكريم الله .

غير مسبوقين في هذا , لا في الجزيرة العربية , ولا في أي مكان . .



تــابع

= = = = = = =

وفي اللفتة السابقة إلى "الشورى " طرف من هذا المنهج الإلهي ,

الذي كانوا يدركون فيه عظم المنة عليهم من الله .

وكانوا يدركون أن الإسلام - والإسلام وحده –

هو الذي جعل لهم رسالة يقدمونها للعامل ، ونظرية للحياة البشرية ,

ومذهبا مميزا للحياة الإنسانية . .

والأمة لا توجد في الحقل الإنساني الكبير إلا برسالة ونظرية ومذهب ,

تقدمه للبشرية , لتدفع بالبشرية إلى الإمام .

وقد كان الإسلام , وتصوره للوجود , ورأيه في الحياة ,

وشريعته للمجتمع , وتنظيمه للحياة البشرية ,

ومنهجه المثالي الواقعي الإيجابي لإقامة نظام يسعد في ظله "الإنسان"

. . كان الإسلام بخصائصه هذه هو "بطاقة الشخصية "

التي تقدم بها العرب للعالم , فعرفهم , واحترمهم , وسلمهم القيادة .

وهم اليوم وغدا لا يحملون إلا هذه البطاقة .

ليست لهم رسالة غيرها يتعرفون بها إلى العالم .

وهم إما أن يحملوها فتعرفهم البشرية وتكرمهم ;

وإما أن ينبذوها فيعودوا هملا - كما كانوا - لا يعرفهم أحد ,

ولا يعترف بهم أحد !

وما الذي يقدمونه للبشرية حين لا يتقدمون إليها بهذه الرسالة ?

يقدمون لها عبقريات في الآداب والفنون والعلوم..؟!

لقد سبقتهم شعوب الأرض في هذه الحقول . والبشرية تغص بالعبقريات

في هذه الحقول الفرعية للحياة . وليست في حاجة ولا في انتظار

إلى عبقريات من هناك في هذه الحقول الفرعية للحياة !

يقدمون لها عبقريات في الإنتاج الصناعي المتفوق , تنحني له الجباه ,

ويغرقون به أسواقها , ويغطون به على ما عندها من انتاج ? ?

لقد سبقتهم شعوب كثيرة , في يدها عجلة القيادة في هذا المضمار !

يقدمون لها فلسفة مذهبية اجتماعية , ومناهج اقتصادية وتنظيمية

من صنع أيديهم , ومن وحي أفكارهم البشرية ?

إن الأرض تعج بالفلسفات والمذاهب والمناهج الأرضية .

وتشقى بها جميعا غاية الشقاء !

ماذا إذن يقدمون للبشرية لتعرفهم به ,

وتعترف لهم بالسبق والتفوق والامتياز ?

لا شيء إلا هذه الرسالة الكبيرة . لا شيء إلا هذا المنهج الفريد .

لا شيء إلا هذه المنة التي اختارهم الله لها , وأكرمهم بها ,

وأنقذ بها البشرية كلها على أيديهم ذات يوم .

والبشرية اليوم أحوج ما تكون إليها ,

وهي تتردى في هاوية الشقاء والحيرة والقلق والإفلاس !

إنها - وحدها - بطاقة الشخصية التي تقدموا بها قديما للبشرية ,

فأحنت لها هامتها . والتي يمكن أن يقدموها لها اليوم ,

فيكون فيها الخلاص والإنقاذ .

إن لكل أمة من الأمم الكبيرة رسالة .

وأكبر أمة هي التي تحمل أكبر رسالة . وهي التي تقدم أكبر منهج .

وهي التي تتفرد في الأرض بأرفع مذهب للحياة .

والعرب يملكون هذه الرسالة - وهم فيها أصلاء , وغيرهم من الشعوب

هم شركاء - فأي شيطان يا ترى يصرفهم عن هذا الرصيد الضخم ?

أي شيطان ?!

لقد كانت المنة الإلهية على هذه الأمة بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم

وبهذه الرسالة عظيمة عظيمة .

وما يمكن أن يصرفها عن هذه المنة إلا شيطان . .

وهي مكلفة من ربها بمطاردة الشيطان !



= = = = =









كتبها بو عبدالرحمن